يفتح ولا أحد يغلق

في رسائل الرب إلى السبع الكنائس التي في آسيا، ورد في رسالته إلى ملاك كنيسة فيلادلفيا:
هذا يقوله القدوس الحق، الذي له مفتاح داود، الذي يفتح ولا أحد يغلق، ويغلق ولا أحد يفتح… هأنذا قد جعلت أمامك بابًا مفتوحًا، ولا يستطيع أحد أن يغلقه…” ( الرؤيا 3 : 7–8 )
يفتح ولا أحد يغلق
كلمة مفاتيح هنا لها معني رمزي. كما أن داود الملك يرمز إلى الملك السماوي، الذي بيده مفاتيح الملكوت.
“الله يفتح، ولا أحد يغلق”. هذه العبارة مصدر عزاء كبير.. معني هذا، إنه إن فتح الله عليك بابًا، فلا يهمك الدنيا كلها إن قامت أو قعدت… لا يستطيع أحد أن يغلق.
داود نفسه كان مثالًا…
لقد فتح الله بابا لداود، لم يستطع شاول الملك أن يغلقه.
شاول، بكل سلطانه، بكل جيشه، بكل حيله، لم يستطع أن يغلق على داود بابًا فتحه الله. طارده من برية إلى برية. دبر له أكثر من مؤامرة. أراد بنفسه أن يقتله. حاول أن ينصب له زوجته ميكال كمينًا. حاول أن يغري عليه يوناثان صديقه… وفشلت كل المحاولات. كان الله قد فتح…
حقًا إن حياتنا في يد الله، وليست في أيدي الناس…
سؤال واحد هو الذي نسأله، ونحب أن نطمئن على إجابته، وهو: هل الله فتح الأبواب أم لا؟ إن كان قد فتح، فلا تهمنا حينئذ الدنيا بكل ما فيها من مضايقات ومن أعداء. وبهذا تغني داود فقال “الرب عوني، فلا أخشى ماذا يصنع بي الإنسان”.
كان الرب قد فتح على يعقوب، فلم يقدر عليه عيسو:
قال في غضب “أقوم وأقتل يعقوب أخي”. ولكنه لم يستطع. وفي رجوع يعقوب من بيت خاله لا بان، قابله عيسو ومعه 400 مقاتل، ولكن الله فتح قلبه، فبكى على عنق أخيه، وتركه يمضي بسلام.
لا تخف من الناس، ولا تظن أنهم يقدرون على إيذائك. فقد قال الرب لبولس “لا يقع بك أحد ليؤذيك”.
المهم أن تنال رضا الله، وتتأكد أنه سيفتح لك.
أما الناس فإن قوتهم محدودة، والعالم قوته محدودة، والشيطان قوته محدودة. فإن فتح لك الله غير المحدودة، فلا تخف.
وفي ذلك قال داود النبي كلامًا معزيًا (مز117). قال: “أحاطوا بي مثل النحل حول الشهد، والتهبوا كنار في شوك، وباسم الرب انتقمت منهم”. دفعت لأسقط، والرب عضدني”. وماذا أيضًا؟ “نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين. الفخ أنكسر، ونحن نجونا”…
تصور نارًا تلتهب في شوك ولا تؤذيه؟ وعصفورا يقع في فخ الصيادين فينجو، وينكسر الفخ… حقًا، لا أحد يغلق.
حتى إن “سرت في وادي ظل الموت”، فلا تخف، ما دام الله قد فتح لك… كان الثلاثة فتية في أتون النار، ودانيال في جب الأسود، ويونان في بطن الحوت. ولم يمت أحد من هؤلاء، لأن الله كان قد فتح لهم أبواب الحياة.
في بدء انتشار المسيحية، كانت هناك قوى عديدة تغلق الأبواب أمامها. ولم تستطع، لأن الله فتح القلوب للإيمان.
“قامت الشعوب، وتآمر الرؤساء معًا على الرب ومسيحه”: أباطرة الرومان بكل سلطانهم، وبكل جنودهم، ومحاكماتهم وتعذيباتهم، والفلاسفة بكل أفكارهم وشكوكهم، والعبادات القديمة بكل آلهتها وتماثيلها وكهنتها، واليهود بكل طوائفهم ومؤامراتهم، كل هؤلاء قاموا على الرب ومسيحه، وقالوا “لنقطع أغلالهما، ولنطرح عنا نيرهما” فماذا حدث؟
“الساكن في السماوات يضحك بهم”. لقد فتح. ولا أحد يغلق.
إذن لا تنظر إلى الأعداء، وإنما انظر إلى الله.
لا تنظر إلى الأبواب المغلقة، بل انظر إلى المفتاح الإلهي.
أترك الناس والعقبات، وناقش الله: هل ستقف معي أم لا؟ إن كنت معي، فمن عليَّ. إن فتحت لي، فمن يغلق.
عربة في الطريق، أعطاها عسكري المرور النور الأخضر، وفتح لها الطريق. هل يستطيع طفل أن يرفع يده ويمنعها؟! لو فتحوا خزان السد العالي، واندفعت المياه، هل يستطيع قارب في الطريق أن يحجزها؟! لذلك ما أجمل كلمة التعزية التي قالها الرب لملاك كنيسة فيلادلفيا:
“هأنذا قد جعلت أمامك بابًا مفتوحًا، ولا يستطيع أحد أن يغلقه”.
هذه هي المعونة الإلهية التي لا تقهر، اطلبها باستمرار في صلواتك. قل له: أنا يا رب سوف لا أذكر المقاومين، ولا الناس الأشرار، ولا الأعداء الخفيين والظاهرين…
إنما اطلب منك طلبًا واحدًا. اجعل أمامي بابًا مفتوحًا…
لما حوكم الرسل أمام مجلس السنهدريم الأعلى، وأرادوا أن يوقفوا عملهم الكرازي، وقف رجل حكيم اسمه غمالائيل، وقال لأعضاء المجلس “تنحوا عن هؤلاء الناس واتركوهم. لأنه إن كان هذا الرأي أو هذا العمل من الناس، فسوف ينتقض. وإن كان من الله، فلن تقدروا أن تنقضوه، لئلا توجدوا محاربين لله أيضًا” ( أعمال الرسل 5 : 38–39 ).
إن كان هذا الطريق من الله، فلن تقدروا أن تقاوموه.
وإن فتح الله الباب لهؤلاء الصيادين، فلن يمكنكم أن تغلقوه.
مثال آخر هو أثناسيوس الرسولي، في حربه ضد الأريوسيين. قامت ضده مجامع، وصدرت ضده أحكام، وأثاروا الإمبراطور عليه، ونفي عن كرسيه أربع مرات. وقالوا له “العالم كله ضدك يا أثناسيوس”، فقال “وأنا أيضًا ضد العالم”.
كان العالم كله ضد اثناسيوس. ولكن الله كان قد جعل أمامه بابًا مفتوحًا. لذلك لم يقدر العالم أن يغلبه.
إننا نعجب من هذه الأبواب التي يفتحها الله أمام أولاده، فلا يستطيع العالم كله أن يغلقها. إذن خير لنا الإلتصاق بالرب، لكي يفتح أمامنا الأبواب. فالإتكال على الرب خبر من الإتكال على البشر، والرجاء بالرب خير من الرجاء بالرؤساء.
ولكن أن وجدت أن الله قد أغلق بابًا، فلا تتضايق، ولا تصر على فتحه. يقينا أنه لحكمة إلهية قد أغلقه الرب..
لقد أغلق الرب رحم راحيل، فلم تلد. وحاولت بكافة الطرق، ولم تصل إلى نتيجة. ولكن لما عاد الله ففتح رحم راحيل، ولدت.
حكي لنا شخص أنه منع الحمل بكافة الطرق. ثم فلت الأمر منه دون قصد، فولدت امرأته توأمين. كان الله قد فتح رحمها…
وكما يفتح الله الرحم فتلد، يفتح أيضًا باب التوبة…
قف أمام الله في انسحاق، وقل له: افتح يا رب أبواب هذا القلب العنيد… وإن انفتح لك قلبي، فلن تغلقه أمامك الخطايا ولا الشياطين. أما إن تخلت عني نعمتك، ورفضتني مراحمك، وأغلقت أمامي، حينئذ سأهلك.
يقول الرب: “أنا واقف على الباب وأقرع، من يفتح لي، أدخل وأتعشى معه وهو معي”. قل له إذن:
أنا يا رب عاجز عن أن أفتح لك. فافتح أنت وادخل. أنت الذي بيدك مفاتيح داود. تفتح ولا أحد يغلق….
مفتاحك هو الروح القدس وعمله، هو النعمة وعملها.
يا ليت هذه الآيات تعطينا تمسكًا بالله أكثر، حتى يفتح لنا أبواب رحمته في هذا العالم، ويفتح لنا أبواب الفردوس بعد انفصالنا عن الجسد…
ومع أن الله الذي يفتح، إلا أن هناك وسائل تساعد على هذا وتحرك مفاتيحه: منها اللجاجة.
أحيانًا نصلي، ثم نسأم بسرعة، إن لم تستجب صلواتنا. وقد شرح لنا الرب مثل الأرملة، التي نالت من أجل لجاجتها… ونحن قد نطلب التوبة، فإن لم تعط لنا، نمل الطلب، نيأس، ونقول إننا مرفوضون من النعمة!! فلماذا؟
كن والقا إن الله سيفتح، ولو في الهزيع الأخير من الليل. ولا تمل، ولا تيأس. بلجاجتك يفتح الرب لك.
وكما تفتح مراحم الرب باللجاجة. تفتح بالدموع والانسحاق.
كالعشار الذي وقف من بعيد، ولم يجرؤ أن يرفع عينيه إلى فوق.
وكالأممي الذي قال للرب “لست مستحقًا أن تدخل تحت سقفي”.
وكالكنعانية التي قالت إن الكلاب تأكل من الفتات الساقط.
وكالنفس الباكية التي قال لها الرب “حولي عينيك عني، فإنهما قد غلبتاني”…
ومثل حنة أم صموئيل، التي ببكائها وتذللها، فتح الله رحمها.
وكما تفتح اللجاجة والدموع أبواب المراحم، كذلك شفاعة القديسين.
أطلب من القديسين، لأن الله يقبل طلباتهم، كما تشفع إليشع من أجل جيحزي، وقال “افتح يا رب عيني الغلام ليرى…”.
تمسك بالقديسين وقل لهم: أنتم قريبون من مفاتيح داود. لكم الدالة التي بها تطلبون… أما أنا فمسكين وفقير.
بالتوبة أيضًا، يمكن للرب أن يفتح لك. كما فتح لأهل نينوى التائبين. ولم تستطع كل احتجاجات يونان أن تغلق.
ساعد الرب أن يفتح لك، بأن تقدم له إرادتك…
هو يريد أن يفتح قلبك، ولكنه لا يفتحه بغير إرادتك.
أيها الابن المبارك، ما يزال أمامك باب مفتوح للتوبة، طالما أنت في الجسد. فادخل منه قبل أن يغلق الباب…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الرابع) 28-1-1977م



