لماذا نطوِّب العذراء؟

لماذا نطوِّب العذراء؟1
سؤال:
لماذا نطوِّب العذراء؟ هل بسبب أمومتها؟ أم بسبب بتوليتها؟ أم بسبب إيمانها؟
قرأت لأحد البلاميس أنه لا يجوز لنا أن نطوِّب العذراء كأم أو كبتول! وأن الأمومة الجسدية ليست هي الأمومة التي يكرِّمها الرب! وأن الله لا يقيم وزنًا روحيًا للعلاقات العائلية الطبيعية أو القرابة الجسدية! وأن تطويبها هو بسبب إيمانها فقط. فما هو المفهوم الأرثوذكسي لكل هذه الأمور؟
الجواب
نحن نطوِّب العذراء على كل هذه الأمور: على أمومتها للرب، وبتوليتها، وإيمانها، وحياتها المقدَّسة. كل ذلك معًا، وبخاصة كونها والدة الإله، لأنها تميَّزت بهذا على كلِّ نساء العالم..
وكما نقول لها في اللحن: “نساء كثيرات نلن كرامات. ولم تنل مثلك واحدة منهن” (أم31: 29).
حقًا إن القديسة أليصابات قالت لها: “فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ” (لو1: 45). ولكن هذا الذي آمنت أنه سيتم، هو أنها ستصبح والدة الإله. كما أن أليصابات لم تحصر تطويبها في هذا الإيمان، بل قالت أيضًا قبله: “فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟” (لو1: 43) وقالت أيضًا في تطويبها: “مباركة أنت في النساء، ومباركة هي ثمرة بطنك” (لو1: 42).
وكل هذا التركيز على كونها والدة الإله. ولا يجوز أن نأخذ عبارة واحدة من تطويب القديسة أليصابات للقديسة مريم، ونترك باقي الآيات التي تعطي صورة كاملة عن “الحق الكتابي”…
ونريد أن نقول إن كون القديسة مريم بتولًا ووالدة الإله، إنما هاتان صفتان ترتبطان بقضية الخلاص ذاتها.
فما كان ممكنًا أن يتم الخلاص بدون التجسد، والتجسد معناه أن يولد الرب من امرأة، من إنسانة بنفس طبيعتنا، وبهذا يمكنه أن ينوب عن البشر. ولهذا كان السيد المسيح يصر على تلقيب نفسه (ابن الإنسان)، لأنه بهذه الصفة، خلَّص البشر. ولم يصِر ابنًا للإنسان إلاّ ببنوته من مريم…
ولهذا فإن لقب (والدة الإله) الخاص بمريم العذراء، هو لقب يتعلق بالفداء، أو الخلاص، الذي لا يتم بدون التجسد…
وهل بتولية العذراء لها أيضًا علاقة بموضوع الخلاص؟
طبعًا، بتولية العذراء لها علاقة بموضوع الخلاص.
لأن المسيح ما كان ممكنًا أن يولد نتيجة زرع بشر طبيعي من رجل لامرأة، ويصير إنسانًا عاديًا!!
بل كان لا بد أن يولد من عذراء، بطريقة غير طبيعية، بالروح القدس، له أب واحد هو الله، وهكذا لا يولد بالخطية الأصلية. وإذ يكون هكذا قدوسًا، يمكن أن يفدي الخطاة…
لماذا إذًا لا نطوِّب العذراء على أنها بتول ووالدة الإله، وبخاصة لأن هذين الأمرين لازمان لخلاصنا؟!
وأية منفعة تُراه يحصل عليها إنسان أيًا كان مذهبه المسيحي، من عدم تطويب العذراء لكونها والدة الإله، ولكونها بتول!! وقد طوَّب القديس بولس البتولية وقال إنها أفضل (1كو7).
ثم أن العذراء، حينما قالت: “فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي” لم تقصد أن إيمانها هو سبب التطويب، بل قالت: “لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ” (لو1: 48، 49) …
وطبعًا هذه العظائم، هي إمكانية أن تلد وهي بتول، وأن تلد الرب نفسه… أية عظائم أكثر من هذه؟
إن الإيمان يمكن أن يوجد عند أيه امرأة. ولكن ليست كل امرأة يمكنها أن تلد وهي بتول، وتلد الرب نفسه!
ولذلك فإن قصر تطويب العذراء على الإيمان فقط، هو جعلها كباقي النساء، دون تمييز، وهذا اتجاه بروتستانتي معروف…
أما كون الله لا يقيم وزنًا روحيًا للعلاقات العائلية الطبيعية أو القرابة الجسدية، فليس هذا تعليمًا كتابيًا سليمًا.
يكفي أن الله جعل إكرام الوالدين في أول وصايا اللوح الثاني الخاص بالعلاقات مع الناس (تث5: 16).
وقد شدَّد بولس الرسول على وصية (أكرم أباك وأمك)، وقال أنها “أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ” (أف6: 2).
وفي العهد القديم كان القتل عقوبة من سب أباه أو أمه (مت15: 4).
وفي العهد الجديد يقول الكتاب: “وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْتَنِي بِخَاصَّتِهِ، وَلاَ سِيَّمَا أَهْلُ بَيْتِهِ، فَقَدْ أَنْكَرَ الإِيمَانَ، وَهُوَ شَرٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ” (1تي 5: 8). والسيد المسيح قد وبَّخ الكتبة والفريسيين على تعاليمهم بعدم إكرام الوالدين بحجة “قربان” (مت15: 6).
ولعل من اهتمام السيد المسيح بأمه، أنه خصَّها على الصليب بكلمتين من كلماته السبع واهتم برعايتها…
وأمثلة الاهتمام بالعلاقات العائلية لا تدخل تحت حصر…
إن القول بأن الله لا يقيم وزنًا روحيًا للعلاقات العائلية الطبيعية والقرابة الجسدية فيه تحطيم للأسرة والمجتمع، ولا يتفق مع تعليم الكتاب، سواء في العهد القديم أو العهد الجديد، والذي لا يكرم أباه وأمه، لا يمكن أن يكرم أحد في الوجود! ويكون ابنًا عاقًا. وفي ناموس موسى كانوا يرجمونه. وفي العهد الجديد هو شر من غير المؤمن.
وبعد، إن المسيح أكرم العذراء كأم، وأكرمها أيضًا كإنسانة روحية. وهو اختار أقدس إنسانة لتكون له أمًا…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة العاشرة – العدد الأربعون 5-10-1979م




