محبة الله ومخافته

محبة الله ومخافته
هل علاقتنا مع الله في المحبة، تمنع المخافة؟
وماذا يمكن أن يقال عن إنسان، سار في طريق الحب، حتى تكونت بينة وبين الله دالة، ولم يعد في قلبه شعور الرهبة، ثم بدلاً من أن تتقدم حالته، ساءت روحيًا…
إن هذا يجعلنا نتحدث اليوم عن محبة الله ومخافته.
قد نحب الله، ولكن هذه المحبة لا تمنع المخافة، بل توجبها.
حقًا لقد قال الكتاب إنه “لا خوف في المحبة. بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج” (1يو4: 28). ولكنى أريد أن أسألكم سؤالًا صريحًا:
من منا قد وصل إلى هذه المحبة الكاملة؟!
لا أحد. وحتى إن كان أحد قد وصل إلى هذه المحبة الكاملة من نحو الله، فإنه ينزع منه الخوف بمعنى الرعب، ولكن لا تنزع منه المهابة. ولذلك فإن الآباء استعملوا كلمتين: الخوف والمخافة.
الخوف بمعنى الرعب، تنزعه المحبة، أما المخافة بمعنى المهابة، فتبقى.
إن المهابة والخشية والتوقير والإجلال، أمور لازمة في علاقتنا بالله. والسيد المسيح عندما انتقد قاضي الظلم، قال إنه رجل “لا يخاف الله، ولا يهاب إنسانًا”.
والكتاب يقول: “رأس الحكمة مخافة الله”.
من من الناس أنقى من الملائكة، أو أكثر منهم حبًا لله، وبخاصة الكار وبيم والسارافيم.. ومع ذلك نسمع أنهم أمام الله “بجناحين يغطون وجوههم، وبجناحين يغطون أرجلهم”. وذلك من فرط مهابتهم لله وتوقيرهم لجلاله الأقدس.
رأينا هذه المهابة، عندما ظهر الرب في الهيكل، وحوله السارافيم يصرخون قائلين: قدوس قدوس قدوس، رب الجنود، مجده ملء الأرض. “فاهتزت أساسات العتب من صوت الصارخ، وامتلأ البيت دخانًا”. وإذا بإشعياء النبي يقول “ويل لي، قد هلكت. لأني إنسان نجس الشفتين… لأن عيني قد رأتا الملك رب الجنود” (إش6: 1- 8).
نعم، إنه عندما يقترب الإنسان إلى الله، يشعر هذا الإنسان أنه نجس، ويخاف، ويقول: “ويل لي قد هلكت”.
هذه المهابة طلبها الله منا، ولامنا على نقصها، بقوله: أن كنت سيدًا فأين مهابتي، وأن كنت أبًا فأين كرامتي؟
وعندما تراءى الرب لموسى النبي في البرية، في العليقة، قال الرب لموسى “لا تقترب إلى ههنا. أخلع حذاءك من رجليك، لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة” (خر3: 5).
إذًا فهذه المهابة ليست لله فقط، وانما لمواضعه أيضًا..
إن يعقوب أبا الآباء، عندما رأى في حلم سلمًا واصلا بين السماء والأرض، وملائكة الله صاعدة ونازلة عليه، وسمع هناك من الرب بركة ومواعيد… حينئذ لما أستتيقظ يعقوب، قال: حقا إن الرب في هذا المكان، وأنا لم أعلم”. وماذا أيضاً؟
وخاف. وقال: ما أرهب هذا المكان! ما هذا إلا بيت الله، وهذا باب السماء” (تك28: 17)
“ما أرهب هذا المكان!” حقًا، إن بيت الرب رهيب، ندخله بمخافة، ونحن شاعرون بعدم استحقاقنا لدخوله، إذ أنه “ببيتك تليق القداسة يارب” ونحن خطاه.. لذلك فعندما ندخل بيت الرب، تملكنا المخافة والرهبة، فنقول مع داود:
“وأما أنا فبكثرة رحمتك ادخل إلى بيتك، وأسجد قدام هيكل قدسك بمخافتك”.
وأما العشار، فإنه لم يجرؤ أن يتقدم إلى الداخل، وإنما وقف من بعيد. ولم يجرؤ أن يرفع نظره إلى السماء، وإنما قرع صدره في مذلة، وطلب المغفرة كخاطئ..،
وعبارة “اسجد قدام هيكل قدسك بمخافتك” يقولها الآب الكاهن في كل مرة يخرج بالبخور من الهيكل”.
وعبارة المخافة نقولها في صلاة الشكر التي تبدأ بها كل صلاة وذلك حينما نقول “امنحنا أن نكمل هذا اليوم المقدس، وكل أيام حياتنا، بكل سلام مع مخافتك” فإن كانت المحبة تنزع هذه المخافة، فلماذا نطلبها إذن في كل صلاة؟!
بل ما أكثر ترديدنا لعبارة المخافة في صلواتنا الطقسية..
فعند قراءة الأنجيل، يصرخ الشماس قائلاً: “قفوا بخوف من الله، وأنصتوا لسماع الأنجيل المقدس”. ويرفع رئيس الكهنة تاجه عن رأسه، ويقف أمام الله في مخافة يقرأ الانجيل، ويستمع الشعب في رهبة وهم وقوف “اجعلنا مستحقين أن نسمع ونعمل بأناجيلك المقدسة”…
وعند حلول الروح القدس، يصرخ الشماس قائلًا: “اسجدوا لله، بخوف ورعدة”
حقًا إن الوقوف أمام الله، وكذلك السجود، هو لون من المهابة والتوقير والمخافة، حينما تلتصق رؤوسنا بالأرض بالتراب، بل كما يقول داود النبي “لصقت بالتراب نفسي”.
هذه المهابة والمخافة وهذا السجود يظهر واضحًا في سفر الرؤيا وكمثال له الأربعة والعشرون قسيسًا (رؤ4: 10).
هؤلاء الأربعة والعشرون كاهنًا، يمثلون كل عظمة الكهنوت، ويجلسون حول العرش في ثياب بيض، وعلى رؤوسهم أكاليل من ذهب.. ومع ذلك لما تعطى الحيوانات الأربعة مجدًا وكرامة للجالس على العرش “يخر الأربعة والعشرون قسيسًا قدام الجالس على العرش، ويسجدون.. ويطرحون أكاليلهم أمام العرش قائلين: “مستحق أيها الرب أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة..”.
أبراهيم أبو الآباء والأنبياء، الذي كانت له دالة كبيرة مع الله، حتى قال الرب “هل أحرق سدوم، وأخفى عن عبدي أبراهيم ما أنا فاعله!”
أبراهيم هذا لما وقف يتحدث إلى الله، ملكته المهابة والخشية، فقال “شرعت أن أكلم المولى، وأنا تراب ورماد.. لا يسخط المولى فأتكلم” (تك 18: 32،27)
يوحنا الحبيب الذي كان يتكئ على صدر المسيح، وأكثر الرسل حبًا لله، عندما رأى الرب في سفر الرؤيا، يقول” وقعت عند قدميه كميت” (رؤ1: 17)
أترى توجد مهابة ومخافة في الحب، أكثر من هذه؟!
سكنى الله وسط الناس كانت دليلًا على الحب، فكانت خيمة الرب وسط خيامهم. ومع ذلك كان هناك بعد مناسب، ثم خيام الكهنة واللاويين.. وبعد ذلك خيام سائر الناس..
وحتى الآن كان الناس يخافون السكنى إلى جوار الكنيسة، مهابة وخوفًا، لئلا يخطئون إلى جوار موضع مقدس..
وقد منعنا سكنى القرابنى والقيم والعريف، وحتى الكاهن، داخل الكنيسة، لكي نحفظ هيبة بيت الرب، فلا يكون مجالًا للحياة العائلية العادية، ويفقد قدسيته ومهابته..
لهذا، فإننا للأسف الشديد نجد أن كثيراً من الشمامسة الصغار، وخدام المذبح، لكثرة دخولهم في الهيكل وخروجهم منه، يفقدون أحياناً خشيتهم له، ويتكلمون حتى في أقدس الأوقات… ولكثرة دخول الناس في الهيكل، بما في ذلك المصورين والمسجلين، ما أسهل أن تفقد قدسية المكان وهيبته، ويعامل من الناس كموضع عادى…
لهذا ينبغي للمحبة ألا تفقدنا المخافة والهيبة فالسيد المسيح الذي دعانا للحب، دعانا للمخافة أيضًا:
إنه يقول (لو12: 4، 5) “لا تخاف من الذين يقتلون الجسد، وبعد ذلك ليس لهم ما يفعلون أكثر…
“بَلْ أُرِيكُمْ مِمَّنْ تَخَافُونَ: خَافُوا مِنَ الَّذِي بَعْدَمَا يَقْتُلُ، لَهُ سُلْطَانٌ أَنْ يُلْقِيَ فِي جَهَنَّمَ. نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ: مِنْ هذَا خَافُوا!” (لو 12:5)
إن الذي يسلك في مخافة الله، يمكنه أن يصل إلى انسحاق القلب والاتضاع. وبهذا تنسكب المحبة في قلبه من الروح القدس. وبالمخافة يعيش في حياة الحرص وحياة التدقيق…
أما الذي يسلك بالدالة بلا خوف، فإنه قد يفقد حرصه وتدقيقه وربما يصل إلى الاستهتار واللامبالاة..
أننا في صلواتنا نقول للرب: “اسمك العظيم المخوف”. ونقول عن مجيئه الثاني “المخوف المملوء مجدًا”.
إن مخافة الله حافظة لنا من السقوط، وتملأ قلوبنا بشعور الاجلال والتوقير للذات الإلهية، تعطينا ينابيع من الحرص والتدقيق…
أن كثيرين من الذين تركوا المخافة “وصلوا إلى كبرياء القلب، وإلى قساوة القلب. ولم يرتفعوا إلى مستوى أعلى من المخافة، بل هبطوا إلى مستوى الاستهتار ولم يشعروا بفداحة الخطية.
إذن عيشوا في الحب، وفي مهابة الرب أيضًا… حبوا الرب من كل قلوبكم، وأيضًا وقروه وهابوه من كل قلوبكم، وانسحقوا أمامه… ومهما فعلتم كل ما أمرتم به، قولوا إننا عبيد بطالون.
وأنصتوا الى قول بولس الرسول:
“لا تستكبر بل خف”…
هوذا لطف الله وصرامته. وأما الصرامة فعلى الذين سقطوا، وأما اللطف فلك إن ثبت في اللطف، وإلا فأنت أيضا ستقطع.(رؤ11: 20-22)
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الثامن والأربعون) 23-11-1976م




