محبة الله فوق التعبير

محبة الله فوق التعبير
الله خالق السماء والأرض، ملك الملوك ورب الأرباب، غير المحدود وحده، الذي لا نهاية لعظمته ولا لهيبته، نراه يعامل الإنسان الترابي بمنتهى الصداقة والحب.
عندما خلق الإنسان، عامله بصداقه، في حب كان يزوره في الجنة، وكان يكلمه، وأعطاه سلطانًا على جميع المخلوقات. وكما قال داود النبي عن هذه المعاملة “بالمجد والكرامة توجته، اخضعت كل شيء تحت قدميه…” وكما يقول الإنسان في القداس الغريغوري: “لم تدعني معوزًا شيئًا من أعمال كرامتك”.
ومن محبة الله للإنسان، وهبه الحرية والإرادة والاختيار… وحتى عندما أخطأ، أتى الله إليه، وسأله وأعطاه فرصة للإجابة عن نفسه…
عجيب في محبة الله التي يعبر عنها، أنه يتكلم مع خليقته، ليس مع الإنسان البار فقط، بل حتى مع الخطاة، بل إن الله تحدث أيضًا مع الشيطان وأعطاه فرصة للحوار…!
لقد كلم الله قايين القاتل، ولما قال له قايين: “إنك قد طردتني اليوم عن وجه الأرض… فيكون كل من وجدني يقتلني” أجابه الرب في رقة عجيبة مدافعًا عن هذا القاتل “كل من قتل قايين سبعة أضعاف ينتقم منه، وجعل له علامة لكي لا يقتله كل من وجده (تك 4).
هل توجد رقة أكثر من هذه، يعامل بها أول قاتل على الأرض، إنسان قاسي القلب لم يتورع عن قتل شقيقه البار؟!
وكما كلم الله قايين، كذلك كلم يهوذا الخائن…
حذره أكثر من مرة، واستأمنه على الصندوق، وقبل كل ذلك دعاه ليكون رسولًا… وعندما جاء هذا الخائن ليقبله، قال له: “يا صاحب، لماذا أتيت؟”… ما أعجب كلمة “يا صاحب” في هذا المجال!!
وكلم الله بلعام، الذي أضل الشعب كله، وأوحى إليه بنبوءات صادقة. كما منح شاول الملك أن يتنبأ كذلك…!
بل أن الله الحنون اللطيف سمح للشيطان ذاته أن يكلمه في قصة أيوب، وأعطاه فرصه للعمل، وسمح للشيطان- أكثر من هذا- أن يجربه على الجبل…!
إن كان الله قد عامل الشيطان هكذا بلطف، فكم بالأولى معاملته للخطاة.. لقد كان حنونًا جدًا حينما قال للمرأة الخاطئة “وأنا أيضًا لا أدينك، إذهبي بسلام”…
وفي محبة الله ولطفه، صادق كثيرًا من البشر…
دعا إبرام أن يخرج من وطنه ومن عشيرته، ليعيش معه في الجبل الذي يريه إياه، ودعي إبراهيم “خليل الله”.
وفي صداقة الله لإبراهيم، كان يعرض عليه بعضا من تدابيره:
وهكذا عندما أراد الرب أن يحرق سدوم، قال عبارته العجيبة: هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله؟!” (تك18:17). هكذا عرض عليه الأمر، واستمع إلى رأيه، ونفذ له رغباته.
وبنفس الوضع كان الرب مع موسى، يكلمه ويصادقه ويدافع عنه قال عنه لهرون ومريم عبارة محبة عجيبة “إن كان منكم نبي للرب، فبالرؤيا استعلن له، في الحلم أكلمه. أما موسى فليس هكذا، بل هو أمين في كل بيتي. فمًا إلى فم وعيانًا، أتكلم معه، لا بالألغاز. وشبه الرب يعاين” (عد12: 6- 8).
كم كانت محبة الله عميقة، ومعاملته لطيفة مع يونان النبي، الذي خالف أمره وهرب منه، ولكن الله ظل وراءه حتى ترك عناده. انظروا كيف يقول الرب ليونان “هل اِغتظت بالصواب؟!” فيجيب يونان “اِغتظت بالصواب حتى الموت”!! ومع ذلك لم يتركه لطف الرب…
بل ما أعجب معاملة الله ليعقوب الذي خدع أباه، والذي استغل جوع أخيه، فأخذ منه بكوريته بأكلة عدس…
لم يوبخه الله بأية كلمة، بل ظهر له، وباركه، وشجعه، ومنحه المواعيد، وقال له “ها أنا معك، واحفظك حيثما تذهب، وأردك إلى هذه الأرض” (تك28: 15). وساعده في الالتقاء براحيل وبخاله لابان، وفاض عليه بخيراته، ومنحه البنين وشيخوخة صالحة…! إن الله لطيف في معاملته بطريقه لا يعبر عنها. وعلينا ألا نستغل محبته ولطفه، ونستهين بوصاياه، بل نهابه كما نحبه…
ما أجمل قلب الله في مصادقته لأخنوخ ورفعه معه إليه، ومصادقته لإبرام، ولموسى، وليوحنا الذي سمح له بالاتكاء على صدره..
بل ما أعجب محبة الله لأطفال وفتيان صغار، كلمهم، وائتمنهم على رسائل ورسالات، وزودهم بالمواهب، كصموئيل وداود… إن محبة الله تظهر أيضًا في وعوده السخية الكريمة التي وعد بها الإنسان، في عطاياه، في كرمه، في مغفرته، في مواهبه…
حتى أن الكتاب يعلن أنه ليس بكيل يعطي الرب، إنما هو يفتح قوى السماء، حتى نقول “كفانا، كفانا”..
إنه يغدق إغداقًا، يعطي بسخاء ولا يعير. يعطي حبًا وحنانًا، وحفظًا ورعاية، كأب حقيقي” يعطي أولاده دون أن يطلبوا.
تظهر محبته أيضًا إذ جعل مسرته في بني البشر، وأحب باستمرار أن يسكن بينهم، هنا وفي السماء…
عن هذا يقول “ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر”. وعن السماء، يقول “أنا ماض لأعد لكم مكانًا. وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا، آتي أيضًا وآخذكم إلى، حتى حيث أكون أنا، تكونون أنتم أيضًا. ولهذا قيل عن أورشليم السمائية إنها “مسكن الله مع الناس” “الله وسط شعبه” (رؤ21: 3) …
ما أجمل عشرة الله الطيبة هذه، التي في محبته، يعدها لنا، لكي نحيا في عشرته هنا وهناك، الآن وإلى الأبد..
بل إن الله بين عمق محبته لنا، إذ مات عنا…
ويشرح بولس الرسول عمق هذه المحبة فيقول: (رو5: 6- 10). “ونحن بعد خطاة، مات المسيح لأجلنا” “لأجل الفجار”.. “فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بار” أما أن يموت الكامل القدوس، البار لأجل الأثمة.. فهذا حب عميق عجيب حقًا…
لذلك نحن “نحبه لأنه أحبنا قبلًا”… ومات عنا.
أننا نخجل من هذا الحب… كيف نخطئ إلى من أحبنا؟!
في اليوم الأخير “سينظرون إلى الذي طعنوه، وتنوح عليه جميع قبائل الأرض”… أكثر ما في الصليب إيلامًا، أن المسيح “جرح في بيت أحبائه”.
محبة الله عجيبة، أحب بها الكل، الخطاة فخلصهم، والأبرار فكللهم. أحب الصغار والكبار. أحب داود الصغير، واختاره له مسيحًا ونبيًا! علمه العزف على القيثار والمزمار، علم يديه القتال وأصابعه الحرب. وبنفس الوضع أحب الطفل صموئيل، كلمه، وحمله رسالة إلى الكاهن العظيم.
أحبنا فجعلنا هياكل لروحه القدوس، ووكلاء لسرائره الإلهية.
إنه الإله اللطيف الطيب، الذي أحبه كل من عاشره، الذي قال عنه داود حينما عاشره “ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب”.. وصار “حبه أطيب من الخمر” (نش1: 2) سكر به محبوه…
ومن محبة الله العجيبة جدًا أنه ينسب أعماله لأولاده..
كثير من المعجزات تنسب إلى مار جرجس أو الملاك ميخائيل أو السيدة العذراء… الله هو الذي أجرى المعجزة، لكنه من محبته ومن تواضعه، نسبها إلى قديسيه، وهو يقول “من يكرمكم يكرمني” وبيوته أيضًا ينسبها كذلك لقديسيه، فنقول كنيسة القديس فلان، بينما هي كنيسة الله. بل شريعته أيضًا، قال عنها أحيانًا إنها شريعة موسى، أو ناموس موسى.
أنها محبة عجيبة، محبة الآب الذي يقدم أولاده ويظهرهم…
بل يقول للرسل في محبة متضعة “الأعمال التي أعملها، تعملونها، وتعملون أعظم منها”!! هنا ويستد كل فم…
ما أعجب محبة الله في معاملته الطيبة. إبراهيم يطلب ابنًا في عقمه، فيعطيه نسلًا كنجوم السماء ورمل البحر…
يقول لنا في محبته “لا أعود أسميكم عبيدًا، بل أصدقاء”.
ولم يدعنا أصدقاء فقط، بل أبناء. ليس فقط في العهد الجديد، وإنما في العهد القديم أيضًا. وفي سفر النشيد يدعو الكنيسة عروسًا، عذراء خطبها الرسول للمسيح.
حتى خطايانا، يقول عنها في محبته لنا “أنساها، لا أعود اذكرها” ويغسلنا بمحبته “فنبيض أكثر من الثلج”.
صدقوني، إن كلمة (أنساها)، عندما يقولها الله، يحار العقل في معناها اللاهوتي، ويري أن الصمت أفضل…
لعله يقصد، لا أذكرها، لكم، لا أذكركم بها، لا أعيركم بها لا أضعها أمامي في علاقتي معكم. إنما أضع محبتي بيني وبين خطاياكم فتخفيها، أو أغطيها بدمي فلا تظهر…
إن الابن الضال، لما وقف أمام محبة أبيه، لم يستطع إن يقول “اجعلني كأحد أجرائك”…
غمرته محبة الآب، فلم يذكر خطاياه، إنما ذكر الحب الإلهي، الذي جعله خليقة جديدة، أبيض من الثلج. وإذا بالأشياء القديمة التي هي الخطايا، قد مضت من أمامه، وبقي الحب وحده.
الحب الذي أخجل أوغسطين فقال: “تأخرت كثيرًا في حبك”.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد التاسع والأربعون) 3-12-1976م



