التجربة على الجبل

التجربة على الجبل
إخلاء الذات:
السيد المسيح في تجسده “أخلى ذاته وأخذ شكل العبد” (في2: 7). واستمر في نفس الوضع.
فكانت سياسة الإخلاء عملية دائمة.
كان ذلك في ميلاده في مذود بقر، وفي هروبه إلى مصر من وجه هيرودس. وظهر الإخلاء في تقدمه لمعمودية التوبة.
وظهر الإخلاء في سماحه للشيطان بتجربته:
ليس فقط مجرد السماح بالتجربة. وإنما أيضًا سماحه له باختيار المكان: سواء على الجبل، أو على جناح الهيكل، أو في المدينة المقدسة.
ونلاحظ في هذه التجربة أن الوضع مختلف عن وضع آدم [الإنسان الأول] في تجربته:
عكس آدم:
1- آدم كانت التجربة هي موضِع هزيمته، فانهزمت البشرية في شخصه، فجاء السيد المسيح يرد للإنسان كرامته بانتصاره على الشيطان في كل تجاربه..
2- آدم انهزم وهو في جنة يانعة بكل أنواع الثمار، فكان رد المسيح بالانتصار في البريّة والقفر، حيث ارتفع فوق مستوى كل شجرة “شهية للأكل وبَهِجَة للعيون” (تك3: 6).
3- آدم أكل من الثمرة المحرَّمة التي نهى الله عن أكلها، أما السيد المسيح فقد امتنع حتى عن الطعام الحلال الذي هو الخبز.
4- آدم أراد أن يكبر ويصير مثل الله، أما السيد المسيح فإذ كانت صيرورته مثل الله لا تُحسَب خُلسة، إلا أنه أخلى ذاته، وأخذ شكل العبد… آدم أراد أن يتمجد أما المسيح فتخلى عن مجده.
5- آدم خضع لمشورة خارجية هي مشورة الشيطان، أما السيد المسيح فرفض كل مشورة للشيطان.
6- آدم أراد سلطانًا ليس له، أما المسيح فتخلى عن استخدام سلطانه الخاص..
7- آدم سلك بطريقة جسدية، بحث فيها عما يشبع جسده؛
أما السيد المسيح فسلك بطريقة روحية قائلًا: “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله”
تجارب مستمرة
إنه عزاء كبير لنا أن السيد المسيح قد جُرِّب هو أيضًا، فقد قال الكتاب عنه أنه: “مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية” (عب4: 15). وقيل عنه أيضًا: “لأنه فيما هو قد تألم مُجَربًا، قادر أن يعين المُجَرَّبين” (عب2: 18).
إذن لم تكن تجربته فقط على الجبل، إنما كان مُجَربًا في كل شيء..
وحتى التجربة التي على الجبل لم تكن الثلاث تجارب التي وردت في (لو 4)، وفي (مت 4)، إنما كانت فترة الأربعين يومًا كلها تجارب، إنما كان كما يقول معلمنا لوقا الإنجيلي: “وكان.. أربعين يومًا يُجَرَّب من إبليس” (لو4: 3).
أو كما روى القديس مرقس الإنجيلي: “وكان هناك في البرية أربعين يومًا يُجَرَّب من الشيطان” (مر1: 12). وفي نهاية الأربعين حدثت التجارب الثلاث. وفي نهايتها لم تنتهِ تجاربه، إنما يقول القديس لوقا عن السيد: “ولما أكمل ابليس كل تجاربه فارقه إلى حين” (لو4: 13).
وعبارة “فارقه إلى حين” تعني عودته بعدها إلى التجارب.
إنها تعزية لنا في التجارب، إن الرب كان مُجَرَّبًا مثلنا، في كل شيء. وإن الشيطان حينما فارقه، إنما فارقه إلى حين. فالتجارب إذن كانت مستمرة.
وهذه التجارب لا تعني مطلقًا تخلي الآب.
إنما تعني من جهة الشيطان، معاملته بمبدأ تكافؤ الفرصة، ومنحه ما يريد من التجربة، حتى لا يحتج بأنه لو أخذ فرصة لاستطاع…!! ومن جهة المسيح كانت التجربة مجالًا لانتصاره. ومن جهتنا كانت تجربة المسيح فرحًا لنا. لماذا؟ لأنه أعطى فرصة لطبيعتنا البشرية أن تنتصر على الشيطان.
وهكذا “بارك طبيعتنا فيه”، وأعطانا عربون النصرة، وفي انتصاره “يقودنا في موكب نصرته”. ويقنعنا عمليًا بأن الشيطان ليس مرعبًا كما نتخيل، وإنما من السهل جدًا الانتصار عليه، ونحن نستطيع ذلك “في المسيح الذي يقوينا” (في4: 13).
ملاحظات على التجربة:
1- نلاحظ أن التجربة أتت بعد بركات معينة.
أتت بعد المجد العظيم الذي ظهر واضحًا في يوم العماد: الآب من السماء يشهد ويقول: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت” (مت3: 17). والروح القدس يستقر كحمامة. ويوحنا المعمدان يشهد ويقول: “هذا هو الذي قلت عنه يأتي بعدي رجل صار قدامي لأنه كان قبلي” (يو1: 30)، ويقول للسيد المسيح: “أنا المحتاج أن أعتمد منك” (مت3: 14). أمام كل ذلك تنبَّه الشيطان وقام ليتأكد ويجرِّب..
إذن في كل بركة تحل عليك، توقع حسد الشياطين:
حسد الشياطين التي تحاول سلب البركة والنعمة!
وهنا الشيطان حسد المجد الذي ظهر للمسيح وقت المعمودية، حتى سُمِّيَ ذلك اليوم بعيد الثيؤفانيا “أي عيد الظهور الإلهي”. كذلك لم يعجبه أن السيد المسيح يجلس وحده مع الآب في خلوة روحية، في صوم.. فقام ليعمل ضده
لهذا توقع أيضًا محاربات الشياطين في الفترات الروحية
وكما يقول ابن سيراخ: “إذا تقدمت لخدمة ربك، فهيئ نفسك لجميع التجارب”… ويقول القديس مار أوغريس: “إذا بدأت الصلاة الطاهرة، فاستعد لكل ما يأتي عليك”.. ليس معنى هذا أن يخاف الإنسان ويمتنع عن العمل الروحي. وإنما يستعد ويجاهد، وينال بركة الجهاد.
وهنا ننصح أن تحترس في الأيام المباركة. فقد يحاربك الشيطان في يوم مقدس! في يوم التناول، وفي وقت الصوم، وأثناء تدريب روحي ناجح، وفي عمق خدمة روحية، وفي ساعة تأمل، وفي استعداد رأس السنة.. إلخ!!
احترس أيضًا من ظهور فضائلك، لئلا توقظ الشيطان لمحاربتك:
إن بطرس حينما أظهر غيرته المقدسة، واستعداده لأن يُسجَن أو يموت مع معلمه وسيده (لو22: 33) وقال له: “إن شك فيك الجميع، فأنا لا أشك”، “ولو اُضطررت أن أموت معك، لا أنكرك” (مت26: 33، 35).. حينئذ تجرد له الشيطان، وضربه بقوة وعنف، وأوقعه في الخوف، وفي اللّعن، وفي النُكران.
2- نلاحظ أيضًا في التجربة على الجبل، أن الشيطان لا ييأس مطلقًا ولا يكسل..
فأمامه هنا شخص في مثل هذا المجد. وقد وُلد بولادة معجزية مُحاطة بالرؤى وظهورات الملائكة. وهو أمام كائن لم يجد فيه أي ضعف، بل هو في منتهى الكمال. ومع ذلك لا مانع لديه من أن يحاربه وأن يجرِّبه. ومهما انهزم الشيطان منه في معركة، لا يملّ ولا ييأس، بل يتابع قتاله.. وإن انتهره هذا القوي فذهب عنه “يفارقه إلى حين”.
3- كان الشيطان يتوقع أن يبدأ المسيح خدمته بالعظمة والمعجزة، وليس بالخلوة والصوم.
كان يتوقع ــ إن كان هذا ابن الله حقًا، وله هذه الشهادة ــ فليُظهر بنوته بالقوة وبالعمل الجبار الذي تهتز له الأرض وتُعجب له السماء! إما أن يجلس وحده صامتًا صائمًا معتزلًا، فهذا أمر تعجبَ له الشيطان، وتشكك منه، فأتى ليسأله إن كنت ابن الله، فاعمل معجزة تدل على ذلك..
إن التجارب والبركات تتبادلان المواضع.
فقد تكون البركات سببًا للتجارب بحسب حسد الشياطين فتأتي التجارب بعد البركات. وقد يحدث العكس: تأتي التجارب أولًا، ونتيجة لها يحصل الإنسان على بركات، لصموده وفوزه في التجربة..
4- نلاحظ أن السيد المسيح عاملَ الشيطان برقةٍ وحزم:
عامله برقة إذ سمح له أن يقترب منه ويجرِّبه، كما سمح له باختيار المكان، وباختيار الوقت. وعامله برقة من حيث كان يرد عليه في هدوء دون أن ينتهره. وبلغت رقة السيد المسيح إلى الحَد الذي تجرأ فيه الشيطان قائلًا: “إن خررت وسجدت لي”.! وهنا انتهره السيد في حزم، فلم يحتمل الشيطان وهرب.. إلى حين.
5- نلاحظ في هذه التجربة وغيرها، أن الشيطان شغوف جدًا بمحاربة الأقوياء.
الشيطان شغوف بمحاربة الأقوياء:
ولهذا قيل عن الخطية أنها: “طرحَت كثيرين جَرحى، وكل قتلاها أقوياء” (أم7: 26).
نلاحظ أن الشيطان وقف لمحاربة أيوب الصديق.
هذا الذي قال عنه الرب أنه: “ليس مثله في الأرض. رجل كامل ومستقيم. يتقي الله ويحيد عن الشر” (أي1: 8). فلم ييأس الشيطان من هذه الشهادة الإلهية، بل تجرأ أن يطلب سماحًا من الله لمحاربة أيوب. ولما انهزم في التجربة الأولى، طلب سماحًا لتجربةٍ أخرى أشد (أي2: 5). إنه يحب محاربة الأقوياء..
ووقف الشيطان أيضًا لمحاربة شمشون الجبّار.
لم يهمه أنه نذير الرب، وأن الرب اختاره قبل أن يُولد، وأن روح الرب كان يحرِّكه (قض13: 7، 25). ولم يعبأ بانتصارات شمشون السابقة، بل لم يعبأ أيضًا بانتصاراته في التجربة الأخيرة، وظل به حتى أسقطه (قض16).
ووقف الشيطان ضد سليمان الحكيم، أحكم أهل الأرض..
هذا الذي أخذ الحكمة من الله مباشرةً، فوهبه الله قلبًا حكيمًا وممَيَّزًا، حتى أنه لم يكن مثله قبله ولا يقوم بعده نظيره (1مل3: 12). سليمان الذي تراءى له الله مرتين وكلَّمه فمًا لأُذن وباركه (1مل9: 2)، ومنحه ما لم يمنحه لأبيه داود العظيم، أن يبني الهيكل.. سليمان هذا لم يعبأ الشيطان بقوته ولا بنعمته، وأمكن أن يسقطه سقطةً عظيمة، لا تتفق إطلاقًا مع حكمته (1مل11 :1-9).
ويعوزنا الوقت إن تحدثنا عن محاربات الشيطان لأقوياء آخرين:
مثل إيليا النبي العظيم، أول إنسان أقام ميتًا (1مل17: 22)، وكيف أوقعه في الخوف، لأنهم يطلبون نفسه ليأخذوها (1مل19: 14).
كذلك كيف حارب الشيطان فلاسفة وعلماء وآباء ورعاة:
كيف حارب أوريجانوس أكبر عالِم لاهوتي في عصره، وأوقعه في بدع حَرَمَته من أجلها الكنيسة، حتى قال عن نفسه: [أيها البرج العالي، كيف سقطتَ؟]!!
وكيف حارب اريوس أشهر واعظ في الإسكندرية، وأسقطه في هرطقة، اجتمع من أجلها أول مجمع مسكوني في تاريخ الكنيسة وحرمه هو وهرطقته.
وكيف أوقع الشيطان في الهراطقة أوطاخي أب الرهبنة الشهير في القسطنطينية وأكثر رهبانها روحانية.
وكيف أوقع بطاركة أجلاء مثل نسطور ومقدونيوس من بطاركة القسطنطينية، فحرمهما المجمعان المسكونيان الثالث والثاني بسبب هرطقاتهما..
وكيف حارب الشيطان فلاسفة وعلماء حتى يومنا هذا، وأوقعهما في الإلحاد، وأنكروا وجود الله على الرغم من عِلمهم وسِعَة عقولهم!!
إن الشيطان يهوى محاربة الأقوياء، ويجد فيها لذة…
الأشجار تعطينا مثالًا عن ثلاثة أنواع من الثمار:
[أ] نوع يقع على الأرض من تلقاء نفسه إذا نضج. [ب] ونوع تقطفه بيدك من على الشجرة. [ج] ونوع تصعد إليه لتقطفه، كالبلح في أعلى النخلة.والشيطان شغوف بالنوع الأخير الذي يصعَد إليه.
أما النوع الذي يقع من تلقاء ذاته، ربما يتركه الشيطان لشهوات نفسه تسقطه، دون أن يتكبد مجهودًا لإسقاطه.. إنه لا يستحق أن يحاربه شيطان قوي! مثال ذلك أخ شكا إلى القديس الأنبا بيشوي بأن الشياطين تحاربه، فأجابه القديس: “أنت يا ابني مبتدئ، والشيطان لا يحارب المبتدئين!” فلما عاود الأخ شكواه صلّى القديس إلى الله. فظهر الشيطان وقال للقديس “مَن هو هذا الأخ الذي تصلِّي من أجله؟ أنا لم أسمع أنه ترهب بعد…!!”.
وهذا لا يمنع أن الشيطان قد يحارب المبتدئ أحيانًا، ليوقعه في اليأس من أول الطريق!!
ولكن على العموم، فإن الشيطان يجد لذة في محاربة الأقوياء، ففيهم تظهر قوته، وبهم تفتخر كبرياؤه!
لذلك كان لابد له أن يحارب المسيح، لما رأى قوته ومجده، ولما رأى خلوته وروحياته، نظر إليه وقال في نفسه: “نحن داخلون على معركة ممتعة، نستخدم فيها الذكاء والحيلة”.! تمامًا مثل الذي يجد لذةً في حل مسألة صعبة تحتاج إلى مجهود، ويحتقر المسائل التي حلولها واضحة..
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 29-3-1987م





