وردة وسط الأشواك

وردة وسط الأشواك
أكلمكم اليوم عن تأملات بسيطة في حياة موسى النبي:
لقد عاش في جو في منتهى الصعوبة: ولد في شعب مستعبد مذلول، في عصر اضطهاد من فرعون قاس، كان قد أمر بقتل جميع الأطفال العبرانيين وكان ممكناً أن يموت موسى منذ ولادته، لولا أن استبقاه كوردة في وسط الأشواك.
قصة موسى النبي ترينا كيف عاشت الحياة في وسط الموت، وكيف نشأ القديسون في أجواء صعبة وسط الأخطار…
ونرى في طفولته قصص بر من نسوة قديسات مؤمنات وأمميات…
* أول امرأة قديسة كانت أمه التي ربته في خوف الله، والتي بالإيمان لم تستسلم لأمر الملك، وأخفته ثلاثة أشهر، على قدر ما استطاعت الإرادة البشرية أن تعمل، تاركة الباقي لتدبير الله.
*بالإضافة الى أمه، توجد القابلتان اللتان لم تخشيا أمر الملك واستحيتا الأطفال، لأنهما كأننا تخافان الله…
وهكذا ساهمت هاتان القابلتان في الإبقاء على حياة موسى…
ولذلك كافأهما الله، وصنع لهما بيوتاً. وربما في نظرهما، كان موسى مجرد طفل عادى، ولم تعرفا أنه سيصير نبياً عظيماً…
*نضيف الى هؤلاء النسوة أيضاً، مريم أخت موسى.
كانت طفلة شجاعة، استطاعت رغم صغرها وفقرها وحقارة شعبها، أن تذهب وتقابل الأميرة ابنة فرعون، وتكلمها في شأن الطفل الملقى في النهر وتقترح عليها إحضار مرضعة له، فعلت هذا دون أن ترتبك أو تخاف، أ، تفضح نفسها بأنها أخت الطفل، وأن المرضعة ستكون أمه.
أخت موسى هذه، لقبت فيما بعد بمريم النبيه. وكان لها دورها القيادي في قصة الخروج، حينما أمسكت الدف في يديها، وأخذت تقود الغناء قائلة ” سبحوا الرب فإنه بالمجد قد تمجد. الخيل وركاب الخيل طرحهم في البحر الأحمر”.
*سيدة أخرى قامت بعمل نبيل في طفولة موسى، هي الأميرة.
كانت تتميز بالحنان، وقد أشفقت على الطفل وهو يبكى، واتخذته ابنا لها، وأحضرت له مرضعة، ودفعت لها أجراً وعلى الرغم من أن الطفل كان عبرانياً، إلا أن الأميرة كانت من الشجاعة بحيث عرضت الأمر على أبيها، ولا بد أنها أخذت موافقته على ذلك، وأقنعته بوجاهة طلبها…
وبهذا وجدنا تدبيراً الهياً عجيباً، وهو ان ترضع ابنها وتأخذ اجرا على ارضاعه.
وحول الله الشر الى خير ..
وإذا بهذا الطفل الفقير، الذي كان مهدداً بالموت، يتربى في قصر الملك، كأمير، كابن لابنة فرعون، وفى نفس الوقت تمتع بتربية أمه له، وتلقينها له مبادئ الدين، كما كانت له فرصة أن، يتهذب بكل حكمة المصريين …
وكان موسى رمزاً للسيد المسيح، الذي كان معرضاً للقتل في طفولته ونجا من الموت. وكذلك حدث ليوحنا بن زكريا (المعمدان).
الإنسان الذي يعيش في كنف الله، لا تهمه الضيقات التي تحيط به، لأن الله مستعد أن يوجد حلا لكل مشكلة…
موسى الذي كان معرضاً للموت منذ طفولته، كان الرب قد أعد له القابلتين البارتين اللتين تخافا الله، كما أعد له الأم القديسة الحكيمة التي لم تخش أمر الملك، وأعد له الأخت الشجاعة الجريئة التي تذهب وتقابل الأميرة. كما أعد له أيضاً الأميرة النبيلة العطوفة التي تحتضنه وتتبناه وتنفق عليه…
ولد الطفل موسى، وتحركت الارادة الالهية: تدخل كل موضع، وكل قلب، ترتب المشاعر، وترتب ارادات البشر وتصرفاتهم، وترتب الظروف. كانت كل الأشياء تعمل معا للخير، لأجله…
طفولته عجيبة، لم يدلل الله فيها أولاده. بل على العكس، لما تدلل يوسف الصديق في طفولته، قاسى الأمرين بسبب هذا التدلل، وحسده إخوته، وألقوه في البئر وباعوه كعبد.
كثير من أولاد الله تربوا في اليتم، وفى الفقر، كمريم العذراء، وكانت تربية صالحة، استخدمها الله لخيرهم…
كانت السموات والأرض تعمل لأجل الطفل موسى وقد أعد الله له هؤلاء النسوة القديسات على اختلاف أحوالهن: الأم الفقيرة، والأميرة العظيمة، والأخت، والقابلتين حقا، حافظ الأطفال هو الرب”..
عجيب ان نعم الله التي يرسلها الينا، تكون وسيلتها احيانا ضيقات ومتاعب، لا يظن أحد انها تنتج نعما وبركات …!
ولنضرب مثلاً لهذا يوسف الصديق بين الضيقات والبركات:
أراد الله ان يعينه حاكما لمصر، فكانت الوسيلة هي إلقاء إلقاؤه في السجن، ولكن يلقى في السجن، كان لابد أ، تلفق له تهمة رديئة، ووسيلة التهمة هي أن يكون عبداً، ووسيلة العبودية هي حسد اخوته له وتآمرهم عليه ليبيعوه…
عجباً يا رب، ما كل هذه الضيقات؟ إنها طريق النعم. وكل الأشياء تعمل معا للخير، للذين يحبون الرب…
إن الله الذي “يخرج من الجافي حلاوة” والذي يحول الشر إلى خير، لم يستخدم الضيقات فقط كطريق للبركة، إنما حتى خطايا الناس وضعفاتهم، أنتج منها خيراً وبركة، كمثال لهذا: خيانة يهوذا، وجبن بيلاطس، وحسد رؤساء الكهنة..
والله الذي أراد أن يهذب موسى بكل حكمة المصريين، ويربيه في رفاهية القصر الملكي، ويختبر قلبه بهذه الرفاهية، سمح أن يوجد اضطهاد في ذلك الزمان، وأمر ملكي بقتل الأطفال…
لا تنظر اذن الى الأمور في مظاهرها، ولا في بدايتها. فقد تكون البداية سيئة جداً، بينما تكون النهاية صالحة وخيرة! وكما قال الكتاب “نهاية أمر، خير من بدايته”.
كل هذا يجعلنا نعيش في حياة الإيمان. كل أمر رديء يصيبنا، نبتسم في ثقة، وفى فرح وسلام، ونقول: إن إرادة الله الصالحة، لا بد ستحول هذا الأمر الرديء إلى خير.
السفط الذي يحوي الطفل موسى، القى في الماء، وكان روح الله يرف على وجه المياه. انتشله من الماء، فسمى موسى.
لا ترتعب إن ألقيت في الماء، أو صدر أمر ملكي بقتل كل الأطفال… لقد حدث في بيت لحم، أن الطفل الوحيد المقصود بالقتل، لم يستطع أن تصل إليه يد الملك الذي قتل عشرات أو مئات الآلاف من الأطفال…
في طفولة موسى، كما لا ننسى حفظ الله له من الموت، كذلك لا ننسى حفظه في الإيمان، ودور أمه القديسة.
لقد تربى في أسرة قديسة من سبط لاوى، من أم بارة استطاعت أن تلقنه كل قواعد الإيمان، وتغرس فيه محبة الله وأمكنها بهذه التربية القوية أن تحفظه من كل العبادات الفرعونية، ومن كل ما في قصور الملوك من عثرات. فلم يؤثر فيه شيء من الخارج خلال عشرات السنوات، بسبب تربيته العجيبة في سني طفولته الأولى حينما كان في كنف أمه..
المثل يقول “اديني عمر، وارميني البحر”. حدث هذا مع موسى. ولم ينج فقط من البحر المادي. وانما اعطاه الله إيماناً، وألقاه في بحر الكفر، وخرج سليماً. يقود الناس في الإيمان!
ان الكتاب يذكر والدي موسى كمثال في الإيمان “بالإيمان موسى بعد ما ولد اخفاه أبواه ثلاثة أشهر، لأنها رأيا الطفل جميلاً، ولم يخشيا أمر الملك” (عب11: 23).
إن كان موسى جميلاُ هكذا وهو طفل، فكم كان وجهه جميلاً على جبل التجلي! وكم كان وجهه منيراً عندما نزل من ملاقاة الله على الجبل، حتى اضطر أ، يلبس برقع إذ لم يحتمل الناس ضياء وجهه الجميل …!
السيد المسيح أيضاً كان جميلاً جداً، بل كان أبرع جمالاً من بنى البشر. وسفر النشيد يشرح جمال العريس وجمال العروس.
وفى الحديث عن الجمال، لابد ان نذكر العلاقة بين جمال الوجه وجمال الروح. فالإنسان قد خلق جميلاً، على صورة الله. ولكن الخطية هي التي شوهت جمال البشر بآثارها البشعة…
تأمل الشخص الغضوب مثلاً، وانظر كم تغير الخطية من ملامحه، وكذلك الشخص الشهواني تتغير ملامحه. نظرات الإنسان كمثال، يمكن أن تكون صورة معبرة عن داخل قلبه خيراً كان أم شراً.
لا شك أن قايين تغيرت ملامحه بالقسوة والقتل، وبحياة القلق والخوف والرعب، وأورث نسله ملامح تختلف عن نسل شيت.
وبتوالي الوراثة تغيرت ملامح الناس، واختلفت جيلاً بعد جيل.
حتى الذين لم يرثوا ملامح جميلة: فإن ارواحهم ان كانت جميلة، ستلقى ظلا من جمالها على ملامحهم، بما تضفيه من ملامح الوداعة والطيبة والبشاشة والطهر والبساطة والحب…
من هنا كانت مسئولية الأم خطيرة في فترة الحمل:
ما صفات الدم الذي تغذى به جنينها. أهو دم معكر بالغضب، مسود بالحقد، فائر بالشهوة، أم هو دم نقى؟
موسى الجميل وجهاً، كان جميلاً بروحه، ولم تحتمل روحه أن يحيا في رفاهية، بينما شعبه في مذلة. وقام الصراع في داخله، وانتهى بأن نفض عنه كل مظاهر النعيم والترف، لكي يذل مع شعبه، حاملاً صليبه مثلهم.
وكما قال عنه بولس الرسول “بالإيمان موسى لما كبر، أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون، مفضلاً بالأحرى أن يذل مع شعب الله، على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية، حاسباً عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر” (عب11)
وأخيراً اخلى ذاته من الأمارة والقيادة والقصر، وأخذ شكل العبد مثل رفقاه، وبذل ذاته عنهم حتى خلصهم من نير العبودية. فكان رمزاً للرب الآتي مخلص الجميع.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد التاسع والثلاثون) 24-9-1976م




