متى تكون الخدمة غير شرعية

متى تكون الخدمة غير شرعية[1]
الخادم هو إنسان لا يعمل من ذاته، يخدم الرب، ويخدم كنيسته وكلمته وملكوته وأولاده..
لذلك ينبغي أن يكون مرسلًا من الله – أو من وكلائه المؤمنين – لهذه الخدمة..
وفي هذا يقول الكتاب: “كَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟” (رو10: 15).
يفهم من هذا أن الشخص لا يمكنه أن يكرز إلا إذا أرسله الرب. ولذلك حينما بدأ موسى خدمته الأولى بدون إرسال، فشل في الخدمة، ولما أرسلة الله تجح.
والله هو الذي يختار خدامه. هو الذي اختار الاثني عشر رسولًا والسبعين، وقال للاثني عشر عبارة هي درس نافع لنا: “لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ، وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ” (يو15: 16).
وقال لهم أيضًا: “كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا” (يو20: 21). وإذ أرسلهم، منحهم قوة للخدمة، وصار يعمل معهم.
فالخادم المرسل، لا يعمل وحده، بل يعمل الله معه..
وهكذا قال بولس عن نفسه وعن أبولس: “نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ، وَأَنْتُمْ فَلاَحَةُ اللهِ”، “أَنَا غَرَسْتُ وَأَبُلُّوسُ سَقَى، لكِنَّ اللهَ كَانَ يُنْمِي” (1كو3: 6- 9).
السيد المسيح نفسه، كان يقول أنه مُرسل من الآب:
“رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ” (لو4: 18) ولهذا كان يقول أيضًا: “يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي” (يو9: 4).
وإرسال الله للخدام يحمل في داخله: الاختيار والدعوة، والفرز للخدمة، والسيامة أيضًا. وهكذا تكون الخدمة شرعية.
الدعوة والاختيار، وصلا إلى الآباء والرسل والأنبياء.. ولكل ذلك أمثلة كثيرة في الكتاب المقدس في حياة إبراهيم وموسى وداود وإرميا وغيرهم مما لا يدخل تحت حصر.
ثم اختار الرب رسله في المسيحية وجعلهم وكلاء له.. وائتمنهم على سيامة الخدام وإرسالهم للخدمة حتى المختارين منه.
ولعل من أروع الأمثلة على ذلك شاول الطرسوسي (بولس الرسول). كان الرب قد أفرزه للخدمة من بطن أمه، ودعاه ليبشر به بين الأمم (غل1: 15). وكانت دعوته هذه سبب مسرة الله. وقابل الرب في طريق دمشق، وكلمة فمًا لأذن، وعينه إناءً مختار له ليحمل اسمه، وأخبر حنانيا بذلك (أع9: 15). ودعاه الروح القدس للعمل.
ومع كل هذه الدعوة الإلهية، كان لا بد أن يُرسل شاول للخدمة عن طريق الكنيسة، عن طريق وكلاء الله.
وفي هذا يقول الكتاب عن الرسل: “وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ، قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ: أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ” (أع13: 2).
كيف يا رب نُفرز لك، وأنت صاحب الأمر والنهي، وصاحب الاختبار والدعوة! أما يكفي أنك دعوتهما للعمل؟ أما يكفي ظهور الرب لشاول واختياره له؟
كلا، يقول الروح. بل أنتم “أَفْرِزُوا لِي”. لا بد لهذين الإناءين المختارين أن ترسلهما الكنيسة، لتكون خدمتهما شرعية.
فأطاع الرسل: صاموا حينئذ وصلوا، ووضعوا عليهما الأيادي، وأطلقوهما بسلام. ومن هنا بدأت خدمتهما.
وصار الرسل يقيمون الأساقفة والكهنة والشمامسة، كما قالوا من جهة الشمامسة السبعة: “فَنُقِيمَهُمْ عَلَى هذِهِ الْحَاجَةِ” (أع6: 3).
وأنت، من الذي أقامك على الخدمة، هل أقمت نفسك؟ أم أقامك الناس؟ أم أقامتك الكنيسة فصارت خدمتك شرعية؟ أن كل خدمة لله لا تصدر عن الكنيسة، هي خدمة غير شرعية..
إن بولس الرسول لم يقل: “وَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ”، إلا بقوله أيضًا: “الضَّرُورَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَيَّ”، “فَقَدِ اسْتُؤْمِنْتُ عَلَى وَكَالَةٍ” (1كو9: 16، 17).
وأنت هل اُستؤمنت على وكالة؟ ومن أوكلك؟
إن الأسقف هو المسئول عن إقامة الخدام، لأن كما يقول الكتاب: “وَكِيلِ اللهِ”(تي1: 7).. فهل في خدمتك قد دخلت من الباب؟
أن الذين يقحمون أنفسهم في الخدمة، يأخذون تعب الخدمة دون أن يأخذوا بركتها. وقد تكون خدمتهم عثرة وخطأ.. لأنه كيف “كَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟! (رو10: 15).
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “محاضرات في الخدمة – متى تكون الخدمة غير شرعية؟”، الكرازة 9 يونية 1978م




