مركز الوعظ والتعليم في الكنيسة المقدسة

مركز الوعظ والتعليم[1]
في الكنيسة المقدسة
الرب الهنا الذي تأسف قائلًا: “قد هلك شعبي من عدم المعرفة” (هو4: 6)، قد جعل التعليم أساسًا هامًا لنشر ملكوته على الأرض. تولى عمل التعليم بنفسه، ولقبوه بالمعلم، وأرسل أنبياءه ورسله ليكونوا معلمين.
وبهذا صار التعليم هو العمل الرئيسي لخلفاء الرسل من الأساقفة ومن يعاونونهم من رجال الإكليروس. كما صار التعليم جزءًا هامًا من طقس الكنيسة وصلواتها…
الكرازة والتعليم هما عمل الرب نفسه
المسيح الهنا “المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم” (كو2: 3)، جال في العالم معلمًا. فبعد القبض على يوحنا “ابتدأ يسوع يكرز ويقول: “توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات” (مت 4: 17).
ويقول عنه متى الرسول: “كان يسوع يطوف المدن كلها والقرى: يعلم في مجامعها، ويكرز ببشارة الملكوت، ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب” (مت 9: 35). “ولما أكمل أمره لتلاميذه الإثنى عشر، انصرف من هناك. ليعلم ويكرز في مدنهم” (متى 11: 1). ولما فتش عنه الجموع قال لهم: “إنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخرى أيضًا بملكوت الله، لأني لهذا قد أرسلت…” (لو 4: 43). وقال انه انطبق عليه قول الكتاب: “روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشر المساكين… وأكرز بسنة الرب المقبولة” (لو4: 18).
والرب من فرط اهتمامه بالتعليم، دعي “المعلم”:
كان الجميع يدعونه “المعلم” في حادثة المرأة الخاطئة قال له الكتبة والفريسيون: “يا معلم، هذه المرأة أمسكت وهي تزني” (يو8: 4). وفي أول حديث له مع تلميذي يوحنا، قالا له: “ربي- الذي تفسيره يا معلم- أين تمكث” (يو1: 38). وهكذا نادته المجدلية “ربوني، الذي تفسيره يا معلم” (20: 16). وفي أول مقابلة له مع نثانائيل “قال له يا معلم أنت ابن الله” (يو 1: 49). والتلاميذ عمومًا كانوا ينادونه هكذا. فعندما رأوا المولود أعمى قالوا للرب: “يا معلم، من أخطأ: هذا الإنسان أم أبواه؟” (يو9: 20).
والرب وافق على هذا اللقب، ودعا نفسه به.
ومن أمثلة هذا، أنه لما حل الفصح، قال لتلاميذه: “اذهبوا إلى المدينة إلى فلان، وقولوا له المعلم يقول إن وقتي قريب” (متى 28: 16). وفي صراحة قال أيضًا للتلاميذ بعد غسله لأرجلهم: “أنتم تدعونني معلمًا وسيدًا، وحسنًا تقولون لأني أنا كذلك” (يو13: 13).
لذلك كان المؤمنون يدعون تلاميذ. ولما رأى اليهود أن المولود أعمى قد آمن بالمسيح شتموه قائلين: “أنت تلميذ ذاك. وأما نحن فتلاميذ موسى” (يو9: 28).
إن الحياة المسيحية هي تلمذة للرب. والرب هو المعلم.
وكان السيد المسيح كمعلم، ينسب تعليمه للآب ذاته:
فهو يقول علانية: “تعليمي ليس لي، بل للذي أرسلني” (يو7: 16). وفي صلاته الوداعية يقول للآب: “الكلام الذي أعطيتني، قد أعطيتهم” (يو17: 8).
الكرازة والتعليم هما عمل الرسل القديسين
ماذا كان عمل الأنبياء القديسين سوى التعليم؟ هكذا كان عمل نوح وموسى وإيليا ودانيال وارمياء، وسائر الأنبياء: يحملون كلمة الله للناس، ويعلمونهم طرقه… وكتب الأنبياء كلها، يقول الرسول أنها: “كتبت لأجل تعليمنا” (رو15: 4).
هكذا كان أيضًا عمل يوحنا المعمدان كان صوتًا يصرخ في البرية: أعدوا طريق الرب. اصنعوا سبله مستقيمة، (مر 1: 3). وقد أورد لوقا البشير قبسًا من عظاته ختمها بقوله: “وبأشياء، أخر كثيرة كان يعظ الشعب ويبشرهم” (لو3: 18). وهذا أيضًا أيده متى الانجيلي بقوله: “وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهود قائلًا: “توبوا لأنه قد اقترب ملكوت الله” (متى3: 1).
إن الكرازة والتعليم هما العمل الذي أوصى به الرب رسله وتلاميذه
إن الأثنى عشر “أرسلهم ليكرزوا بملكوت الله” (لو9: 20)، وهكذا السبعين (لو 10: 9). “فلما خرجوا كانوا يجتازون في كل قرية ويبشرون ويشفون في كل موضع” (لو 9: 6). وهذا هو ما تذكره بطرس الرسول عندما قال: “وأوصانا أن نكرز للشعب ونشهد” (أع 10: 42).
وكما أوصاهم الرب بهذا أثناء تدريبه لهم هكذا أيضًا أمرهم بهذا قبل صعوده “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم.. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به” (مت 28: 19و 20). وقال لهم: “اذهبوا إلى العالم أجمع، وأكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها” (مر 16: 15) ويستطرد معلمنا مرقس قائلًا: “وأما هم فخرجوا، وكرزوا في كل مكان، والرب يعمل معهم، ويثبت الكلام بالآيات التابعة” (مر 16: 20). وكما حدث مع الأثنى عشر، حدث مع بولس أيضًا أنه يقول صراحة: “لأن المسيح لم يرسلني لأعمد، بل لأبشر” (1كو 1: 17). لذلك يقول بولس: “فويل لي إن كنت لا أبشر” (1كو 9: 16). ويتذكر هذه المسئولية في رسائله فيقول: “الكرازة التي اؤتمنت أنا عليها، بحسب أمر الله مخلصنا” (تى1: 3). كما يقول أيضًا: “إذن نسعى كسفراء عن المسيح، كأن الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح: تصالحوا مع الله، (1كو 5: 20).
وهكذا نفذ الرسل الأمر، وعاشوا للكرازة والوعظ والتعليم:
“كانوا لا يزالون كل يوم في الهيكل وفي البيوت معلمين ومبشرين بيسوع” (أع 5: 42). “وكانوا يتكلمون بكلام الله بمجاهرة” (أع 4: 31). منذ يوم الخمسين بدأوا بالتعليم فيقول الكتاب عن بطرس: “وبأقوال أخر كثيرة كان يشهد لهم ويعظهم” (أع 2: 40). وعند سيامة الشمامسة السبعة، تذكر الرسل عملهم فقالوا: “وأما نحن فنواطب على الصلاة وخدمة الكلمة” (أع 7: 4). وهكذا قال عنه لوقا الانجيلي “كانوا منذ البدء معاينين وخدامًا للكلمة” (لو 1: 2) وقال إن الشعب “كانوا يواظبون على تعليم الرسل” (أع 2: 42).
من أجل هذا نقرأ تلك العبارة الخالدة في تاريخ الكنيسة “وكانت كلمة الله تنمو، وعدد التلاميذ يتكاثر جدًا” (أع 6: 7) حتى تضجر اليهود ورؤساؤهم من تعليم الرسل للشعب (أع 4: 2) ولأنهم ملأوا المدينة بتعليمهم (أع 5: 28).
بكل مثابرة وقوة، كان الرسل يعظون ويخدمون الكلمة. “كنا نعظ كل واحد منكم كالأب لأولاده، ونشجعكم ونشهد لكم لكي تسلكوا كما يحق لله…” (1 تس 2: 11). بولس الرسول يتكلم: “فيطيل الكلام إلى نصف الليل” (أع 20: 7). وبطرس ويوحنا يصرخان: “نحن لا يمكننا أن لا نتكلم بما رأينا وسمعنا” (أع 4: 20). والرب نفسه يأمر بولس بهذا: “لا تخف، بل تكلم ولا تسكت، لأني أنا معك” (أع 18: 9). ونفذ بولس هذا، وظل يكرز بملكوت الله ويعلم “بكل مجاهرة، بلا مانع” (أع 28: 30). كما فعل في تأسيسه لكنيسة رومه. ويعوزنا الوقت إن تكلمنا عن برنابا (ابن الوعظ) وسيلا وغيرهما..
حتى الرسائل كانت للوعظ والتعليم.
يقول يهوذا الرسول (يه 3): “اكتب إليكم واعظًا أن تجتهدوا لأجل الإيمان المسلم مرة للقديسين”. ويقول بطرس: “كتبت إليكم بكلمات قليلة واعظًا” (1 بط 5: 12) …
الكرازة والتعليم هما عمل الآباء الأساقفة
إن بولس يرسل إلى تلميذه تيموثيئوس الأسقف يقول له:
“اعكف على القراءة والوعظ والتعليم” (1 تي 4: 13)، وأيضًا: “لاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك.
لأنك إذا فعلت هذا تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضًا” (1 تي 4: 16) “اكرز بالكلمة. اعكف على ذلك في وقت مناسب وغير مناسب. وبخ، انتهر، عظ بكل أناة وتعليم” (2 تي 4: 2). “اعمل عمل المبشر. تمم خدمتك” (2 تي 4: 5). “علم وعظ بهذا” (1 تي 6: 2).
ويرسل إلى تلميذه تيطس الأسقف قائلًا: “تكلم بهذا وعظ” (تي 2: 15). “وأما أنت فتكلم بما يليق بالتعليم الصحيح.. مقدما في التعليم نقاوة ووقارًا واخلاصًا، وكلامًا صحيحًا غير ملوم” (تي 2: 1، 7).
لهذا كله يقول بولس الرسول (1 تي 3: 2).
يجب أن يكون الأسقف صالحًا للتعليم
ويقول في رسالته إلى تيطس (1: 9) “يجب أن يكون الأسقف… ملازمًا للكلمة الصادقة التي بحسب التعليم، لكي يكون قادرًا أن يعظ بالتعليم الصحيح ويوبخ المناقضين.
وقد أسهب الباب الثالث من الدسقولية في هذا الموضوع، وورد فيه: “يجب أن يكون الأسقف مملوءًا من كل تعليم، أديبًا، درب اللسان. ويكون حي القلب في التعليم، يعلم في كل وقت. ويتلو ويدرس في كتب الرب ويتأمل الفصول، لكي يفسر الكتب بتأمل… ليوص الأسقف العلمانيين بثبات ويعظهم”. وتتدرج الوصية إلى الأمر، فتقول الدسقولية: “اهتم بالكلام يا أسقف… اشبع شعبك وأرويه من نور الناموس، فيغنى بكثرة تعاليمك”. وتشرح الدسقولية دينونة الأسقف في اهمال التعليم فتقول: “إذا لم توصوا أيها الأساقفة الشعب وتشهدوا لهم بالتعليم فخطية الذين لا يعرفون عليكم” (حز 33: 2- 9).
ما أصعب وأخطر القوانين التي وضعها الآباء الرسل على الأسقف الذي لا يهتم بالتعليم. قلمي يرتعش من كتابتها. سأتركها إلى حين…
آباؤنا الأساقفة القديسون كانوا وعاظًا ومعلمين
ما أجمل تاريخ آبائنا الأساقفة القديسين في الاهتمام بالتعليم.
أثناسيوس الرسولي كان يجول من مكان إلى آخر معلمًا، ومثبتًا الناس في الإيمان السليم، ومحاربًا خطر الأريوسية. وهكذا كان القديس كيرلس عمود الدين في دقة تعليمه ومحاربته للنسطورية. ومثلهما في فهم الإيمان والدفاع عنه معلمنا ديوسقورس (البابا 25) الذي قاوم مجمع خلقدونية، والقديس ساويرس بطريرك انطاكية الذي جال 28 سنة في المدن والقرى يثبت قواعد الإيمان ويرد على أسئلة السائلين…
هل أتكلم أيضًا عن القديس يوحنا بطريرك القسطنطينية الذي من جمال عظاته لقبوه ” ذهبى الفم“؟ أم أتكلم عن القديس اغريغوريوس أسقف نيازينزا الذي من قوة حجته لقبوه الثيئولوجوس أي الناطق بالإلهيات؟ أم أتكلم عن عظات أوغسطينوس أسقف هبو ومقالاته ورسائله؟ أم عن القديس إيلاري أسقف بواتييه الذي من قوته في اللاهوتيات لقبوه “اثناسيوس الغرب”؟ أم أتكلم عن باسيليوس الكبير، أم عن كيرلس أسقف أورشليم. أم اغريغوريوس أسقف نيصص، أم كبريانوس أسقف قرطاجنه، أم أمبروسيوس أسقف ميلان…
كل واحد من هؤلاء، كان- حسب تعبير بولس الرسول-
مُفصلًا كلمة الحق بالاستقامة
هؤلاء الأساقفة وأمثالهم، كانوا معلمي المسكونة، وأبطال الإيمان. وما تزال عظاتهم وتعاليمهم ورسائلهم مراجع لنا في الإيمان…
يجب أن يكون الأسقف صالحًا للتعليم، لأنه أيضًا- كعضو في المجمع المقدس- مؤتمن على التشريع والتقنين ومحاربة البدع وشرح الإيمان.
الكرازة والتعليم هما عمل الآباء الكهنة
القسوس تسميهم مقدمة الدسقولية “معلمين”. ومن فم الكاهن تطلب الشريعة كما يقول الكتاب. إلى جوار خدمة الكهنوت لهم أيضًا خدمة التعليم. وفي هذا يقول بولس الرسول: “وأما الشيوخ (القسوس) المدبرون حسنًا فليحسبوا أهلًا لكرامة مضاعفة ولاسيما الذين يتعبون في الكلمة والتعليم” (1 تي 5: 17). وفي طقس الرسامة يصلي الأسقف من أجل الكاهن الجديد قائلًا للرب: “امنحه روح حكمتك، ليمتلئ من أعمال الشفاء وكلام التعليم ليعلم شعبك بوداعة“. وفي الوصية التي يقرأها عليه الأسقف يقول له: “وأستضيء بالمطالعة مواظبًا على القراءة والتعليم بمعاني كتب البيعة..”.
ولنا مثال في الكهنة الوعاظ المشهورين القديس يوحنا ذهبي الفم عندما كان قسًا لأنطاكية. وفي جيلنا الحديث نبغ القمص فيلوثيئوس والقس منسي يوحنا وغيرهما…
الكرازة والتعليم هما من عمل الشمامسة.
إن كان من خدمة الشمامسة العناية بالفقراء ومعاونة الكاهن في خدمة المذبح، فالتعليم أيضًا من أهم أعمالهم. إن استفانوس العظيم رئيس الشمامسة كان يعلم. ووقف أمامه ثلاثة مجامع “ولم يقدروا أن يقاوموا الحكمة والروح الذي كان يتكلم به” (أع 6: 10). وفيلبس الشماس كرز في السامرة (أع 8: 5)، كما بشر الخصي الحبشي (أع 8: 35). والشماس أثناسيوس- في مجمع نيقية- يعطينا فكرة جميلة قوية عن عمل الشماس في التعليم. وفي جيلنا الحاضر يعوزنا الوقت إن تحدثنا عن حبيب جرجس واسكندر حنا وعملهما في التعليم…
الكرازة والتعليم هما عمل الأناغنوستيس
الأناغنوستيس (الاغنسطس) هو القارئ. وطقسه في الكنيسة أن يقرأ الكتب المقدسة، ويعرف تفسيرها ويفسرها للناس. أما عن فهمه لما يقرأه فواضح من قول القانون الكنسي “الذي يملأ أسماع الناس بالكلام، ألا يفهم معنى ما يقول؟!”. وأيضًا من تذكيره في السيامة بعبارة “فليفهم القارئ”.
وطقس سيامته يحمل معنى عمله في الوعظ والتعليم. فالأسقف يصلي عنه قائلًا للرب: “اظهر وجهك على عبدك(فلان) القائم أمامك، الذي قدموه لينذر بأقوالك المقدسة، ويكرز بأوامرك لشعبك، ويعلمهم كلامك الطاهر الذي من جهته خلاص نفوسهم ونجاتهم”.
كما يقول له في الوصية بعد سيامته: “يجب عليك أن تعلم واحدًا فواحدًا من فصول الكتب المقدسة، أنفاس الله التي أؤتمنت عليها، كي تعظ بها الشعب“.
وبعد:
ليتنا نهتم بالتعليم والوعظ والكرازة، فالناس “كيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به، وكيف يسمعون بلا كارز” (رو 10: 14).
فلنعلم في كل حين، ولنشجع المعلمين والوعاظ، ونفسح لهم المجال، ونقدم لهم الامكانيات…
وللموضوع عودة إن أذن الرب وعشنا.
[1] مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الأولى– العدد التاسع- نوفمبر 1965




