أحد الشعانين وأسبوع الآلام

في يوم أحد الشعانين (أحد السعف) دخل السيد المسيح أورشليم كملك. ولم تواجهه في ذلك مشكلة من الرومان، لأنه لم يكن ينافس قيصر.
إنما قامت أمامه المشكلة من الداخل، من داخل شعبه، من زعماء اليهود الذين اعتبروه منافسًا لهم في زعامة الشعب!
أما الشعب فاستقبله بفرح بسعف النخل وأغصان الزيتون: فما الرموز والدروس الروحية الكائنة في هذا السعف والزيتون؟
سعف النخل
1- سعف النخل الذي يستخدمه الناس حتى اليوم هو قلب النخل حتى إن الباعة حينما ينادون عليه يقولون (قلبك يا مسيحي)
هذا القلب هو الذي نقدمه لله الذي قال “يا ابني أعطني قلبك” ( الأمثال 23 : 26 ).
2- وسعف النخل ليس فقط قلب النخل، بل هو أيضًا جديد وأبيض.
وهما أيضًا صفتان لازمتان للقلب النقي، القلب الأبيض الذي تجدد في المعمودية (رو 6)، وولد ولادة جديدة “بغسيل الميلاد الجديد” (تي3: 5). فقلب النخلة بلا شك هو ميلاد جديد لفروعها…
3- قلب النخلة أيضًا طري يستسلم لصانعه يشكله كما يشاء وهو بهذا يعطينا فكرة عن حياة التسليم،
التي بها يترك المؤمن نفسه في يد الله يفعل بها ما يشاء، في طاعة كاملة للمشيئة الإلهية، دون مقاومة لعمل الروح القدس فيه. مثله مثل قطعة الطين في يد الفخاري يصنع بها الآنية التي يريد ( رومية 9 : 21 ).
وقد اعتدنا في أيامنا هذه، أن نقدم لله قلب النخل مجدولًا جميلًا، في هيئة صليب أو قربانه أو قلب. وكل هذا له دلالاته.
4- وسعف النخلة يذكرنا بالنخلة التي وصف بها القديسون، فقيل:
“الصديق كالنخلة يزهو” ( المزامير 92 : 12 ). ولعل الصديق يشبه النخلة في علوها وفي اتجاهها نحو السماء.
النخلة التي تنمو باستمرار، وتمتد إلى فوق. وفي كل عام يزداد نموها. فهي أمامنا درس في النمو.
كما قال القديس بولس الرسول: وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.“ ( فيلبي 3 : 13–14 .
والنخلة – فيما تعلو إلى فوق – أيضًا تمتد جذورها في العمق قوية وراسخة، تستطيع أن تحتمل كل ذلك الارتفاع.
وهذا أيضًا درس لنا: في أن روحياتنا لا تكون فقط مظهرًا مرتفعًا من الخارج، بل يكون لها كذلك العمق الداخلي، والعمل المخفي كما الجذور في باطن الأرض.
5- النخلة أيضًا ثابته مهما عصفت بها الرياح.
قد تهزها الريح أحيانًا إذا كانت قوية، ولكنها لا تسقطها، لأنها راسخة. على الرغم من أنها تبدو نحيفة وهزيلة. ولكن الجذور القوية التي تربطها بالعمق، تحميها وتحفظها من السقوط.
6- النخلة أيضًا شجرة ناسكة، تمثل الاحتمال والرضا بالقليل.
لذلك يمكن أن تسكن في البراري والقفار، وتحيا إلى جوار أبا نفر السائح. وتنمو في الصحراء، وتحتمل الحر والعطش. وقد تترك فترة طويلة بدون ري، فتبقى وتحتمل. وبهذا كانت أشهر أشجار البرية وأقواها.
وهكذا كانت تمثل طعام بعض الآباء النساك. كما تذكرنا بالقديس الأنبا بولا السائح، الذي كان رداؤه من سعف أو ليف النخل. وتذكرنا بالأديرة التي لا تخلوا من النخل.
7- والنخلة شجرة مثمرة ومغذية
بلحها يعطي طاقة غذائية كبيرة. وفيه الكثير من المواد الغذائية النافعة ويمكن حفظه لمدة طويلة بلا تلف، بطرق متعددة.
إن النخلة في هذا الإثمار، تذكرنا بالمؤمن الحقيقي الذي، ينبغي أن يكون لإيمانه ثمر في حياته وحياة غيره…
8- والنخلة كثيرة المنافع للناس.
كل ما فيها نافع. ليس فقط ثمرها الذي هو غذاء نافع. بل أيضًا سعفها يصلح لصنع السلال، وليفها نافع لصنع الحبال. وجريدها نافع لسقوف البيوت في الأرياف.
واقلافها نافعة للوقود. وكذلك فإن جزوعها يستخدمها الريفيون لسقوف بيوتهم وللوقود. وكانوا يجوفونها قديمًا. ويستخدمونها لحفظ أجساد الموتى في بعض العصور.
كما أن النخلة أيضًا أم ولود، تنتج حولها نجيلات صغيرات، يمكن أن تنقل وتغرس في أماكن أخرى وتنمو، إنها في كل ذلك درس للمؤمن،
الذي ينبغي أن يكون نافعًا من كل ناحية لمن هم حوله. ولا يكفي أن يكون كالنخلة يزهو…
أغصان الزيتون
استقبلوا السيد المسيح بسعف النخل، وأيضًا بأغصان الزيتون.
فلماذا؟ وما الرموز التي تحملها أغصان الزيتون؟
1- أغصان الزيتون ترمز إلى السلام.
منذ أن حملت الحمامة ورقة زيتون خضراء لأبينا نوح ( تكوين 8 : 11 )، مبشرة إياه بأن الطوفان قد انتهى، وعادت الأرض موطنًا للسكنى.
وورقة الزيتون الخضراء كانت دليلاً على أن الحياة مازالت باقية… وأن حكم الله بإبادة كل حي على الأرض، قد استبدل بالحياة. وبهذا تكون عقوبة الله قد استوفيت، وعاد السلام بين السماء والأرض.
وهذا يذكرنا بأن السيد المسيح قد صنع السلام بين الله والناس، وبين اليهود والأمم، وأنه نقض الحائط المتوسط. وهكذا تمت بشرى الملائكة “وعلى الأرض السلام” ( لوقا 2 : 14 ).
ونحيي السيد المسيح بأنه ملك السلام ورئيس السلام ( إشعياء 9 : 6 ) وهو مانح السلام الذي قال “سلامي أعطيكم.
سلامي أترك لكم” ( يوحنا 14 : 27 ).
ونحن نرتل له قائلين “يا ملك السلام، أعطنا سلامك” ونشعر باستمرار أن سلامنا مصدره السيد المسيح نفسه…
2-أغصان الزيتون تذكرنا بزيت الزيتون المستخدم في مسحة الميرون
أي في مسحة الروح القدس ( يوحنا الأولى 2 : 20–27 ). تذكرنا بزيت المسحة، أو الدهن المقدس للمسحة الذي أمر به الرب موسى النبي،
وكان من زيت الزيتون مع أنواع من العطور ( الخروج 30 : 23–25 ).
وبهذا الزيت المقدس مسحت خيمة الاجتماع، وكل المذابح والأواني المقدسة. كما مسح به هرون رئيسًا للكهنة،
ومسح أيضًا كل أبنائه كهنة ( الخروج 30 : 13–15 ) وهكذا تقدست الخيمة والمذابح والأواني، وصارت “قدس أقداس”.
كل ما مسها يكون مقدسًا” ( الخروج 30 : 29 ). وهكذا أيضًا تقدس هرون وبنوه ( الخروج 30 : 30 ).
وصارت لهم مسحتهم كهنوتًا أبديًا في أجيالهم ( الخروج 40 : 13–15 ).
وبهذا الزيت المقدس كان يمسح الملوك والأنبياء في العهد القديم.
وبمسحة الميرون يدهن المعمدون بهذا الزيت المقدس، فيصيرون هياكل لله، والروح القدس يسكن فيهم ( كورنثوس الأولى 3 : 16 )، ( كورنثوس الأولى 6 : 19 ).
فهل نتذكر في يوم أحد الشعانين هذه المسحة المقدسة وعمل الروح فينا، حينما نحمل أغصان الزيتون؟
لماذا الجناز العام؟ ومتى يبدأ أسبوع الآلام؟
بعد انتهاء قداس أحد الشعانين، يبدأ الجناز العام، ليكون صلاة على أرواح الذين ينتقلون من عالمنا الفاني في أسبوع البصخة،
ولا نستطيع أن نرفع عليهم بخورًا في أسبوع الآلام، بسبب تركيزنا في آلام السيد المسيح له المجد.
أمثال هؤلاء، يمكن أن تدخل صناديق أجسادهم في الكنيسة، فتحضر صلاة من صلوات البصخة المقدسة. ثم تتلى من أجلهم صلاة مكتوبة في كتاب الدلال.
الماء الذي يصلى عليه أثناء الجناز العام، هو الماء الخاص بالجناز، وليس بمباركة السعف كما يظن بعض البسطاء فهل تعد نفسك أثناء هذه الصلاة، وتأخذ كلماتها على نفسك؟!
مع تمنياتنا لك بطول العمر
ما سر التحول من الفرح إلى الحزن؟
أولًا: أحد الشعانين هو عيد سيدي ينبغي أن نفرح فيه ولا نخلط بينه وبين البصخة كما يفعل البعض!! إنما أسبوع الآلام يبدأ بعد ذلك،
من عشية الإثنين. ولا ترفع الستائر السوداء في الكنيسة بعد قداس أحد الشعانين مباشرة، كما يحدث في بعض الكنائس.
لأنه بهذا كله يضيع الشعور بهذا العيد السيدي الذي نستقبل فيه المسيح ملكًا على قلوبنا، وقد أنشدنا له ألحان الفرح الخاصة به والتي نسميها “اللحن الشعانيني”.
أما ما هو سر التحول من الفرح إلى الحزن؟
فهو أن رؤساء اليهود تضايقوا من الاستقبال الشعبي الكبير الذي قوبل به السيد المسيح في يوم أحد الشعانين.
وتضايقوا أيضًا من تطهيره للهيكل بسلطان، وقوله “مكتوب بيتي بيت الصلاة يدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص” ( متى 21 : 12–13 ).
وقد قيل أيضًا إنه “صنع سوطًا من حبال، وطرد الجميع من الهيكل الغنم والبقر. وكب دراهم الصيارف وقلب موائدهم. وقال لباعة الحمام: ارفعوا هذه من هنا.” “ولم يدع أحدًا يجتاز بمتاع” ( مرقس 11 : 16 ).
وهذا كله يرينا أنه كما كان الرب وديعًا، كان حازمًا أيضًا أما قادة اليهود، فلم يقدروا أن يتصدوا له أو يمنعوه، إنما “كان رؤساء الكهنة والكتبة ووجوه الشعب يطلبون أن يهلكوه” ( مرقس 11 : 18 ).
وقالوا له: بأي سلطان تفعل هذا؟! ( متى 21 : 23 ).
إذن بدأوا التفكير في قتله. والذي أعاقهم عن ذلك أنهم خافوا الشعب. فانتظروا الفرصة المناسبة لتنفيذ مؤامرتهم.
والسيد المسيح لم يهادنهم. بل صب عليهم ويلاته، وكشفهم أمام الجماهير، لأنه عزم على تغيير هذه القيادات الدينية الخاطئة، في مقدمة لبناء كنيسة العهد الجديد.
وهكذا ضرب مثل الكرامين الأردياء عن الكهنة وقال لهم فيه “إن ملكوت الله ينزع منكم، ويعطى لأمة تصنع ثماره” “ولما سمع رؤساء الكهنة والفريسيون أمثاله،
عرفوا أنه يتكلم عليهم” ( متى 21 : 43–45 ). “وإذ كانوا يطلبون أن يمسكوه، خافوا من الجموع” ( متى 21 : 46 ).
وفي خطة السيد المسيح في إزالة هذه القيادات خلال ذلك الأسبوع، وبخ الكتبة والفريسيين بأشد توبيخ بعبارات “ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون …” (مت 23). وكان ذلك قبل الفصح بيومين.
إنها ثورة قادها المسيح قبيل صلبه، ضد تلك “القبور المبيضة من الخارج، ومن داخلها عظام نتنة” ( متى 23 : 27 ).
وكما وبخ الكتبة والفريسيين، كذلك أبكم الصدوقيين والناموسيين ( متى 22 : 34 ) ( لوقا 11 : 45–46 ). فسقطت هيبتهم.
“ولم يتجاسروا أن يسألوه عن شيء” ( لوقا 20 : 40 ) وبهذه المعركة التي انتهت بصلبه، نحتفل في أسبوع الآلام…
هذا عن معركته مع القادة. ولكن الشعب كيف تغير؟ كيف تغيروا من هتافهم له “أوصنا يا ابن داود” ( متى 21 : 9 ) إلى استهزائهم به في يوم الصلب،
وقولهم لبيلاطس “اصلبه، اصلبه” ( مرقس 15 : 13–20 ). ما السر في تغيرهم؟ بلا شك لا ننسى تأثير قادتهم عليهم. ولكن هناك سببًا آخر، جعل لذلك التأثير فاعليته، فما هو؟
كانوا يريدون المسيح ملكًا عليهم يخلصهم من حكم الرومان فلما رفض المُلك، ونادى بمملكة روحية، خابت آمالهم فيه.
وهكذا انضموا إلى القادة في صلبه. لأنهم لم يفهموا تلك المملكة الروحية التي ليست من هذا العالم ( يوحنا 18 : 36 ).
بقي سؤال آخر نسأله بمناسبة الاحتفال بأسبوع الآلام وهو:
لماذا نحتفل بالآلام؟
عهدنا أن نحتفل بالأعياد والمواسم. ولكن كيف نحتفل بالآلام؟ يمكن أن نحتفل بقوة المسيح ومعجزاته. ولكن كيف نحتفل بآلامه؟! وكيف نجلس في الكنيسة حزانى طوال هذا الأسبوع؟
والجواب هو أن آلام المسيح هي سبب خلاصنا، لأنه دفع عنا بسبب، فنحن إذًا نحتفل بهذا الخلاص. ولذلك نرتل – فيما نتذكر اقتراب المسيح من الصلب –
ونقول “قوتي وتسبحتي هو الرب وقد صار لي خلاصًا” (مز 117) ونحن نرى أن آلام المسيح تدل على قوته. لأنه بآلام الصلب حطم كل قوة الشيطان وهزم مملكته،
وخلص البشر منه. لذلك قال فيما يقترب من الصليب عن الشيطان الذي ملك العالم “رئيس هذا العالم قد دين” ( يوحنا 16 : 11 ) وقال قبلها “رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ سَاقِطًا مِثْلَ الْبَرْقِ مِنَ السَّمَاءِ”. ( لوقا 10 : 18 )
إننا باستمرار نرى آلام السيد المسيح دليلًا على قوته، دليلًا على قوة محبته للبشر، فليس حب أعظم من هذا، أن يبذل أحد نفسه عن أحبائه ( يوحنا 15 : 13 ).
هنا قوة الحب والبذل، وأيضًا قوة الاحتمال، وقوة التواضع. والقوة التي هزم بها الشيطان والتي أبطل بها الموت “داس الموت بموته” ولهذا نقول له طول فترة البصخة.
“لك القوة والمجد والبركة والعزة…” ثوك تاتي جوم… إنه كان يعتبر ضعفًا، لو أن المسيح تألم وصلب ومات وانتهى الأمر. أما قيامته بعد ذلك، بقوة لاهوته،
فهذا دليل على أن موته لم يكن ضعفًا، وإنما كان حبًا وبذلًا.
كذلك فإن السيد قد قدس الألم بآلامه. وأصبح الألم من أجل البر هو الطريق إلى المجد، كما قال الرسول “إن تألمتم من أجل البر فطوباكم” ( بطرس الأولى 3 : 14 ) وكما قيل أيضًا “إن كنا نتألم معه،
فلكي نتمجد أيضًا معه” ( رومية 8 : 17 ).
مبارك هو الرب في آلامه، وفي حبه وبذله، وفي موته عنا لكي يحيينا، ويرفع عنا حكم الموت.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 20-4-1997




