محبة الله للبشر

محبة الله للبشر
أود في هذه الليلة أن أحدثكم عن محبة الله للبشر. الله الطويل الروح الكثير الرحمة، الجزيل التحنن، الذي قال إن لذته في بنى البشر. فما هى مظاهر هذه المحبة..؟
محبة الله للبشر
الله أحب البشر قبل أن يوجدوا، ومن أجل هذا أوجدهم، ومن محبته لهم، خلقهم على شبهه، على صورته ومثاله…
وهب الإنسان عقلًا، ووهبه روحاً ونفسا خالدة، وأعطاه مواهب روحية، وأعطاه أن يكون مسكنًا لله وهيكلًا للروح القدس.
ووهبه طاقات جبارة من الصعب أن نحدها…
من ضمن هذه الطاقات العقل الجبار، الذي إستطاع أن يصل إلى القمر، والذي اخترع إختراعات تقرب من الخيال…
ومن هذه الطاقات الروح الجبارة التي تستطيع أن “تفحص كل شيء حتى أعماق الله”..
إننا حتى الآن لم ندرك أعماق الطبيعة البشرية. إن الله زودنا بقوى عجيبة جدًا، لم نكتشفها بعد…
الإنسان كل حين يكتشف شيئًا جديدًا من طاقاته، ما كان يعرفه من قبل… عقل الإنسان محيط واسع لم نختبر بعد أعماقه. وروحه كذلك. انظروا مثلا الى (اليوجا)، أو نساك الهند والصين، فى تدريبهم للروح، تروا عجبًا، أشياء أغرب من الخيال، ولكنها الروح البشرية عند ما تصفو، وتخرج من سيطرة الجسد…
كل هذه مواهب طبيعية، في حدود طبيعة الإنسان البشرية. فكم بالأولى المواهب الفائقة للطبيعة، التي يهبها الله بمحبته!؟
صدقوني، حتى الحواس، التي ليست عقلاً ولا روحًا لها أيضًا طاقات عجيبة… قد يدركها الإنسان عندما يفقد حاسة، وتعوضها حاسة أخرى، فتظهر ما فيها من قدرة مذهلة!!
قد يستخدم الناس طاقاتهم في الخير وربما في الشر: ولكن الله على الرغم من ذلك، لم ينزع من أولئك الأشرار طاقاتهم… مهما أخطأ الذكي مثلًا، لا ينزع منه ذكاءه…
من محبة الله أيضًا للإنسان، أنه جعل الطبيعة كلها في خدمته، وخلقها أولًا، من أجله ومن أجل راحته…
هذا الأمر يشرحه القداس الغريغوري شرحًا وافيًا : ” من أجلي ألجمت البحر. من أجلى أخضعت طبيعة الحيوان. ثبت لي الأرض لكي أمشي عليها… ” .. كل شيء خلقه الله من أجل الإنسان: الأهوية، والحرارة، والنبات، والحيوان.. إننا أحيانًا نجد النبات يعطي ثمرة في الموسم الذي يكون الإنسان في حاجة إليه.. ما أعجب محبة الله ! أنظر إلى الكرمة، أو شجرة البنسيانا. فى فصل الصيف تكتسى بالورق، لأنك تحتاج إلى ظلها. وفي فصل الشتاء تنفض أوراقها لأنك تحتاج إلى دفْء الشمس وأنت جالس تحتها… ما أعجب عناية الله !
لو أدركت محبة الله، لكنت تشكره على كل شيء:
إن تمتعت بدفء الشمس، تشكر محبة الله. وإن تمتعت بنور القمر، تشكر محبة الله… تشكره على جمال الزهور، وعلى تغريد الطيور، وعلى عذوبة الماء، وعلى ظل الأشجار. وما أروع أن الله خلق الإنسان في اليوم السادس.. خلق كل شئ من أجله ثم أخيرًا، بعد كل ذلك، خلقة..
إن الله يعد كل شئ من أجلنا: الأرض والسماء…
إنه يقول: “أنا ماض لأعد لكم مكانًا، وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا،آتى أيضًا وآخذكم إلي، حتى حيث أكون أنا، تكونون أنتم أيضًا”… إنه يعد من أجلنا المنازل الأبوية “ما لم تره عين، وما لم تسمع به أذن، وما لم يخطر على قلب بشر”. ما أعجب محبته.
ومن محبة الله للإنسان، أنه زوده بالنعمة الإلهية:
النعمة فيض من محبة الله، لولاها لهلكنا جميعًا. انظروا كيف قال الله لبولس “تكفيك نعمتي”. نحن عندما نبارك الشعب نقول “محبة الله الآب ونعمة ابنه الوحيد…،.
هذه النعمة ترشد الإنسان، وتقويه، وتنتشله من كل سقطة. والنعمة تفتقد كل أحد، غير أن البعض يشعر بها ويستخدمها. والبعض لا يشعر، أو لا يستخدم.
ومن محبة الله للبشر، أنه أعطاهم روحه القدوس، ليسكن فيهم، ويمكث معهم إلى الأبد، ويشترك في العمل معهم.
لذلك نأخذ بركة “شركة الروح القدس”. أشعر إذن بمحبة الله، ولا تقاوم الروح، ولا تحزنه، ولا تطفئ حرارته.
ومن محبة الله لنا قوله “ها أنا معكم كل الأيام وإلى إنقضاء الدهر” ” لا أهملك ولا أتركك…
وقوله:” إن إجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فهناك أكون في وسطهم ” بل قوله عن أورشليم السمائية إنها: “مسكن الله مع الناس”. هو يسكن وسطنا، ونكون له شعبًا..
ومن محبتة لنا أنه أرسل ملائكته من أجلنا، خدمتنا:
“أليسوا جميعهم أرواحًا خادمة، مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب1). إن ملائكته “حالة حول خائفيه وتنجيهم” ملاك أنقذ بطرس من السجن. وملاك سد أفواه الأسود فلم تؤذ دانيال. ما أكثر الملائكة العاملين معًا.إننا محاطون في الأرض بجوقات من الملائكة. وحتى في موتنا يقول الكتاب “مات لعازر، وحملته الملائكة إلى أحضان إبراهيم”…
وملائكة الله تملأ الكنيسة، حتى أننا نسميها “بيت الملائكة”، وملائكة تشفع فينا، وتصلي من أجلنا، وتفرح لتوبتنا.
وكما أن الله في محبته أرسل لنا ملائكته، كذلك أرسل لنا الأنبياء والرعاة، والكهنة والوحي الإلهي في كتابه..
كل أولئك يسعون كسفراء للمسيح، ينادون أن “اصطلحوا مع الله”
ومن محبة الله للناس أنه وهبنا الأسرار المقدسة.
وهبنا جسده ودمه الأقدسين لنتغذى بهما، وكذلك باقي أسرار الكنيسة بكل ما تحمل من نعم وخيرات.
ومن محبته كذلك، أنه وهبنا التوبة ومغفرة الخطايا:
بهذه التوبة نتطهر، ونغتسل “فنبيض أكثر من الثلج”. ويمحو الله خطايانا، ولا يعود يذكرها، ينساها كأن لم تحدث!!
ومن محبته لنا، أنه وهبنا الخلود والحياة الأبدية..
حياتنا لا تنتهي بالموت، إنما لها إمتداد في العالم الآخر، في النعيم الأبدي، في عشرة الله والملائكة والقديسين.
ومن محبتة لنا، أنه في هذا الخلود سيهبنا طبيعة جديدة، جسدًا نورانيًا روحانيًا، ونكون “كملائكة الله في السماء”..
ومن محبة الله تعزياته الإلهية، من روحه المعزي..
ورحمته التي تتجدد علينا كل يوم. وخيراته التي يفتح فيها كوى السماء، حتى نقول “كفانا كفانا”.. يجول بيننا يصنع خيرًا، حتى أننا نسميه “صانع الخيرات”.
ومن محبة الله لنا، أنه “يقودنا في موكب نصرته ”
يعطينا القوة التي نغلب بها، ثم يكافئنا على هذه الغلبة. هو يحارب فينا لأجلنا، و “الحرب للرب” “يقاتل عنكم، وأنتم تصمتون”. يعطينا النصرة “بسلاح الله الكامل” ويعطينا “قلبا جديدًا وروحًا جديدة “، فنصير أشداء بقوته، مخلوقات جديدة، ليست كأمس ولا قبلًا من أمس..
ومن محبته لنا، الرؤى الإلهية، والكشف الإلهي، والأحلام الإلهية والظهورات الإلهية، والمواهب الفائقة للطبيعة، والمعجزات التي يهبها لبعض مختاريه من أجل محبته للبشر… إحسانات ظاهرة، وإحسانات خفية… ما ندركه، ومالا ندركه…
محبة الله، ينبغي أن تقابل بمحبة من الإنسان فلا تكون من جانب واحد. لذلك لا يطلب الله من الإنسان سوى هذا الحب “يا ابنى أعطنى قلبك”.
يكفي أن الله جعل الحب اسمًا له “الله محبة” “من يثبت فى المحبة، يثبت فى الله، والله فيه”. ومن أجل هذه المحبة، طلب منا الثبوت المتبادل “إثبتوا في، وأنا فيكم” كالكرمة والأغصان.
ومن محبة الله لنا، أنه اعتبرنا كذاته، هو الرأس ونحن الجسد هو العريس ونحن العروس، نحن لحمه وعظامه.
ومن أجل هذا الحب، أوجد الله في كتابه سفرًا عن الحب، هو سفر النشيد، وقال للإنسان “تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك”.
ومن دلائل محبة الله قول الكتاب عنه إنه:
“أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم حتى المنتهى“..
ومن محبته لنا، أنه دعانا أولادًا له، وأحباء…
“انظروا أيه محبة أعطانا الآب، ان نُدعى أولاد الله”.
وقال لنا أيضًا “لا أعود اسميكم عبيدًا، بل أصدقاء”.
دعانا “خاصته”: إلى خاصته جاء، أحب خاصته الذين في العالم. وإعتبرنا كشخصه “من يكرمكم يكرمني”..
أحبنا، حتى في سقوطنا، حتى في فترات ضعفنا. ولو فارقتنا محبته في سقوطنا، ما قام منا أحد…
يا رب أننا لا نستحق منك كل هذا الحب. حتى ونحن قادمون من كورة بعيدة، وملابسنا ممزقة، ورائحة الخنازير فيها، تقبلنا إليك، وتضع خاتمًا في أصابعنا، وتلبسنا الحلة الأولى، وتذبح لنا العجل المسمن وتقول ينبغي أن نفرح ونسر!! بنا، تفرح وتسر؟! ما أعجبك!
نعم، أفرح بكم، وتفرح السماء كلها معي “بخاطئ واحد يتوب”
ليتنا نستطيع أن نفرح قلب الله، بتوبتنا…
هذا الذى يريد الفرح لنا، وقد جعل الفرح والسلام من أهم ثمار الروح القدس. وكان دائمًا يقول لنا “سلامي أترك لكم، سلامي أنا أعطيكم”.
لم أر حب أب لأولاده، مثل هذا الحب!!
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الثالث والعشرون) 4-6-1976م




