يونان النبي

في العدد الماضي كانت تأملاتنا في سفر يونان حول شخصية يونان النبي، واهتمامه بذاته أكثر من الوصية، وطاعة باقي المخلوقات لله أكثر منه. أما اليوم فنتأمل في باقي الدروس الروحية التي يمكن أن نتعلمها من سفر يونان
يونان النبي1
1- ليس أحد منسيًا أمام الله:
إنه درس نتعلمه من سفر يونان. وله أمثلة كثيرة:
نينوى المدينة البعيدة، الغريبة، الأممية، الجاهلة، الوثنية، الغارقة في الشر والظلم. لم تكن منسية أمام الله. هذه المدينة التي جهلت الله أو نسيته، لم ينسها الله.
من غير أن تطلب نينوى الخلاص، سعى الخلاص إليها…
من غير أن تصلي، أو تسعى إلى الله، سعى الله إليها. لم ينسها، بل أكثر من هذا أشفق عليها، بل مدحها، وقال ليونان: “أفلا أشفق أنا على نينوى، المدينة العظيمة…؟” (4: 11).
الله لم ينس نينوى، وكذلك لم ينس ركاب السفينة…
سفينة سائرة في البحر، ركابها أمميون، كل واحد منهم له إله خاص، ومع ذلك لم ينسهم الرب، وخلصهم بطريقته الخاصة. فذبحوا ذبائح للرب، ونذروا نذورًا، ودخلوا في رعيته. سعى إليهم الرب، وأدخلهم في الإيمان. وكما خلص نينوى بطاعة يونان، كذلك خلص ركاب السفينة بعصيان يونان…
شخص آخر لم ينسه الرب، هو يونان النبي نفسه:
كان في خطيئته، وقد عصى الله، خالفه وهرب منه، ورفض أن يبلغ رسالته، ووقع في الأخطاء الكثيرة التي قلناها في المرة السابقة، ولكن الله لم ينسه. وظل يتعهده، حتى جذبه إلى الطاعة، وعاتبه حتى خلص نفسه. وحتى عندما اغتاظ يونان بالصواب، لأن الرب خلص نينوى، وجلس شرق المدينة ليرى ماذا يحدث، وهو مغتم، يقول الكتاب “فأعد الرب الإله يقطينة، فارتفعت فوق رأس يونان، لتكون ظلًا على رأسه، لكي يخلصه من غمه” (4: 6).
عجيب هو الله، حتى عندما كان يونان مغتاظًا من عمل الله ومغتمًا، لم ينسه الله. وأراد أن يخلصه من غمه!
دون أن يعاقبه! أو يوبخه، أو يقول له “لماذا تقف مشيئتك ضد مشيئتي؟ إنه الله الذي لا ينسى أحدًا، الذي قال لنا: إن نسيت الأم رضيعها، فأنا لا أنساكم…
ولا تظنوا أن الوعد بعدم النسيان، خاص بأولاده القديسين فقط، فالله لا ينسى حتى الفتيلة المدخنة، والقصبة المرضوضة. وقد أوصانا بالركب المخلعة والأيدي المسترخية….
الله لم ينس الخطاة والعشارين. لم ينس زكا العشار في وسط الزحام، ولم ينس راحاب الزانية في حصار أريحا. لم ينسنا ونحن في عمق مذلتنا، لأننا- ونحن بعد خطاة- مات المسيح لأجلنا، البار لأجل الأثمة. إنه لم ينس المريض الذي مرت عليه 38 سنة، وربما ظن نفسه منسيًا… إن عدم نسيان الله لنا، هو الدرس الأول الذي تعلمناه من سفر يونان، فما هو الدرس الثاني؟
2- كل الأشياء تعمل معًا للخير:
هكذا قال الرسول “كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله” (رو8: 28). وهكذا تعلمنا من سفر يونان… حتى الأشياء التي تبدو سبب تعب وضيقة، هي أيضًا تعمل معًا للخير
الحوت الذي يبلع يونان، هو أيضًا سبب بركة عظيمة.
إنه أيضًا يعمل للخير. إنه غواصة أمينة، حملت يونان وأوصلته إلى قرب مكان خدمته. هذا الحوات استطاع أيضًا أن يعلم يونان الصلاة. يونان الذي لم يركع لله في السفينة، وجدناه يصلي في جوف الحوت، وينذر الله نذورًا، ويحدثه حديث الإيمان، ويخرج من الحوت لينفذ مشيئة الله التي خالفها قبلًا!!
لا تخف أن بلعك حوت في يوم من الأيام…
ربما يكون هذا الحوت مرسلًا إليك من الله، قد أعده الله من أجلك، لكي يحمل لك بركة خاصة، تذكر حينئذ قول الكتاب “كل الأشياء تعمل معًا للخير…”.
الأمواج التي كادت تقلب السفينة، كانت تعمل للخير…
هذا البحر الهائج، وهذا النوء العظيم، وهذه الأمواج العالية الصاخبة، كلها كانت تعمل معًا للخير. لولاها ما صلى ركاب السفينة، وما ذبحوا ذبائح، وما نذروا نذورًا. إنها قادتهم إلى الإيمان.
كذلك الدودة التي أكلت اليقطينة، وأحزنت يونان، كانت تعمل للخير…
حقًا إنها حرمت يونان من الظل فضربته الشمس فذبل. ولكن ذلك كان لخيره. وكان سببًا أدى إلى عتاب مع الله، خلصت به نفسه.
أن الله يستطيع أن يستخدم كل شيء لخيرنا…
يستخدم خيانة يهوذا، وحسد حنان وقيافا، وجبن بيلاطس، كل ذلك للخير، لإتمام عمل الفداء العظيم. يكفي إن أي أمر يقع في يد الله لكي يحوله إلى خير، إن كان شرًا… أخوة يوسف باعوه كعبد، ولكن الله حول هذا الشر إلى خير. والمهم أننا نؤمن بصلاح الله، وخيرية عملة، وحسن تدخله في الأمور. ولهذا لم يقل الكتاب فقط “كل الأشياء تعمل معًا للخير”، وإنما أضاف “الذين يحبون الله”.
حقا أن الذين يحبون الله، تعمل معهم كل الأشياء للخير.
ليس كل الناس تعمل معهم كل الأشياء للخير. فكثيرون تأتيهم الضيقات فيتذمرون ويتضجرون، ويشكون ويجدفون. لكن الذي يحب الرب، حينما تأتيه ضيقة، يفكر: ما هي البركة التي يريدها الرب لي من وراء هذه الضيقة. وهكذا تعمل معه كل الأشياء للخير. هناك آية جميلة معزية في أول سفر التكوين، في نهاية قصة الخليقة، يقول فيها الوحي الإلهي (تك1: 31).
“ورأى الله كل ما عمله، فإذا هو حسن جدًا”.
حتى التنين العظيم في البر أو البحر رآه الله حسنًا جدًا. كل شيء نراه جميلًا بعين الإيمان، وبعين المحبة، وبالعين البسيطة. هل تظنون أن القردة ترى ابنها أقل جمالًا من الغزال؟ كلا، بل لو تحول إلى غزال لحزنت عليه. إننا نرى الأشياء متعبة أحيانًا، لأن التعب في داخلنا، إن كان داخلنا سليمًا، فسنفرح بكل شيء، حتى بالحوت الذي يبتلعنا، وبالبحر الهائج الذي يكاد يقلب سفينتنا…
حتى خطية يونان في هروبه، حولها الله إلى خير…
ركب يونان سفينة وهرب من الله، فاستخدم الله هذا الهروب سببًا لخلاص أهل السفينة. كما أن عناد يونان مع الله، حوله الله إلى خير، فخرج منه يونان أكثر معرفة بالله وطرقه، وأكثر نضوجًا في حياته الروحية وفي فهمه وأخذ دروسًا روحية كثيرة من قصص السفينة والحوت واليقطينة…
ويمكننا أن نأخذ درسًا روحيًا آخر من سفر يونان هو
طيبة الله:
كان طيبًا مع أهل السفينة الأمميين: قبل صلواتهم كما قبل فيما بعد صلوات كرنيليوس الأممي. وبقبوله صلوات غير المؤمنين، حولهم إلى مؤمنين. كذلك كان معهم في القرعة، وأرشدهم بها إلى الاسم الصحيح. وأخيرًا هدأ البحر ونجاهم.
وكما كان طيبًا مع ركاب السفينة، كان طيبًا مع نينوى..
هذه المدينة الخاطئة التي كانت تستحق الهلاك، بمجرد أن تابت “ندم الله على الشر الذي تكلم أن يصنعه بهم فلم يصنعه” (3: 10).
ونسى كل خطاياها القديمة، وصارت أمامه بيضاء كالثلج، حتى اِغتاظ يونان من طيبة الله!
وبنفس الطيبة التي اِغتاظ منها يونان، عامل الرب يونان!
لا شك أن الله كان طيبًا مع يونان الذي خالف أوامره، وهرب منه، ولم يهتم بخلاص 12,000 نسمة، بل اِغتاظ بالصواب حتى الموت (4: 9). ولكن الله عامله بطول أناة عجيبة، وأشفق عليه، وأنبت له يقطينة تظلل عليه حتى يخلصه من غمه. وناقشه في محبة، وشرح له حكمة تدابيره الإلهية.
وكان الله طيبًا في التوفيق بين أولاده…
رأى الله أمامه مشكلة: يونان ونينوى. إن أنقذ نينوى، يغتاظ يونان. ولو أرضى يونان، لابد أن يهلك نينوى. ولكن إلهنا الطيب، بكل محبة وهدوء، وضع يده على رأسيهما، واستطاع أن يوفق بين خلاصهما معًا. واحتمل غيظ أحدهما وغمه إلى حين، حتى أقنع ووفق…
وفي طيبة الله نراه سلك بالعمل الإيجابي وليس السلبي.
لم يقل كلمة توبيخ واحدة لنينوى الخاطئة، ولم يعنف أو يعاقب نبيه المخالف. لم يستعرض أمامه الأخطاء ويبكت عليها، إنما سلك في الطريق الإيجابي، طريق الإصلاح والبناء والخلاص…
في الواقع أننا في سفر يونان لا نرى عقوبة بل إصلاحًا.
الأمواج الصاخبة التي لطمت السفينة لم تكن عقوبة، فالله كان يحب ركاب السفينة، وقد خلصهم. والحوت الذي بلع يونان لم يكن عقوبة، وإنما كان إيقاظًا له، فالله كان يحب يونان الذي أمر الحوت أن يبلعه، وقد أمر الحوت فقذف به دون أن يؤذيه. كذلك مع نينوى، لم تكن مناداة يونان عليها عقوبة بل إصلاحًا…
يعطينا سفر يونان درسًا آخر وهو:
4- الله دائمًا يعمل، وينجح في عمله:
لا تظنوا أن راحة الله في اليوم السابع، معناها إنه أبطل العمل، فربنا يسوع المسيح يقول “أبي يعمل حتى الآن، وأنا أيضًا أعمل”.
وفي سفر يونان نجد أن الله عمل من أجل ثلاثة أغراض: خلاص أهل نينوى، خلاص ركاب السفينة، خلاص يونان نفسه. وضع الله أمامه خريطة المنطقة: هنا يونان، هنا البحر والسفينة، هنا الحوت، هنا الدودة، هنا الشمس… ويظل يصدر أوامره كقائد حكيم. اذهب أيها الحوت، ستجد سفينة ما بين يافا وترشيش، قف عندها، وافتح فاك واستعد. قم أيها البحر، وأيها الموج، ألطم السفينة حتى تكاد تنقلب. اصعدي أيتها الدودة وكلي اليقطينة. وأنت أيتها الريح الشرقية الحارة، التهبي من حرارة الشمس، وأضربي رأس يونان… وعملت كل هذه الأجهزة من أجل قضية الخلاص ونجح الله في عمله، على الرغم من كل المعوقات البشرية. واستطاع أن يخلص الكل بمحبته وحكمته، له المجد الدائم إلى الأبد آمين.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد العاشر) 7-3-1975م




