معك لا أريد شيئًا على الأرض

معك لا أريد شيئًا على الأرض
قال المرتل في “المزمور73”
“أمسكت بيدي اليمنى. برأيك تهديني، وبعد إلى مجد تأخذني. من لي في السماء، ومعك لا أريد شيئًا على الأرض”.
ما أجمل هذه الآية (معك لا أريد شيئًا على الأرض).
إن الذي أحب الله، وذاق العشرة معه، واختبر الحياة مع الرب، وتمتع بيد الله القوية في حياته، ولمس عمل الله معه. مثل هذا يكتفي بالرب ويقول له “معك لا أريد شيئًا على الأرض”.
إن الذي ذاق حلاوة الحياة مع الله، لا يستطيع إطلاقًا أن يضع إلى جوارها في قلبه شيئًا آخر. وإلا صار ذلك الشئ كرقعة توضع على ثوب أنيق جميل…
الذين عاشوا مع الله، شعروا بالشبع الروحي. واذ أشبعهم الله الإشباع كله، لم يعودوا محتاجين إلى شئ…
وبهذا الشبع الروحي. أصبحت كل شهوة تافهة، إلى جوار الله
كل رغبة عالية فقدت قيمتها، وكل شهوة فقدت حلاوتها. وإذا صار الله هو الكل فى الكل، صاحت النفس تناديه “معك لا أريد شيئًا على الأرض”.
وانطبق هذا النداء، من جهة القوة المعينة أيضًا…
تصوروا إنسانًا يقف ليقاتل عدوه، وليس معه إلا عصا أو حصاة أو طوبة أو مطواة. ثم يجد أمامه مدفع (يضرب 400 طلقة في الدقيقة). فينظر إليه ويقول “معك لا أريد شيئًا”… هكذا الشخص الذي تقف معه القوة الإلهية، لا يحتاج معها شيئًا على الأرض.
هذه الآية فى حياة البشر:
كان آدم وحده في الجنة مع الله، ولم يكن معوزًا شيئًا. ولعله كان يسبح الرب قائلًا “معك لا أريد شيئًا على الأرض” ثم أوجد الله له حواء، ثم وضعت أمامه شجرة المعرفة.
وبدأ الإنسان يشتهى أشياء إلى جوار الله. اشتهى الثمرة المحرمة، واشتهى المعرفة، واشتهى أن يصير مثل الله ولم يعد الله هو الوحيد الذي يملأ حياته…!
وبدأ الإنسان يطلب لمتعته أشياء عديدة ودخلت إليه شهوة الجسد، وشهوة العين، وتعظم المعيشة. دخلت إليه محبة المادة، ومحبة العالم، ومحبة الذات.. وضاعت تلك الأغنية الجميلة “معك لا أريد شيئًأ على الأرض”،
لم يعد الله هو “الكل في الكل” في حياتنا، بل زحفت أمور كثيرة إلى داخل الفكر، وداخل الحياة، وداخل القلب، تبسط لها نفوذًا، وتوجد لها كيانًا إلى جوار الله.
إفرضوا أن رجلًا يحب زوجته كل الحب، ويعيش سعيدًا معها، لا شك أن هذا الزوج يجد لذته إلى جوارها، ومعها لا يريد شيئًا آخر. أما إذا وجد هذا الزوج متعته خارج البيت: مع أصحابه، وفي المقهى، وفي النادى، وفي النزهات، وفي السينما، وفي لعب الورق، وفي الجلوس إلى الراديو والتليفزيون… فلا شك أنه يكون قد ترك محبته الأولى، ولم تعد إمرأته تملأ حياته كما كانت قبلًا! هكذا أيضًا الحياة مع الله.
إذا اختبرت الله، تقول كما قال داود ” الرب لى راع، فلا يعوزنى شيئًا”. ولماذا لم يعوزك شيئًا.
لأن الله أصبح مالئًا لحياتي، مالئًا لقلبي، مالئًا فكري، مالئًا كل كيانى. معه لا أشعر باحتياج، ولا أشعر بنقص، لا يعوزني شئ.
لما أرسل السيد المسيح تلاميذه، دربهم على هذا الأمر، فقال لهم “لا تحملوا معكم ذهبًا ولا فضة، ولا نحاسًا في مناطقكم، ولا مزودًا، ولا شيئًا للطريق”.
لماذا يا رب؟ لأني معكم في الطريق.
ثم سألهم مرة أخرى: عندما أرسلتكم بلا كيس ولا مزود، هل أعوزكم شئ؟ قالوا كلا. ” معك لا نريد شيئًا على الأرض”.
أنت يا رب كيسي ومزودي، أنت ذهبي وفضتي. أنت قوتي وتسبحتي. أنت كل شئ لي. وما دمت معي، فالكون كله لا شئ أمامي. يكفيني أنت.
صدقوني إن الملائكة تتعجب في السماء، عندما ترانا نطلب طلبات عديدة من أمور العالم، بينما كان المفروض أن نطلب الله وحده، ونقول له:
نحن يا رب لا نريد شيئًا، إنما نريدك أنت. إننا نريدك أن تملأ حياتنا، وعندئذ لا نحتاج إلى شئ.
أنت ستفتح لنا قوى السماء، حتى نقول كفانا كفانا. كفانا يا رب خيرات الأرض. إننا نريدك أنت. لا نريد أن ينزل لنا من السماء سواك، روحك القدوس، نعمتك، عشرتك لنا. أما أمور العالم، فكفانا منها كفانا. معك لا نريد شيئًا على الأرض.
على الأرض فقط؟ كلا. بل وفي السماء أيضًا. ماهو النعيم الأبدي الذي أطلبه؟ النعيم هو أنت…
أنت ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن. الملكوت هو أنت. أنا لا أريد من الملكوت إلا أنت وحدك ليس النعيم الأبدي شيئًا خارجًا عن الله…
كل ما هو خارج الله، ليس هو متعة حقيقية، إن متعة الأبدية هى الله نفسه. هو النعيم الأبدي.
نحن لا نطلب إلا الله، وإن طلبنا غيره، تتعجب الملائكة. لهذا قال لنا الرب “اطلبوا أولًا ملكوت الله وبره”، اطلبوا أن الله يملك عليكم، ويملأ قلوبكم، ويملأ حياتكم، ويصبح هو شهوتكم، ويصبح هو متعتكم. وحينئذ كل باقي الأشياء ستزدادونها.
إنك لا تستطيع أن تجمع الله والعالم معًا، النور والظلمة!!
لا نستطيع ان نعبد ربين. إما هذا، وإما ذاك إن كان الله هو الله فأعبدوه، وإن كان الله هو البعل فأعبدوه، كما قال إيليا… لا شركة بين النور والظلمة. الله هو نور لا يدني منه. والخطية ظلمة أحبها الناس أكثر من النور. فلا يمكنه أن نجمع شهوات العالم مع الله، ولهذا تقولون في الترتيلة: ليس لي رأي ولا فكرولا شهوة أخرى سوى أن أتبعك
ولأنك لا تستطيع أن تضع في قلبك شيئًا آخر إلى جوار الله، لهذا قال الكتاب: تحب الرب إلهك من كل قلبك. ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك.
لأنه إن ملأ كل قلبك، معه لا تريد شيئًا على الأرض، وإن أردت شيئًا، لا يكون القلب كله لله. ما أعمق خطأ المثل العامي الشرير الذي يقول (ساعة لقلبك وساعة لربك). إذ أنه فصل بين الرب والقلب. وأيضًا لأن الذي يعطي ساعة من قلبه للعالم، لم يذق المتعة الإلهية بعد.
آباؤنا القديسون لما عاشوا مع الرب وذاقوا حلاوته، سهل عليهم أن يتركوا كل شئ من أجله.
إبراهيم أبو الآباء قال له الرب “أترك أهلك وعشيرتك ووطنك وبيت أبيك، واذهب إلى الجبل الذي أريك إياه.” فترك الكل، ومضى وراء الله، وفي قلبه تلك الأغنية الجميلة ” معك لا أريد شيئًا على الأرض”.
ثم أحب أن يكون له ابن… من أجل هذا الابن أخذ سارة وهاجر وقطورة… ولما أعطاه الرب إسحق وتعلق قلبه به، عاد إليه نفس الاختيار. فقال له الله. خذ ابنك، وحيدك الذي تحبه نفسك، اسحق، وقدمه لي محرقة على الجبل الذي أريك إياه…
ولم يعترض إبراهيم، بل بكر وأخذ إسحق ليقدمه محرقة. وهو يقول لله في قلبه:
معك لا أريد شيئًا على الأرض.
وعندما أظهر إبراهيم هذا الشعور، وعده الله بنسل مثل نجوم السماء ورمل البحر لأنه على الرغم من كل هذه الكثرة سيظل الله كما هو يملأ كل قلبك، ومعه لا تريد شيئًا على الأرض.
ما أعجب هذا الإكتفاء بالله في قلوب قديسيه. أنظروا داود:
كان ملكًا، وكان قائدًا للجيش، وكان قاضيًا للشعب، وكان له 8 زوجات، وبنون كثيرون. ولكن شهوة قلبه لم تكن في كل هؤلاء، وإنما فى الله وحده:
“واحدة طلبت من الرب وإياها ألتمس، أن أسكن في بيت الرب كل أيام حياتي، لكي أنظر إلى نعيم الرب وأتفرس في هيكله”.
مساكنك محبوبة أيها الرب إله القوات، تشتاق وتذوب نفسي للدخول إلى ديار الرب، “فرحت بالقائلين لي: إلى بيت الرب نذهب” “يا الله أنت إلهي، إليك أبكر. عطشت نفسي إليك” “اشتاقت نفسي إليك كما تشتاق الأرض العطشانة إلى الماء”. “كما يشتاق الأيل إلى جداول المياه، كذلك اشتاقت نفسي إليك يا الله”.
كان داود يحب الله، ومعه لا يريد شيئًا على الأرض.
وهكذا كان أولاد الله يستعملون العالم، والعالم لا يستعملهم. كانوا يملكون المال، والمال لا يملكهم. كان الله هو كل غناهم، ومعه لا يريدون شيئًا على الأرض.
كان الله يملأ القلب، ويملأ الفكر، ويملأ العين، ويملأ الحياة. وهو أيضًا يملأ الأبدية فيما بعد، ولا يستطيع أحد من القديسين أن يضع إلى جواره شيئًا. لا شركة للنور مع الظلمة…
وهكذا نرى قديسًا مثل بولس الرسول يقول:
“خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية، لكي أربح المسيح..”
خسرتها جميعًا لأني معك لا أريد شيئًا على الأرض. وأنا أحسبها نفاية، لأن كل شئ إلى جوارك نفاية. لذلك لم أندم على ترك شئ من كل هذا. بل إن كان لي ربحًا، فهذا أيضًا حسبته خسارة، بل إني أحسب كل شئ أيضًا خسارة، من أجل معرفة المسيح يسوع ربي…
لكي أربح المسيح، وأوجد فيه.. (في3).
خسرت كل الأشياء، لكي تكون “لي الحياة هى المسيح” وكيف ذلك؟ “لكي أحيا لا أنا، بل المسيح الذي يحيا في”
حتى (أنا) هذه ضيعتها، لأني أريدها على الأرض…
لا أريد شيئًا حتى ذاتى، لا أريدها إلى جواره، وإنما فيه “من يجد نفسه يضيعها”. لهذا كانت الفضيلة الأولى لكل من يتبع المسيح، أن ينكر ذاته أولًا.
الذي يحب المسيح، لا يجعل له منافسًا في قلبه…
“من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني، فلا يستحقني..” لهذا فإن الرسل والقديسين تركوا كل شئ وتبعوا المسيح. بطرس ترك الشباك والسفينة، ومتى ترك مكان الجباية، والسامرية تركت الجرة.. لأنهم معه لا يريدون شيئًا على الأرض.
هناك إنسانة ضيعت نفسها، لأنها أرادت شيئًا على الأرض:
أرسل لها الله ملاكًا، وأخرجها من سدوم، وأمرها ألا تقف في كل الدائرة. وفيما كان الرب يقتادها في طريق الخلاص، نظرت إلى الوراء، لأنه كان لها شئ تشتهيه في تلك الأرض، فهلكت، وتحولت إلى عمود ملح إنها إمرأة لوط.. إنها درس.
أما لوط فإنه ترك كل شئ انتفع من الدرس القديم الذي أخذه. ولم ينظر إلى شئ في الأرض ولا إلى إمرأته. فلتحترق المدينة يا رب، ويحترق كل مالي هناك، وتبقى أنت وحدك لي، فحينئذ لا يعوزني شيء.
يكفي أن تبقى أنت لي، وأبقى أنا لك، ومعك لا أريد شيئًا على الأرض. أنت لي كل شئ.
هذه هى الحياة التي عاشها القديسون: وبخاصة آباء البرية.
هؤلاء باعوا كل ما يملكون، لكي يملكوا الله وحده، عاشوا حياة التجرد، مثل التاجر الذي وجد لؤلؤة ثمينة، فباع كل ما له واشتراها، هذه اللؤلؤة هي العيشة مع الله. هي الله نفسه، ولما اقتنى التاجر تلك اللؤلؤة، قال للرب “معك لا أريد شيئًا على الأرض”. هؤلاء الآباء تركوا الأقارب والأصدقاء والمقتنيات وكل شئ.
حتى الفكر، لم يريدوه أن يرتبط إلا بالله وحده.
أرادوا أن يكون فكرهم مخصصًا في الله وحده، لكي يعيشوا في قول الكتاب “تحب الرب إلهك من كل فكرك”. فلم يفكروا في شئ آخر، وشغل الله كل حياتهم، وتجردوا من كل شىء وارتبطوا بالرب، كما قال مار إسحق:
الرهبنة هي الإنحلال من الكل، للارتباط بالواحد…
يرتبط بالواحد، لأنه كل ما يريده وينحل من الكل، لأنه معه لا يريد شيئًا على الأرض.
مرثا كانت تهتم وتضطرب لأجل أمور كثيرة، بينما الحاجة إلى واحد أما مريم فاختارت هذا الواحد. اختارت لها النصيب الصالح الذي لن ينزع منها.
هناك قديسون لم يريدوا شيئًا على الأرض، أفضل من الرهبان. إنهم آباؤنا الشهداء الذين لم يريدوا حتى الحياة ذاتها.
الشهداء بعضهم ترك الملك، والبعض ترك الغنى والجاه والألقاب. وتركوا أيضًا الأهل والأحباب… تجردوا من كل شئ، حتى من ضغط العواطف الإنسانية النبيلة، فانتصروا على محبة الأبناء ومحبة الآباء وتجردوا حتى من الذات. وهكذا بذلوا حياتهم وهم يقولون ” ومعك لا أريد شيئًا”.
إنها فضيلة الإكتفاء بالله، التى عاش بها القديسون:
إن صار الله لك كل شئ، فإنه يصير لك أيضًا القوة والبركة، المدافع والمعين فلا تخشى شيئًا.
داود، وهو صبي صغير، ذهب لملاقاة جليات الجبار، الرجل المخيف الذي أرعب الجيش كله فعرضوا على داود أن يلبس الملابس العسكرية، وأن يحمل السيف والرمح، ولكنه ترك كل هذا، لأنه مع الله لا يريد شيئًا على الأرض.
أنت يا رب هو سلاحي، الذي اهزم به جليات.
أنت قوتي التي أذهب بها لملاقاته. وسألاقيه فقط باسم رب القوات الذي معه لا أريد شيئًا على الأرض..
بطرس الرسول، لم يكن معه ذهب ولا فضة ليعطيهما للرجل المقعد على باب الجميل. ولكن كان له اسم الرب يسوع، الذي هو أثمن من كل ذهب الأرض وبهذا الاسم شفى الرجل المقعد. وكأنه يقول للرب يسوع: يكفيني اسمك. معه لا أريد شيئًا على الأرض.
وهذه الخبرة الروحية، كانت للرسل في الكرازة أيضًا:
مرقس الرسول ذهب إلى مصر. كانت فيها الآلهة الرومانية واليونانية والمصرية، والفلسفة الإغريقية، والسلطة العسكرية، ومكتبة الإسكندرية وفلاسفتها، والديانة اليهودية أيضًا… فماذا تحتاج إليه يا مرقس؟ دراسات من كل هذه الانواع؟ كلا، لا أريد سوى الرب وقوته، ومعه لا أريد شيئًا على الأرض.
سأدخل إلى مصر حافيًا، بحذاء مقطوع، وبلا أى استعداد، وبعد سنين قليلة ستصير مصر كلها مسيحية.
أنا لو احتجت إلى شئ آخر، سوى الله، يكون إيماني قد ضعف، فالله وحده يكفي، ومعه لا أريد شيئًا. فيه كل البركة، كل القوة، كل المعونة. وأنا أؤمن بهذا.
ولهذا فإن الله لما رأى البعض في الكرازة قد أخذوا معهم ثقافتهم وحكمتهم وقوتهم وذراعهم البشرى قال لنا إنه اختار ضعفاء العالم ليخزي بهم الأقوياء، واختار جهال العالم ليخزي بهم الاقوياء. اختار الذين يرون الحرب للرب، والرب يغلب بالكثير وبالقليل.
إن الذين وجدوا في الله كفايتهم، عاشوا في سلام…
لم يخافوا شيئًا، ولم يحتاجوا إلى شئ، بل عاشوا في ستر العلي، وفي ظل القدير.
يمشون مع الرب فوق الماء. وحتى إن سقطوا في لجة البحر، الرب يقيمهم كبطرس.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الثاني والأربعون) 21-10-1977م


