تأملات في سفر نشيد الأناشيد – تخت سليمان1

الروحيون يقرأون هذا السفر فيزدادون محبة لله… أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد، لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا من معناه السامي إلى معان عالمية…
نود أن يكون موضوع تأملنا اليوم هو قول الوحي في سفر النشيد: ” تخت سليمان حوله ستون جبارًا من جبابرة إسرائيل. كلهم قابضون سيوفًا ومتعلمون الحرب. كل رجل سيفه على فخذه من هول الليل،” (نش3: 7، 8).
هوذا تخت سليمان حوله ستون جبّارًا..1
سليمان رمز للمسيح:
لأن كلمة سليمان معناها (رجل السلام). وقيل عن المسيح إنه رئيس السلام، وهو الذي صنع سلامًا. بين الله والناس. وسليمان كان يمثل الحكمة، والمسيح هو أقنوم الحكمة. هو حكمة الله وقوة الله (1كو1: 24). سليمان هو الابن الباني للهيكل، والمسيح هو الابن الذي بني الكنيسة هيكل الله القدوس.
تخت سليمان، تعني عرشه، وترمز لعرش المسيح:
حوله ستون جبارًا من جبابرة إسرائيل. إسرائيل هنا ترمز للكنيسة المقدسة…
عرش الله إذن حول الجبابرة، أي النفوس القوية، التي حاربت حروب الرب وانتصرت على العالم والجسد والشيطان…
أما النفوس الضعيفة التي لم تثبت، فليس لها نصيب حول عرش الله. الإنسان الضعيف، الذي مجرد شهوة تحطم قلبه وإرادته وفكره، هذا لا يمكن أن يكون من الجبابرة المحيطين بتخت سليمان.
العجيب أيها الأخوة الأحباء أن سفر العدد الذي عد فيه الله خاصته، تجدون أنه لم يدخل في هذا الإحصاء جميع الناس…
إنما عد الله النفوس القادرة على القتال، القادرة على حمل السلاح، ” كل خارج للحرب” (عد1: 2، 3) …
هؤلاء هم الجبابرة، كلهم قابضون سيوفًا ومتعلمون الحرب، كل رجل سيفه على فخذه من هول الليل، من هول الظلام، من هول الأخطار، من هول الشهوات، من هول محبة العالم.
فإن حاربك في يوم فكر من الأفكار، واستسلمت له، لا تكون حينئذ جبارًا متعلمًا الحرب. بل تكون إنسانًا قد ألقى سلاحه وانطرح أمام العدو على الأرض.
الإنسان المتعلم الحرب هو إنسان خبير بالأفكار، خبير بحروب العدو، كما قال بولس: “نحن لا نجهل حيله”… نعرف خداع الشيطان. ونميز الأرواح. ونعرف الذي من الله، والذي من العدو.
هذه الحرب شرحها بولس في رسالته إلى أهل أفسس. فقال إن “مصارعتنا ليست مع لحم ودم”… إنها “مع أجناد الشر الروحية”، مع الشياطين، مع الجسد، مع الشهوات، مع كل قوة العدو.
كلمة جميلة قالها ملاك الرب لجدعون. قال له: ” الرب معك يا جبار البأس”. حقًا إن السماء لا يوجد فيها إلا الجبابرة الذين انتصروا في الحروب كما قال الكتاب إن الرب “يقودنا في موكب نصرته”.
ستون جبارًا:
لماذا اختار هذا الرقم…؟ وإلى أي شيء يرمز؟
ستون=6×10 والرقم 10 يرمز إلى الكمال. والرقم 6 يرمز إلى إتمام العمل. فالله قد أتم عمله في الخلق في ستة أيام. والمسيح أتم عمله في الفداء في اليوم السادس وفي الساعة السادسة. والأرض أيضًا تتمم خدمتها للناس في ست سنوات وتستريح في السنة السابعة حسب وصية الكتاب. والإنسان يتمم عمله كله في ستة أيام ويستريح في اليوم السابع، والله تمم محبته للناس في عرس قانا الجليل بأن حول لهم ستة أجران مملوءة بالماء إلى خمر مختار. (ستة أجران) تعني أنه أكمل كل عمل المحبة الذي يمكن أن يقدم لهم.
ما دام الرقم 6 يرمز إلى إتمام العمل، والرقم عشرة إلى الكمال، إذن فرقم 60 يرمز إلى كل الذين تمموا عملهم في كمال… هؤلاء هم الجبابرة…
فإن سئلت وقلت: هل حول عرش الله ستون جبارًا فقط؟، نقول لك إن هذا الرقم إنما هو رقم رمزي، يرمز إلى كل جبابرة الروح الذين كملوا في الإيمان، الكاملين في قوتهم، الكاملين في جهادهم وفي انتصارهم… لا نقصد الجبابرة في أجسادهم، أو في قوتهم الجسدية، بل الجبابرة في أرواحهم حتى لو كانوا صغارًا…
داود النبي كان صبيًا صغيرًا، ولكنه كان جبارًا أمام جليات…
كل الجيش خاف، ولكنه كان الوحيد الذي لم يخف، وتقدم لمحاربته في جبروت، في الوقت الذي خاف فيه شاول الملك وكان أطول من جميع الشعب…
شاول الملك الذي كان جبارًا في جسده، لم يكن جبارًا في روحه، فبغته روح رديء من قبل الرب، وكان يصرعه. والذي كان ينقذه من هذا الروح الرديء كان داود الصغير، أحد الجبابرة الذين حول العرش.
كان داود “جبار بأس، وفصيح، ورجل جميل، والرب معه” (1صم 16) وهذه العبارة الأخيرة كانت سر جبروته…
داود الجبار كانت تخاف منه الشياطين، يكفي أن يضرب على عوده، أو يصلي مزاميره حتى تهرب الشياطين مرتعبة… جبار له سلطان على الشياطين!!
نريد في الكنيسة مجموعة من هؤلاء الجبابرة الذين تخافهم الشياطين. ليتكم تستعرضون في تاريخ الكنيسة القديسين الذين كان لهم سلطان على الشياطين… تذكروا قصة ذلك القديس الذي أتى شيطان لمحاربته، فربطه خارج القلاية. القديس إيسيذروس الذي قالت له الشياطين “أما يكفيك إننا لا نستطيع أن نمر على قلايتك، ولا على القلاية التي إلى جوارك. وأخ واحد في البرية جعلته بصلاتك يتعدى علينا النهار والليل”.
أما أنت، فإن كنت تخاف من الشياطين، أتستطيع أن تحسب نفسك من الجبارة المحيطين بالعرش؟! الذين لهم سلطان على كل قوة العدو؟!
هل تكون جبارًا إذا استطاع الشيطان أن يمتلك إرادتك؟ أو إن كان يقدر أن يغريك بخطية ويستولى على نفسك!! لا تظن أن الشيطان كريم في عطاياه، يعطي بلا مقابل…!! إنه يعطيك ما تريده، في مقابل أن يأخذ كل ما عندك أو أسمى ما عندك، روحك وأبديتك…! الشيطان لا يقبل على نفسه أن يدخل في صفقة خاسرة. إنه دائمًا يأخذ أكثر مما يعطي… أرباحه أكثر من مصروفاته… وهكذا يفعل مع الذين يلجأون إلى السحر مثلًا…!
تعجبني صورة الملاك ميخائيل، وسيفه في يده، وهو يدوس على الشيطان بقدمه… لا شك أنه أحد الجبابرة الذين حول العرش…
كيف تكون جبارًا في محاربة الشياطين؟
تكون كذلك أن لم تكن لديك شهوة يحاربك الشيطان بسببها…
إن الشيطان يتحسس حياتك الروحية، محاولًا أن يعرف نقط الضعف فيك، لكي يحاربك بها. إنه يختبر الأرض وصلابتها. ويعرف أين توجد الأرض الرخوة، والأرض اللينة، لكي يجعلها ميدانه… أما الأرض الصلبة، فلا يمشي عليها الشيطان.
هناك جبابرة وقفوا ضد الشيطان في قتالهم لأجل الفضائل…
خذوا فضيلة العفة مثلًا… وكيف كان من الجبابرة فيها يوسف الصديق، وسوسنة العفيفة وغيرهما… جبابرة آخرون تركوا مشتهيات العالم كله، وعاشوا في البراري يحاربون الشياطين في عنف…
الأنبا أنطونيوس جبار حاربه الشيطان بكل وسيلة، بالشكوك، بالمال، بالنساء، بالتخويف. ولم يقدر عليه. دانيال النبي والثلاثة فتية كانوا في قصر الملك، ورفضوا أن يأكلوا من أطايبه ومن خمر مشروبه، ورفضوا أن يعبدا معبوداته. ولم يهمهم أن يلقي بهم في جب الأسود أو أتون النار… أنهم جبابرة لا يعرفون الخوف. كلهم قابضون سيوفًا ومتعلمون الحرب.
الشهداء القديسون كانوا أيضًا جبابرة لا يعرفون الخوف. وقفوا أمام الأباطرة والملوك والولاة والحكام. وقفوا أمام الحرق والعصر والجلد والتمزيق والتعذيب وكل صنوف الاضطهاد، ولم يبالوا. كان إيمانهم أقوى من العذاب…
هناك جبابرة آخرون في عالم النسك: في الصلاة، في السهر، في العبادة، في الوحدة، في التجرد، مثل سكان البرية من المتوحدين والنساك…
أرسانيوس الجبار، كان يقف متجهًا إلى الشرق والشمس وراءه، ويظل ساهرًا طول الليل حتى تظهر الشمس أمامه في أول النهار… جبار… أما أنت، فإن كنت لا تستطيع أن تصمد في السهر، وحالما يحاربك النوم تترك صلاتك، فهل تكون حينئذ جبارًا، وهل تكون حول العرش؟! القديس مكاريوس الإسكندراني، الجبار في سهره، تحدث عن حروبه فقال “حوربت مرة بالنوم ونمت، فصممت أن أقاتل النوم. وبقيت 21 يومًا لا أطبق جفنًا على جفن حتى شعرت أن مخي قد نشف”.
جبابرة أخرون لم يسمحوا لأية قوة خارجية أن تفصلهم عن الرب.
مثل بولس الرسول الذي قال: ” من سيفصلنا عن محبة المسيح؟ … أني متيقن أنه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات، ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولأعمق، ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا” (رو8: 39).
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الثاني) 10-1-1975م


