اذكر يا رب اجتماعاتنا باركها

أذكر يا رب اجتماعاتنا باركها[1]
هناك صلاة نقولها في كل قداس إلهي اسمها أوشية الاجتماعات.
ومن أهميتها أنه إذا كان رئيس الكهنة حاضرًا، هو يصليها وليس غيره…
يقول فيها: أذكر يا رب اجتماعاتنا باركها. اِعط أن تكون لنا بغير مانع ولا عائق، لنصنعها حسب مشيئتك الصالحة الطوباوية. بيوت صلاة، بيوت طهارة، بيوت بركة، أنعم بها علينا وعلى عبيدك الآتين بعدنا إلى الأبد.
ويصليها الكاهن أيضًا وهو يدور بالبخور حول المذبح.
متذكراً أن اجتماعات المؤمنين هي كالدائرة حول الأرض كلها. وأنها اجتماعات حول الذبيحة والمذبح. وأنها تصعد إلى الله كرائحة بخور.. لذلك نصليها ونحن نرفع البخور.
وحينما نقول (اجتماعاتنا)، لا نقصد اجتماعاتنا وحدنا، وإنما اجتماعاتنا مع الرب.
فنحن لا نذهب إلى الكنيسة لمجرد أن نجتمع مع بعضنا البعض، وإنما لكي نجتمع كلنا معًا، مع الله. إننا نجتمع في بيته، معه… بيننا وبين الرب موعد نلتقي فيه معه. حبنا له يجذبنا إليه، فنهرع إلى بيته لكي نلتقي به، وفيما نلتقي به، نلتقي مع بعضنا البعض.
وهذه الصورة يطلق عليها: الله وسط شعبه.
كانت تمثلها خيمة الاجتماع. وكانت وسط خيام الشعب. وحسنًا أنهم أسموها خيمة الاجتماع. إذ فيها كان يجتمع الله مع الناس. يعلن لهم وجوده بينهم، ويسمعون صوته. أو يعلن لهم مشيئته عن طريق عبده موسى مثلًا …
على أن المهم لم يكن هو المكان، وإنما الاجتماع.
وهكذا يمكن أن نقول إن أول كنيسة كانت في جنة عدن.
حيث كان الرب يلتقي بآدم وحواء، اللذين كانا أول جماعة للمؤمنين. وهكذا فإننا حينما ندشن كنيسة جديدة، نبدأ بالإصحاح الأول من سفر التكوين، الذي فيه خلق الله أول جماعة للمؤمنين، والذي فيه “قَالَ اللهُ: “لِيَكُنْ نُورٌ” فَكَانَ نُورٌ. وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ” تكوين 1 : 3–4 .
والفردوس الذي كان يجتمع الله فيه مع آدم وحواء، كان يشير إلى الكنيسة التي هي فردوس الله على الأرض.
ثم كانت كنيسة أخرى، هي فلك نوح.
الذي قال عنه القديس بطرس الرسول: “الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ. الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ” بطرس الأولى 3 : 20–21 . أما الثماني أنفس فكانت نوحًا وزوجته، وأبناؤهما الثلاثة، وزوجات الأبناء الثلاث. على أن البعض يقول إن الفلك كان فيه تسعة. والتاسع كان هو الرب، الذي كان يدير دفة الفلك بسلام، والفلك مرتفع على الماء فوق الجبال، وفوق الموت الذي على الأرض. الماء ينزل عليه من فوق، والماء تحته، وهو مثال المعمودية بالتغطيس.
ثم كان الله وسط شعبه، في الخيمة وفي هيكل سليمان.
وبعد ذلك في كل الكنائس، وفي كل بيوت الله أيًا كان موضعها: سواء في بيوت الناس، أو في المقابر، أو في المغاير، أو في شقوق الجبال. المهم أن يجتمعوا ويكون الله في وسطهم. وهناك صورة جميلة قدمها لنا سفر الرؤيا في الإصحاحين الأول والثاني وهي:
الرب وسط المنابر السبع، وفي يده اليمنى السبعة كواكب.
وكانت السبع المنائر هي السبع الكنائس رمزًا لكنائس العالم كلها، والرب في وسطها. وفي يمناه السبعة كواكب أي ملائكة الكنائس أو رعاتها…
والله لا يعني بالاجتماع مجرد الاجتماعات الكبيرة المزدحمة، مثلما كان وسط الجموع على جبل العظة، أو وسط جماعات الناس التي تزحمه، وإنما قال:
“حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ” متى 18 : 20 .
أي عدد مهما كان قليلًا، يجتمع باسم الرب، فهناك يكون الله في وسطه، ولعل من أجمل الأمثلة على ذلك اجتماع القديسة مريم العذراء مع القديسة أليصابات. أنظروا ماذا يقول الإنجيل في ذلك “لَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلاَمَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا وَامْتَلَأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُس” لوقا 1 : 41 ، وفي تلك اللحظة امتلأ الجنين (يوحنا) من الروح القدس، كما تنبأ عنه الملاك المبشر به” لوقا 1 : 15 .
كان في هذا الاجتماع الصغير امتلاء من الروح القدس، وكان فيه كشف إلهي، وتسبيح.
بالكشف الإلهي – نتيجة الامتلاء بالروح – عرفت أليصابات أن العذراء مريم هي أم الرب، وأنها آمنت أن يتم ما قيل لها من قبل الرب لوقا 1 : 43–45 . وانكشف لها أيضًا ابتهاج الجنين في بطنها. أما القديسة العذراء فقد سبحت الرب بتسبحتها المعروفة “تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ. وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللَّهِ مُخَلِّصِي..” لوقا 1 : 46–47 ..
هناك اجتماعات أخرى باركها الرب: ثنائية أو ثلاثية:
مثل اجتماع القديس الأنبا أنطونيوس بالقديس الأنبا بولا. فكان في وسطهما حسب وعده. كما كان في وسط مريم ومرثا في بيتهما لوقا 10 : 38–39 . وكان أيضًا في وسط تلميذي عمواس بعد القيامة لوقا 24 : 13–16 ، “ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” لوقا 24 : 27 .
ومن أجمل الأمثلة أيضًا ما حدث على جبل التجلي.
اجتماع جميل وعجيب: موسى وإيليا، والسيد المسيح في وسطهما مرقس 9 : 4 . بل من الاجتماعات المعجزية النادرة بل الوحيدة: الثلاثة فتية في أتون النار بسبب إيمانهم، والسيد المسيح في وسطهم يمنع النار من أن تضرهم دانيال 3 : 25 .
إن الأمثلة عديدة لا تحصى – سواء في الكتاب أو التاريخ عن مباركة الرب لاجتماعات من يجتمعون باسمه. وهنا نسأل.
ماذا عن الأفراد وعلاقتهم بوعد الرب في متى 18 : 20 .
هنا أجاب أحد القديسين وقال: إن اجتمع العقل والقلب والجسد باسم الرب، فإنه ينطبق عليها وعده المقدس “حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ” متى 18 : 20 ..
ولعله من أمثلة ذلك موسى النبي مع الرب على الجبل، وخروجه من ذلك الاجتماع ووجهه يلمع بالنور، حتى أن بني إسرائيل خافوا أن يقتربوا إليه، فجعلوا على وجهه برقعًا حين يكلمهم” الخروج 34 : 29–35 . كان وجهه يلمع بالنور، لأنه اجتمع مع الله الذي هو النور الحقيقي، النور الذي لا يُدنى منه.
وكما التقى الرب مع موسى، التقى مع يوحنا الرائي في جزيرة بطمس (رؤ 1). والتقى مع أبينا إبراهيم مرارًا (تك 12). والتقى مع كثير من الأنبياء والرسل. بل التقى مع الرجل المولود أعمى، بعد أن طرده اليهود خارج المجمع.. وجذبه إلى الإيمان يوحنا 9 : 35–38 .
إن الله يحب أن يجتمع بشعبه، وهو يجتمع معهم في الكنيسة، وفي أي مكان..
اجتمع الرب معهم على الجبل (مت 5). وفي مكان خلاء، أثناء معجزة الخمس خبزات والسمكتين (لو 9). واجتمع مع الشعب في بيت، كما في قصة ش الرؤيا 21 : 3 فاء المفلوج (مر 2). وكثيرًا ما اجتمع مع الشعب عند شاطئ البحيرة، أو في الحقول. وقد اجتمع مع تلاميذه في العلية (يو 20)، ومع بعض منهم في بستان جثسيماني (مت 26). والتقى مع شاول الطرسوسي في طريق دمشق (أع 9). وكذلك إلتقى مع تلميذي عمواس في الطريق.. كل ذلك قبل تأسيس الكنيسة كبناء.
ثم اختار الله الكنيسة لاجتماعه مع شعبه.
ودعيت الكنيسة بيت الله وباب السماء، منذ القديم تكوين 28 : 17 ، وهي مكان مقدس، مدشنة بالميرون. والاجتماعات التي فيها اجتماعات مقدسة. وفيها الهيكل والمذبح، قدس الأقداس، وهو مكان آخر للقاء الله مع قديسيه. ونحن في كل ذلك نصرخ إلى الرب قائلين: “أذكر يا رب اجتماعاتنا. باركها”. فما معنى هذه العبارة:
أذكر يا رب اجتماعاتنا باركها.
أذكرها: أي لتكن في ذاكرتك باستمرار. لا تنسها ولا تغفل عنها. وهنا أتذكر ما قاله سليمان الملك للرب في يوم تدشين الهيكل: “لِتَكُونَ عَيْنَاكَ مَفْتُوحَتَيْنِ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ لَيْلاً وَنَهَاراً، عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قُلْتَ: إِنَّ اسْمِي يَكُونُ فِيهِ لِتَسْمَعَ الصَّلاَةَ الَّتِي يُصَلِّيهَا عَبْدُكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ… اسْمَعْ أَنْتَ فِي مَوْضِعِ سُكْنَاكَ فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا سَمِعْتَ فَاغْفِرْ” الملوك الأول 8 : 29–30 . أذكر اجتماعاتنا، وأيضًا:
باركها: باركها بوجودك فيها، وبارك بعمل روحك القدوس، مع المتكلم والسامع.
باركها من جهة العدد، فتنمو وتكثر، كما قيل في أول إصحاح لتأسيس الكنيسة أيام الرسل “وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ” أعمال الرسل 2 : 47 ، كما قيل بعد سيامة الشمامسة السبعة “وَكَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ تَنْمُو وَعَدَدُ التَّلاَمِيذِ يَتَكَاثَرُ جِدًّا فِي أُورُشَلِيمَ…” أعمال الرسل 6 : 8 . وقيل بعد اختيار الرب لبولس الرسول: “وَأَمَّا الْكَنَائِسُ فِي جَمِيعِ الْيَهُودِيَّةِ وَالْجَلِيلِ وَالسَّامِرَةِ فَكَانَ لَهَا سَلاَمٌ وَكَانَتْ تُبْنَى وَتَسِيرُ فِي خَوْفِ الرَّبِّ وَبِتَعْزِيَةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ كَانَتْ تَتَكَاثَرُ” أعمال الرسل 9 : 31 .
باركها أيضًا في عملها الروحي، وفي ثمرها.
لتكن صلواتها مباركة ومستجابة منك. ولتكن الكلمات الملقاة فيها ذات ثمر، ثلاثين وستين ومائة. وليكن الافتقاد مثمرًا، فلا يغيب أحد عن الاجتماعات ومن يحضر يتأثر وينخس في قلبه، وتتغير حياته إلى أفضل..
نقول في أوشية الاجتماعات اِعط أن تكون لنا بغير مانع ولا عائق.
فنحن نطلب أن تكون هذه الاجتماعات عطية لنا من الله، وأن يمنع عنها الموانع والعوائق. وقد يكون المانع من قوة خارجية، وقد يكون من أنفسنا في الداخل، أو من ظروف خاصة بنا. وكلا الأمرين نطلب معونة الله فيهما لتستمر اجتماعاتنا وتأتي بفائدتها الروحية. وكيف ذلك؟ نقول:
لنصنعها حسب مشيئتك الصالحة الطوباوية.
نعم، إن الاجتماعات التي نطلب من الله أن يباركها، هي التي نصنعها حسب مشيئته الصالحة الطوباوية. أما الاجتماعات التي ليست حسب مشيئة الله، والتي تكون لأغراض شخصية، أو يسودها الشقاق والضجيج، فلا نستطيع أن نقول عنها: أذكر يا رب اجتماعاتنا. باركها…
إنه درس تقدمه لنا الكنيسة: أن نصلي لأجل اجتماعاتنا.
نصلي لأجل القداسات والعشيات، واجتماعات الشباب والشابات والاجتماعات العامة. الاجتماعات الروحية، واجتماعات الأنشطة، وحتى الاجتماعات الإدارية… لكي يباركها الله كلها… لو كنا جميعًا نصلي لأجل كل هذه الاجتماعات، فأية منفعة كانت ستعود على الكنيسة كلها.. لماذا نقول بعد ذلك:
بيوت صلاة، بيوت طهارة، بيوت بركة.
أولًا: لأن الكنيسة كانت أولًا تجتمع في بيوت المؤمنين: مثل بيت مريم أم القديس مار مرقس أعمال الرسل 12 : 12 ، ومثل بيت أكيلا وبريسكلا رومية 16 : 3–5 . ومثل بيت ليديا بائعة الأرجوان أعمال الرسل 16 : 15 ، ومثل بيت نمفاس كولوسي 4 : 15 .. فالكنيسة تصلي من أجل البيوت التي صارت كنائس.
ثانيًا: نصلي من أجل الذين يحضرون الاجتماعات ويتأثرون بروحياتها، أن تكون بيوتهم – نتيجة لهذا التأثير – بيوت صلاة وبيوت طهارة وبيوت بركة.
أخيرًا هناك اجتماعات أخرى فيما بعد، كلها بركة.
حينما يأتي الرب على السحاب في مجيئه الثاني في ربوات قديسيه “ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهَكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ” تسالونيكي الأولى 4 : 17 .. ونسكن جميعًا معًا في أورشليم السمائية التي قيل عنها: “هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ” الرؤيا 21 : 3 .
ما أجملها اجتماعات تلك التي نجتمع فيها مع الملائكة والرسل والأنبياء والآباء وسائر القديسين… هذه التي تبقى إلى الأبد، بلا مانع ولا عائق، بيوت صلاة، بيوت طهارة، بيوت بركة…
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “اذكر يا رب اجتماعاتنا باركها”، نُشر بمجلة الكرازة 22 يوليو 1994م.




