حول موانع الزواج أيضًا (2)

حول موانع الزواج أيضًا (2)[1]
“لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ امْرَأَةُ أَخِيكَ”
يحاول البعض أن يركز على أمور جانبية، منها ما يقال من أن هيرودس أخذ زوجة أخيه فيلبس وهو حي، فاعتبر ذلك اغتصابًا والبعض قال: إن هيروديا تطلقت من زوجها الأول فيلبس، وتزوجت بهيرودس طمعًا في جاهه وسلطانه، كل هذه الأمور جانبية لم يركز عليها القديس يوحنا المعمدان.
إنما هو ركز على عبارة (امرأة أخيك) وأنها لا تحل له.
لم يكن التركيز هنا على خطية زنى أو اغتصاب لأن هيرودس لو أخذ امرأة أي رجل حي، واغتصبها منه، لكان يستحق التوبيخ على زناه. لأنه ليس فقط الزنى بامرأة الأخ واغتصابها هو الذي يستحق التوبيخ، إنما أي زنى، بأية امرأة، يستحق من النبي أن يوبخ عليه.
لماذا إذًا عبارة “لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ امْرَأَةُ أَخِيكَ” وامرأة أخيك بالذات، لأن الشريعة قالت “إِذَا أَخَذَ رَجُلٌ امْرَأَةَ أَخِيهِ، فَذلِكَ نَجَاسَةٌ” (لا21:20)
إن كان أخوه ميتًا، فلا يحق له أن يأخذ امرأة أخيه حسب الشريعة، وإن كان أخوه حيًّا يكون قد أضاف إلى نجاسته خطية أخرى هي الزنى، والاغتصاب، في أخذ امرأة مرتبطة بزوج، فتكون خطية مزدوجة.
وازدواج الخطية، لا يمنع إطلاقًا أن الزواج بامرأة الأخ محرم شرعًا، سواء كان الأخ حيًا أو ميتًا. وقد رجعت في هذا الموضوع لشرح القديس يوحنا ذهبي الفم لهذا الفصل من إنجيل متى، ورأيت أن هذا القديس نبّه إلى نقطة وهي:
هيرودس تزوج امرأة أخيه، ولها منه نسل.
أي أنه لم يتزوج هيروديا، لكي يقيم نسلاً لأخيه. والعجيب أن هذه الابنة (سالومي)، وقفت ترقص، شاهدة على أن أي زواج بين أمها وأخي زوجها هو زواج غير شرعي. حتى لو كان ذلك الأخ ميتًا، فكم بالأكثر لو كان حيًا، أخيرًا أُحب أن أعلق على ما قد ذكرناه بكلمتين هما:
1– ما شأن الإمبراطور جستنيان أو ثيئودسيوس، وأمامنا نصوص من الكتاب؟!
2– حيثما يوجد نص صريح من نصوص الكتاب المقدس، فليس لنا مجال للاجتهاد والاستنتاج وللشروحات والآراء الخاصة. والنص واضح وقد تكرر لأهميته (لا20،18).
أما ماذا تقول قوانين الكنيسة في تحريم الزواج بامرأة الأخ، وفي تحريم الزواج بأخت الزوجة:
لا يجوز التزوج بأخت الزوجة، ولا يجوز التزوج بأخي الزوج.
إذا تزوجت امرأة بأخي زوجها، فمعنى هذا أن هذا الرجل يكون قد تزوج بامرأة أخيه، وقد شرحنا كيف أن الزواج بامرأة الأخ أمر محرم كتابيًا بأمر إلهي في اللاويين. ومن غير المعقول أن تحرم زيجة في العهد القديم، ثم تحالل في العهد الجديد الذي فيه ارتفع المستوى في كل شيء، وطالب الناس بالكمال.
1- وإلهنا الصالح الذي حرم على الرجل أن يتزوج بامرأة أخيه، لم يحمل أية أهمية لصلاحية الأخ في رعاية أولاد أخيه المتوفي!! بل ذكر الوحي الإلهي صراحة أن هذا الزواج نجاسة (لا21:20).
2- ويوحنا المعمدان قد وبخ هيرودس على التزوج بامرأة أخيه.
وإن كان البعض يظن أن سبب التوبيخ هو أنه أخذ امرأة أخيه اغتصابًا أثناء حياته، لكان الأولى أن يقول له يوحنا: “لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ امْرَأَةُ أَخِيكَ” لأنه هنا يتساوى الأخ وغير الأخ، فالاغتصاب لا يحل بالنسبة لامرأة أي رجل قريبًا كان أو غريبًا، ولكن المعمدان ركز على عبارة “امْرَأَةُ أَخِيكَ”، مذكرًا بالتحريم الإلهي الوارد في (لا18: 16).
وهذا التحريم الإلهي كان قبل حكم جستنيان بحوالي عشرين قرنًا من الزمان، فالقول بأن تحريم هذا الزواج كان بواسطة قانون مدني وليس بقانون كنسي، هو قول لا يقبله عقل. فتحريم هذا الزواج كان بأمر إلهي أيام موسى النبي الذي عاش في القرن الخامس عشر قبل المسيح.
3 – ومع ذلك فالقانون الكنسي حرم هذا الزواج أيضًا.
لأن القوانين الكنسية تشرح الشريعة للناس، وقد ورد مثل هذا التحريم في القانون الثاني من قوانين مجمع قيصرية الجديدة الذي عُقد سنة 214م أو سنة 315م أي قبل حكم الإمبراطور ثيئودوسيوس وقبل حكم الإمبراطور جستنيان، وقد ورد في هذا القانون: “إذا تزوجت امرأة أخين، فلتطرح خارجًا من الشركة حتى وفاتها”.
أي تفرز من جماعة المؤمنين، والاستثناء الوحيد لهذا القانون، هو قبولها مع التائبين إذا تعهدت أنها إذا شفيت تحل رباط هذه الزيجة، فإن توبة الباقي على قيد الحياة تصبح شاقة وعرة القبول، ولذلك لأنه إذا استمر مرتبطًا بزيجة خاطئة طول حياة الطرف الآخر، دون أن يستيقظ ضميره ويفك الزيجة.
والزواج بأخت الزوجة محرم أيضًا كنسيًا.
4– وقد ورد هذا التحريم في قوانين القديس باسيليوس الكبير.
نعم في قوانين باسيليوس الذي نصلي بقداسه في كنائسنا، ونأخذ الحل من فمه في صلاة التحليل. وقد ورد هذا التحريم في القانون 23 من قوانين باسيليوس. “لا يجوز للرجل أن يتزوج أخت امرأته. ولا يجوز للمرأة أن تتزوج أخًا زوجها”.
إنه قانون كنسي صريح وواضح. ورد في الرسالة القانونية الثانية التي أرسلها القديس باسيليوس الكبير إلى أمفيلوخيوس أسقف أيقونية. وقد أكد القديس باسيليوس تحريم هذه الزيجات في القانونين 76، 87 وذلك بمعاقبة من يتزوج امرأة أخيه أو كنّته، وكذلك مَن يتزوج أختين واحدة بعد الأخرى.
وهذه العقوبة بالإضافة إلى ضرورة فك هذه الزيجة غير القانونية: إذ أنه يقول في قانونه رقم (23) “الذي يتزوج امرأة أخيه، لا يُقبل في الشركة حتى يخلي سبيلها”.
5- ويكرر القديس باسيليوس هذا التحريم في القانون 88،78 في رسالته التي أرسلها إلى ديودورس أسقف طرسوس، وأرسل نسخة منها إلى الأسقف أمفيلوخيوس أسقف أيقونية، وقد ورد فيها عدم جواز هذه الزيجة، مع قوله:
“من يتزوج بأخت امرأته، لا يعتبر زواجه شرعيًا، ولا يُسمح للرجل والمرأة بدخول الكنيسة إلا بعد فسخ زواجهما”.
كل هذه القوانين كنسية وليست قوانين مدنية أصدرها ملوك مثل ثيؤدوسيوس أو جستنيان. بل صدرت قبل حكم هؤلاء الملوك.
6- وقد حرمها أيضًا القديس تيموثاوس الإسكندري (البابا 22).
وذلك في قانونه رقم 11 حيث سُئل: “هل يجوز لأحد رجال الإكليروس إذا دُعي لمباركة زواج، أن يقوم بالخدمة إذا عرف أن الزيجة غير جائزة بسبب القرابة، كأن تكون المرأة أخت زوجة الأرمل؟”.
فأجاب: “لا، لا يجوز لرجل الإكليروس أن يمالئ القوم في مخالفتهم للشريعة”.
7- ولأن هذه الزيجة محرمة، كانت قوانين الرسل تحرم أن يقبل في درجات الإكليروس من سبق له الوقوع فيها. فقد ورد في القانون 19 من قوانين الآباء الرسل “كل مَن تزوج بأختين، أو بامرأة وبنت أختها، أو بنت أخيها، لا يجوز أن يصير إكليريكيًا”، طبعًا مهما تاب وفسخ هذه الزيجة.
8- وقد حُرمت الزيجات في القوانين التي أصدرها المجمع المقدس أيام البابا كيرلس بن لقلق في القرن13، وقد كان هذا المجمع من أهم مجامع الكنيسة في العصور الوسطى التي نادت بالإصلاح ووضعت قواعد له. وقد حضره آباء علماء قديسون مثل القديس الأنبا بولس البوشي ومن ضمن القواعد التي وضعها هذا المجمع: “تحريم الزواج بأخت الزوجة وكل محارمها”.
فورد فيه: “لا يتزوج أحد ببنت زوجته ولا بنسل أولادها، ولا بأختها ولا بنسل أختها وأخواتها، ولا بعمتها ولا بزوجة عمها، ولا بخالتها ولا بزوجة خالها، ولا بأمها ولا بزوجة أبيها، ولا بجدتها ولا بزوجة جدها”، كما ورد في هذه القوانين أيضًا: “ولا يتزوج أحد بزوجة أخيه ولا بنسلها، ولا بأمها ولا بجدتها”.
9- وهكذا نرى أنه ليست فقط أخت الزوجة محرمة، وإنما أيضًا قريباتها اللائي في مستوى المحارم. ونفس الكلام يقال في تحريم الزواج بامرأة الأخ.
هنا نود أن نقول ملاحظة أخرى وهي:
في كل ما ذكرناه نحن نتكلم عن أمر إلهي يمنع زواج امرأة الأخ، وقوانين كنسية تمنع الزواج بامرأة الأخ وأخت الزوجة. ولا شأن لنا بالقوانين المدنية التي أصدرها الملوك والأباطرة، ولا بأسبابها واستثناءاتها. موضوعنا هو القوانين الكنسية.
فإن حدث أن بعض قوانين الأباطرة قد وافقت القوانين الكنسية، تكون القوانين الكنسية هي السابقة وهي الأصل وهي دعامتنا في بحثنا. وما موافقة قوانين الملوك لها سوى تديّنًا منهم يتمشون فيه مع الشرع الكنسي، وإن كانت قوانين أولئك الأباطرة تخالف قوانين الكنيسة، فلا تكون قوانين مسيحية.
وفي كلا الحالين لا دخل لنا بها. ونحن نتحدث عن تحريم الزواج بامرأة الأخ وبأخت الزوجة من داخل القوانين الكنسية. وفي داخل القوانين الكنسية وحدها نناقش الموضوع.
ونحن مستعدون لأي سؤال حول تحريم الزواج بامرأة الأخ وبأخت الزوجة، وبأخت زوجة الأب، وفي باقي ما ذكرناه من موانع القرابة في الزواج..
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 16-8-1987م


![موانع الزواج وأسباب بطلانه [2]](https://popeshenouda.org.eg/wp-content/uploads/2007/02/وطني-من-الداخل-1-150x150.webp)

