القديس يوحنا ذهبي الفم

بمناسبة عيد القديس يوحنا ذهبي الفم في 17 هاتور، في بدء صوم الميلاد، أحدثكم اليوم قليلًا عن هذا القديس:
القديس يوحنا ذهبي الفم1
أعظم وعاظ المسيحية
كان من أعظم وعاظ الكنيسة الجامعة، أو كان أعظم الكل. ومع أنه كان بطريرك القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية، إلا أنه لم ينل شهرته الواسعة بصفته بطريركًا، بل بصفته واعظًا…
اشتغل بالوعظ طوال حياته. أولًا أشتهر بوعظه في أنطاكية، حينما كان شماسًا لها ثم قسًا… واشتهر بوعظه في القسطنطينية وهو بطريرك لها.
وكان أيضًا من أعظم وأشهر مفسري الكتاب المقدس. وترك لنا في ذلك كتبًا كثيرة.
وقد اختلط تفسيره أيضًا بالوعظ. فبعد كل مقالة تفسيرية له، يلقي عظة. لذلك فإن الذي يريد الحصول على تفسيره للكتاب، عليه أن يستخلص التفسير من الوعظ. ونشكر الله على أن تفاسير وعظات القديس يوحنا ذهبي الفم قد جمعت لنا في كتب أثرت المكتبة المسيحية في فرع أقوال الآباء Patrology، وقد نشرتها مجموعة “أقوال آباء نيقية وما بعد نيقية” باللغة الإنجليزية. كما نشرتها مجموعة “مصادر المسيحية” Sources Chrétiennes باللغة الفرنسية، ومعها الأصل اليوناني. كما نشرت بعضها مجموعات أخرى في كتب متفرقة…
ومن أشهر كتبه في التفسير:
تفسير إنجيل متى، وتفسير إنجيل يوحنا… وأيضًا أعمال الرسل، ورسائل القديس بولس الأربع عشرة. ويسند إليه أيضًا تفسير لسفر التكوين، وإكسيماروس أي شرح لأيام الخليقة الستة. وله أيضًا كتاب عن الكهنوت مع كتب ومقالات أخرى.
وللقديس يوحنا ذهبي الفم صفات متميزة:
فقد كان راهبًا زاهدًا ناسكًا، استمر زهده طوال حياته. وكان أيضًا شجاعًا جدًا في الدفاع عن الحق، حتى أنه في إحدى المرات منع الإمبراطورة من دخول الكاتدرائية باعتبارها غير مستحقة لذلك، بسبب ظلمها وشرها. وكان هذا القديس محبًا للفقراء. وكان حازمًا في رعايته… وقد لاقى في حياته آلامًا كثيرة، حتى أنه نفي في أواخر حياته، وتوفيَ في منفاه.
عاش يوحنا ذهبي الفم 63 عامًا…
ولد سنة 344م، وتنيح سنة 407م. وهكذا فإنه لم يحضر مجمع نيقية المسكوني الذي عقد سنة 325م، إذ لم يكن قد ولد بعد. كما لم يحضر المجمع المسكوني الثالث الذي عقد في أفسس سنة 431م لأنه توفيَ قبله. وعاصر المجمع المسكوني الثاني المنعقد في القسطنطينية سنة 381م، ولكنه كان وقتذاك شماسًا، لأنه سيم قسًا سنة 386م. وهكذا لم يعاصر القديس أثناسيوس العظيم وهو شاب مدرك إلا في شيخوخة ذلك المعلم الكبير. لكنه كان صديقًا للقديس باسيليوس….
والآن نتحدث عن حياة هذا القديس.
نشأة يوحنا ذهبي الفم
ولد في أنطاكية سنة 344م (أو 347م كما تقول مراجع أخري)، وتوفيَ أبوه في طفولته المبكرة، فترملت أمه وهي في العشرين من عمرها، ومن أجله لم تتزوج ثانية بل عكفت على تربيته.
تعلم علي يد ليبانيوس، فيلسوف عصره، وكان أنبغ تلاميذه، حتى أن ليبانيوس عندما سُئل عمن يخلفه أجاب: (يوحنا، لو لم يسرقه المسيحيون). وبعد أن قضى سنين في المحاماة يدافع عن المظلومين ببراعة نادرة اعتزل المهنة لاهتمامه بحياته الروحية.
درس بعد ذلك في معهد ديودور الذي صار فيما بعد أسقفًا لطرسوس، كما أعجب بأوريجانوس ودرس كتبه. وقد سبب له هذا الأمر مشاكل فيما بعد…
رهبانيته:
اشتاق يوحنا إلي الحياة الرهبانية وعزم على ترك العالم هو وصديقه الحميم باسيليوس، ولكن والدته توسلت إليه أن يؤجل ذلك، فقبل توسلها حتى لا يجدد أحزانها لأنها تعبت حياتها كلها من أجله، وانفرد في منزله مواظبًا على العبادة بحرارة شديدة.
وفي الخامسة والعشرين من عمره وجد نفسه في خطر شديد، ذلك أن الأساقفة قرروا سيامته أسقفًا هو وصديقه باسيليوس، فاضطر إلى الهروب في مكان لا يعرفه أحد. أما صديقه فقبض عليه الأساقفة في منزله وتمت سيامته بعد امتناع كثير، ولتعزيته أرسل له يوحنا كتابًا في الكهنوت شرح أهمية الوظيفة وعملها.
ولما توفيت “أنثوسا” (والدة يوحنا) قصد ديرًا في الجبال المجاورة لأنطاكية وأقام أربع سنوات مداومًا على العبادة والتقشف تحت إرشاد راهب شيخ. ولما وجد أن صيته قد ذاع وقصده كثيرون للاسترشاد به، هرب من الشهرة وتوحد في مغارة في الجبل، وهناك أقام سنتين في نسك زائد، عكف فيهما على دراسة الكتاب المقدس والتأمل فيه حتى قيل إنه حفظه عن ظهر قلب.
ولكثرة النسك ورطوبة المغارة أصابه مرض شديد هدده بالموت، فاضطر للرجوع إلى أنطاكية وكان ذلك سنة 380م (سنة انعقاد مجمع القسطنطينية).
يوحنا واعظ أنطاكية:
لما رجع يوحنا من وحدته إلى أنطاكية تلقاه أسقفها بترحاب كبير وسامه شماسًا، فبدأ عمله في الوعظ حتى صار مرشدًا للمدينة ومعلمًا، وفي سنة 386 سيم قسًا وعهد إليه بخدمة الوعظ، فنشط فيه جدًا وكانت تتوافد عليه الناس بكثرة لسماع عظاته وتعاليمه التي كانت تخلب الألباب لفصاحته وقوة حجته حتى لقبوه ذهبي الفم. وكان عمليًا في وعظه، يطرق مشاكل عصره ويندد بمساوئه، كالملاهي والمسارح، والاهتمام بسباق الخيل، والتبرج. كما كان مدافعًا عن الإيمان السليم، فانتشر صيته في كل مكان واجتمعت حوله الجموع الكثيرة، وكان يمتلك قلوبهم، وكثيرون منهم كانوا يذرفون الدموع أثناء وعظه، ومن براعته في الوعظ والتعليم دعوه أحيانًا “بولس الثاني”.
يوحنا البطريرك:
لما خلا كرسي القسطنطينية انتخبوا بطريركًا لها، فتمسك أهل أنطاكية به، ورفض هو هذا المنصب لعلمه بما يحمله من مسئوليات خطيرة، وهكذا أبى الذهاب إلى القسطنطينية، فأتى إليه نائب الملك، واستطاع أن يخرجه من أنطاكية بخدعة، حيث سيم بطريركًا في القسطنطينية سنة 398م.
وكان ناسكًا يلبس الملابس الخشنة، ويوزع أمواله على الفقراء والمعوزين، ويفتقدهم في بيوتهم، ويزور المرضى والمسجونين، كما شيد مستشفيات وبيوتًا للغرباء وملاجئ وكان يتردد عليها بنفسه لرعايتها.
وظل واعظًا وهو بطريركًا، وكان الناس يأتون إليه أفواجًا من منازلهم وأماكن عملهم تاركين مباهجهم ومحافلهم ليسمعوه، واستطاع أن يضم إلى الإيمان كثيرًا من الوثنيين وخاصة الغوطيين.
كما اهتم بتعليم المرأة واختار لذلك فضليات النسوة المختبرات.
وعلى الرغم من أنه كان حازمًا جدًا مع المخطئين، إلا أنه كانت بينه وبين شعبه محبه فائقة لا يعبر عنها…
رجل الآلام:
ينسب إليه أنه قال: “إن قول الحق ما أبقي لي صديقًا”، وكان في مقدمة أعدائه الملكة أفدوكسيا الشريرة التي وبخها كثيرًا ولم ترعو…
كذلك كثير من الأغنياء ومن النسوة المتبرجات ومن رجال الإكليروس الذين وبخهم على إهمالهم، على أنه كانت بينه وبين الشعب محبة فائقة. ونتيجة لدسائس أفدوكسيا نفي عن كرسيه وتوفى في منفاه سنة 407م، وتعيد له الكنيسة في 17 هاتور، و12 بشنس، بركة صلواته تكون معنا آمين.
أقوال مأثورة:
وللقديس يوحنا ذهبي الفم كثير من الأقوال المأثورة، نذكر من بينها قوله: “من لا توافقك صداقته، لا تتخذه لك عدوًا”.
وأيضًا قوله “هناك طريقة تستطيع بها أن تتخلص من عدوك، وهي أن تحوله إلى صديق”.
وكذلك قوله “لا تكن رأسًا، فإن الرأس كثير الأوجاع”.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 29-11-1992م


