السيد المسيح بتجسده بارك طبيعتنا البشرية

1- هكذا نقول له في القداس الغريغوري “باركت طبيعتي فيك”
وهكذا كانت مباركة الطبيعة البشرية إحدى بركات التجسد الإلهي. فطبيعتنا هذه التي سقطت في الخطية بالعصيان والكبرياء، قدّسها السيد الرب في تجسده، وباركها بالطاعة وبالتواضع، وطهرّها ونقاها، وأعاد لها الصورة الإلهية التي خلقت بها ( تكوين 1 : 26 ) والتي كانت قد فقدتها بالخطية واسترجعتها مرة أخرى، ودخلت في حياة جديدة…
2- أخذ الطبيعة الضعيفة المهزومة، ومنحها روح القوة والانتصار
السيد المسيح الذي – في طبيعتنا – قال “أنا قد غلبت العالم” ( يوحنا 16 : 33 ). وأعطى هذه الطبيعة أن تغلب. وفي سفر الرؤيا، في رسائله إلى الكنائس السبع، أعطى بركات عديدة ومكافآت للغالبين ( الرؤيا 2 : 3 ). أعطى طبيعتنا المؤمنة به القوة التي تغلب بها. فلم تعد بعد ضعيفة، لأنه قال: “كل شيء مستطاع للمؤمن” ( مرقس 9 : 23 ). وبهذا قال القديس بولس الرسول “أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني” ( فيلبي 4 : 23 ). حقًا، من يجرؤ أن يقول “أستطيع كل شيء”؟ يقولها من يناجي الرب بعبارة “باركت طبيعتي فيك”.
3- وفي مباركة طبيعتنا، جعلنا هياكل للروح القدس
منحنا الروح القدس في سر المسحة المقدسة، سر الميرون، وقدّس كل أعضائنا، وجعل روحه يسكن فينا كما قال القديس بولس الرسول: “أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم” ( كورنثوس الأولى 3 : 16 ). “أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم” ( كورنثوس الأولى 6 : 19 ).
وبسكنى الروح القدس فينا، تقدست طبيعتنا، وصار لها أن تنتج ثمار الروح ( غلاطية 5 : 22–23 ). وأن يعطيها الله من مواهب الروح (1كو12).
4- وبحلول الروح فينا، تقدست أرواحنا وأجسادنا أيضًا
وبهذا يقول لنا الرسول “مجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله” ( كورنثوس الأولى 6 : 20 ) فهذا الجسد الذي كان قد سقط بأكمله من الثمرة المحرمة، أصبح الآن وسيلة يتمجد بها الله. لقد تبارك الجسد البشري، لما لبس الرب جسدًا ( يوحنا 1 : 14 ). لما أخذ جسدًا بشريًا، واتحد به في طبيعة واحدة. لقد قدس الرب طبيعتنا بدمه الطاهر. وحمل خطايانا التي كانت تنجس هذا الجسد، وغسلنا بدمه ( الرؤيا 1 : 5 ).
ولما بارك الجسد البشري باتحاده به، أرانا أن هذا الجسد يمكن أن يسلك بطريقة روحية، ويمكن أن يخدم الله، كما تخدمه الروح… وأن طبيعتنا البشرية كلها –جسدًا وروحًا ونفسًا –يمكن لها أن تكون مقدسة وطاهرة.
ولما قدّس الرب هذا الجسد البشري قدّس جميع غرائز الإنسان، وأصبح كل شيء طاهر للطاهرين ( تيطس 1 : 15 ). قدّس الرب الصوم لما صام، وقدّس الأكل لما أكل، قدّس الراحة والتعب، وقدّس الألم لما تألم، قدّس النوم والصحو والعمل… قدّس الوداعة والتواضع بوداعته واتضاعه ( متى 11 : 29 ، وقدّس الغضب أيضًا لما غضب لأجل الحق ( متى 21 : 12–13 ).
5- وفي مباركة طبيعتنا، جعل الشيطان ضعيفًا بهزيمة الرب له
فمع أن الشيطان يجول مثل أسد يزأر، إلا أننا أعطينا أن نقاومه راسخين في الإيمان ( بطرس الأولى 5 : 8–9 ). بل إن القديس يعقوب الرسول يقول “قاوموا إبليس فيهرب منكم”(يع4: 7). ذلك لأن الرب قد قال لطبيعتنا البشرية “ها أنا قد أعطيتكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شيء” و “الأرواح تخضع لكم” ( لوقا 10 : 19–20 ).
وبهذه القوة وبهذا السلطان، استطاع القديسون في هذه الطبيعة البشرية أن يخرجوا الشياطين ( متى 10 : 1 )، ( مرقس 16 : 17 ). إن السيد الرب- في طبيعتنا البشرية – قد هزم الشيطان وأعطانا أن نهزم الشيطان أيضًا بنفس هذه الطبيعة البشرية، بسلطان من الرب. ولم يعد القديسون يخافون الشياطين. بل ضعفت الشياطين أمامهم، حسب كلمة القديس الأنبا أنطونيوس الكبير عن ضعف الشياطين (في الكتاب الذي ألفه عنه القديس أثناسيوس الرسولي).
وفي هذا المجال، ما أعظم التعزية التي لنا بقول الرب “رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء” ( لوقا 10 : 18 ).
6- وفي مباركة الرب لطبيعتنا، منحنا طبيعة جديدة
وكما قال الرسول “إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديدًا” ( كورنثوس الثانية 5 : 17 ). لقد خلعنا العتيق مع أعماله ولبسنا الجديد ( كولوسي 3 : 9 . وما هو هذا الجديد الذي لبسناه؟ إنه البر الذي في المسيح يسوع. يقول الرسول:
“لأن جميعكم الذين اعتمدتم للمسيح قد لبستم المسيح” ( غلاطية 3 : 27 )
أي مجد هذا؟! حقًا يا رب لقد باركت طبيعتي فيك… أرجعتنا إلى صورتنا الإلهية. وأصبح إنساننا الجديد هذا الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه ( كولوسي 3 : 10 ). أصبحت طبيعتنا مؤهلة أن تلبس قوة من الأعالي ( لوقا 24 : 49 ). وهذه القوة التي ننالها بحلول الروح القدس علينا ( أعمال الرسل 1 : 8 )، هي من سمات الطبيعة الجديدة. وبها نستطيع أن نشهد للرب، وبها لا نخاف الخطية، ولا نخاف الشياطين، ولا نخاف الموت. لقد أصبحت الطبيعة البشرية شيئًا آخر، بعد أن باركها المسيح. لهذا نعرف حقيقة هامة من الرسالة إلى رومية، وهي:
7- إنساننا العتيق قد صُلب. دُفن بالمعمودية ( رومية 6 : 4–6 )
“متنا عن الخطية” “كي لا نعود نستعبد أيضًا للخطية” “هكذا نسلك في جدة الحياة”( رومية 6 : 2–6 ).
هذه هي الطبيعة الجديدة التي باركها المسيح فيه، التي غسلها من كل أخطائها في المعمودية، لتبيض أكثر من الثلج. لذلك حسنًا بشر الملاك الرعاة في ميلاد المسيح قائلًا: “ها أنا أبشركم بفرح عظيم: إنه وُلد لكم اليوم مخلص هو المسيح الرب” ( لوقا 2 : 10–11 )
ما هو هذا الخلاص الذي نلناه عن طريق التجسد الإلهي؟
خلصنا بموته من عقوبة الخطية ومن نتائجها: من الموت ومن الدينونة. ولكن هل كان الخلاص من هذا فقط؟ كلا بلا شك. لأنه لو خلصنا من عقوبة الخطية، وترك طبيعتنا فاسدة تسيطر عليها الخطية مرة أخرى، وبالخطية الموت، لقلنا ما الذي استفدناه؟ لكنه عمل ما هو أعظم من هذا:
8- فكما خلصنا من عقوبة الخطية، خلصنا من فساد الطبيعة البشرية
صلب إنساننا العتيق، أماته، لم يعد للشيطان سلطان علينا، بل أنه أعطانا سلطانًا على جميع الشياطين. أصبحت طبيعتنا لها سلطان على الأرواح النجسة ( متى 10 : 1 ) وأعطى هذا العربون للتلاميذ أولًا.
لبست طبيعتنا المسيح ( غلاطية 3 : 27 )، فلبست القوة والقداسة
السيد المسيح غلب العالم، فلبست الطبيعة البشرية هذه الغلبة التي بها هزم الشيطان وهزم الموت معه. هذه هي البركة العظمى التي نالتها بالطاعة الكاملة للآب، خلّص المسيح طبيعتنا من سقطة العصيان، وأعطاها أن تطيع حتى إلى الموت، الموت، موت الصليب ( فيلبي 2 : 8 ). علّم الطبيعة البشرية أن تقول “لتكن لا مشيئتي بل مشيئتك” ( لوقا 22 : 18 ) “لا ما أريده أنا بل ما تريده أنت” ( مرقس 14 : 26 )
9- في هذه الطبيعة التي باركها، هزم الشيطان بطريقتين:
هزمه بالضربة القاضية على الصليب. وغلبه كذلك بالنقط في كل تصرف خلال حياته بالجسد. وهكذا تحدى قائلًا “من منكم يبكتني على خطية” ( يوحنا 8 : 46 )، وهكذا كان المسيح في حياته بالجسد “رائحة سرور الرب” وهكذا في صلبه ( اللاويين 1 : 9–13 ).
وهكذا حقق المسيح في طبيعتنا ثلاثة أهداف هي:
أ- حطم الشيطان وأسطورته التي كانت منتصرة باستمرار في القديم.
ب- أرضى قلب الآب بتقديم طبيعة بشرية طائعة له حتى الموت.
ج- رفع معنويات الإنسان وأراه إمكانية وصول الطبيعة البشرية إلى الكمال.
10- وبارك الطبيعة البشرية بالاتضاع، فخلصها من الكبرياء
خلصها من حب العظمة الذي وقع فيه الشيطان حينما قال “أصير مثل العلي” ( إشعياء 14 : 14 ) والذي أراد أن يوقع به الإنسان، حينما قال لأبوينا الأولين. “تصيران مثل الله عارفين الخير والشر” ( تكوين 3 : 5 ).
أزال هذه العظمة، حينما أخلى ذاته وأخذ شكل العبد صائرًا في شبه الناس ( فيلبي 2 : 7 ). وحينما غسل أرجل تلاميذه. وقال لهم تركت لكم مثالًا ( يوحنا 13 : 5–14 ). وحينما قال “إن ابن الإنسان لم يأتي ليُخدم، بل ليَخدم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين” ( متى 20 : 28 ).
11-وقدّس الرب طبيعتنا في كل مراحل العمر
قدّس الطفولة لما مرّ بهذه المرحلة، وقدّس الصبا وهو صبي يحاور الشيوخ ( لوقا 2 : 46–47 ). وقدس مرحلة الشباب حينما كان في كل مراحل عمره “يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس” ( لوقا 2 : 52 ). وقدّس الرجولة حينما كان يجول يصنع خيرًا ( أعمال الرسل 10 : 38 ) ويكرز ببشارة الملكوت ( متى 4 : 23 ).
12-وبارك كذلك طبيعتنا بالانتصار على الموت
وذلك بقيامته من الموت قيامة لا موت بعدها. وفي ذلك صار “باكورة الراقدين” ( كورنثوس الأولى 15 : 20 ). وهكذا كما في آدم مات الجميع، هكذا في المسيح سيحيا الجميع، كل واحد في رتبته ( كورنثوس الأولى 15 : 22–23 ).
وكما قام من الأموات بقيامة ممجدة، أعطانا نفس المجد أيضًا
وهكذا قال عنه الرسول إنه “سيغير شكل جسد تواضعنا، ليكون على صورة جسد مجده بحسب عمل استطاعته” ( فيلبي 3 : 21 ).
ما أكثر الأمور التي بارك الرب فيها طبيعتنا، مما لا يستطيع أن يفي بشرحها هذا المقال.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 31-12-2000م



