لماذا نعترف على كاهن؟

لماذا نعترف على كاهن؟[1]
لماذا أعترف على كاهن؟ لماذا لا أعترف على الله مباشرةً؟
هكذا سألنا الأخ (أ. م) بشبرا، كما سألنا كثيرون غيره…
للسماح بالتناول:
† إن الكاهن يا أخي الحبيب هو الأمين على الأسرار المقدسة، ولا يستطيع أن يقدمها لغير المستحقين، لذلك فمن واجبه أن يتأكد أولًا من توبة المتناول حتى يناوله، إن جسد الرب ودمه يجب ألا يحلا في قلب ملوث محب للخطية غير راغب في تركها، ومن هنا جاء سر التوبة سابقًا لسر التناول، فالكاهن لا بد له أن يسمع اعترافك، لأنه هو الذي في سلطانه أن يسمح لك بالتقدم إلى الأسرار المقدسة أو لا يسمح، فإن وجدك تائبًا… سمح لك، وإلا فمن حقه أن يمنعك.
أما أولئك الكهنة الذين يناولون كل من يتقدم إلى الأسرار، دون التأكد من توبته واعترافه، لا شك أنهم مخطئون
لمعرفة الخطية:
† يُخَيَّل إلى البعض أنه يستطيع أن يعترف بأخطائه بينه وبين الله، بينما الإنسان قاصر في الحقيقة، وقد لا يعرف ما هي أخطاؤه حتى يعترف بها… هناك أشخاص لهم ضمير واسع يستطيع أن يرحب صدره لكثير من الأخطاء، أو يقلل من خطورتها وشأنها، بل قد يرى في بعض الأخطاء ناحية من نواحي الفخر، وهناك ضمير ضيق موسوس كثير الشك، يظن الخطأ حيث لا يوجد خطأ، والكاهن يقف بين الاثنين يوضح الحقيقة كما هي، ولو أن الشخص تُرِكَ إلى نفسه لظل في أخطائه وخطل حكمه على الأمور.
لوصف العلاج:
† الذي يعتقد في عدم الاعتراف على الكاهن، يخطئ في فهم الاعتراف ذاته. ليس الأمر مجرد خطايا يعترف بها المذنب، ثم ينال الغفران عليها، ليعود فيكررها مرة أخرى، وإنما هناك واجب هام لأب الاعتراف وهو تقديم العلاج اللازم. ولذا شبهوه بالطبيب لأنه يداوي النفوس. فالذي لا يعترف على كاهن من أين له الحصول على العلاج؟ من أين له أن يجد حلًا لمشاكله؟ ولهذا السبب لم يكن مسموحًا لكل كاهن في القديم أن يسمع الاعترافات، وإنما كانت الكنيسة تعهد بهذا السر للكاهن الشيخ المجرب المحنك أو ذي الخبرة والدراية. وعلى أي الحالات من حقك أن تختار أب الاعتراف الذي تراه صالحًا لسماع اعترافاتك، ووصف العلاج الصالح لك.
لأجل الغفران:
† وأنت يا أخي الحبيب تعترف على الكاهن بخطاياك ليعطيك الحِل منها، بمقتضى السلطان الذي أعطيَ له من الله لغفران الخطايا، فإذا لم تعترف على الكاهن من أين لك الحصول على هذه البركة العظيمة بركة الغفران، إن الكاهن إذ يسمع خطاياك يضعها على الذبيحة المقدسة لكي يحملها السيد المسيح نيابةً عنك ويمحوها بدمه الكريم.
لأجل الاطمئنان النفسي:
† إن الخاطئ يذهب إلى أب الاعتراف، ويقر بخطاياه، ثم يقرأ له الكاهن الحل، ويخرج الخاطئ مطمئنًا، متأكد كل التأكد بأنه قد نال الغفران، شاعرًا أن الحمل الثقيل الذي كان ينهكه ويضنيه قد أُزيل عنه نهائيًا، وحمله المسيح نيابةً عنه. وهكذا يستريح قلب الخاطئ، وينال من الاعتراف سلامًا داخليًا، هو في أشد الحاجة إليه. أما الذي لا يعترف على كاهن، فقد تحاربه الأفكار والشكوك، ويظل مزعزع القلب، تارة يوقن بمغفرة خطاياه ثقة بمحبة الله ورحمته، وتارة تتضخم أمامه خطيته، فيظن أن ذنبه “أعظم من أن يغتفر”. وقد يحاربه الشيطان من هذه الناحية، حتى يجلب له اليأس أو على الأقل يعذبه بالشك.
ألست ترى يا أخي الحبيب أنها رأفة من الله إذ وضع لنا هذا السر المقدس… ترى كم نحن في حاجة إليه…
للمعالجة من متاعب الكتمان:
† إن الأخطاء التي يقترفها الإنسان، ويكتمها عن الناس، تظل تعذبه في فكره، ويضيق بها صدره، ويشعر بحاجة إلى إنسان يبثه ذات نفسه، ويقاسمه أسراره المضنية حتى يخف حملها عنه، ومن هنا جاءت حاجة الشخص إلى صديق، ولكن الصديق – مهما كان وفاؤه – لا يستطيع، أن تأتمنه على أسرارك وخاصة الخطير منها، والبشع والدنيء. الصديق – مهما كان – يصعب الإفضاء إليه بما يشين النفس، ويدعو إلى التحقير والاشمئزاز، كما أنك لا تضمن كتمان صديقك لأسرارك، أما الكاهن فهو صديق صدوق لا يشمئز من سماع خطاياك، لأنه تَعَوَدَ سماع الخطايا، ولأنه يرى في سماعها توبة لا افتخارًا، ولأنه أب وطبيب، كما أنه أكتم إنسان بحكم وظيفته، لأنه يعرض نفسه للقطع من الكنيسة إذا باح بالسر…
للوعظ والتعليم:
† الكاهن معلم للشعب، تصور أمامك كاهنًا يقف ليعظ الناس دون أن يعرف المشاكل التي تجتاحهم، والخطايا التي يقعون فيها، لا شك أن تعليمه سيكون من الناحية العملية أقل بكثير من كاهن آخر سمع اعترافات الشعب… وانكشفت أمامه أفكارهم وقلوبهم وأعمالهم.
سيقف هذا عل منبر الله ويتكلم، فيعرف كيف يختار الموضوع الصالح المهم للشعب أكثر من غيره، ويعرف من أية ناحية يطرق الموضوع ليمس القلوب المحتاجة، إن الذين يمنعون الكاهن من سماع الاعترافات يجردون وعظه للشعب من أهم عناصره الحيوية الفعالة، ويريدون الشعب أن يعيش منطويًا على مشاكله في وادٍ، بينما يقف الكاهن صائحًا صيحات خيالية في وادٍ آخر… أي كاهن هذا؟! وأي شعب؟!
ليكون الكاهن أبًا حقيقيًا:
† ليس الكاهن مجرد معلم، إنما هو أب، يشفق ويحن، ويساعد الأسقف في رعاية الشعب وافتقاده، وهو لا يستطيع أن يكون كذلك دون أن يعرف حالة شعبه، الظاهر منها والباطن حتى يعمل قدر استطاعته على إسعاده، إنه بسماعه الاعترافات، سيعرف خطايا الشعب، وأسبابها ونتائجها، ويعرف المشاكل المترابطة التي تجمع بين هذا الإنسان وذاك، كما يعرف مشاعر الناس نحو بعضهم البعض، وهكذا يستطيع أن يقرب بينهم، ويؤلف بين قلوبهم جميعًا، ويوفر احتياجاتهم، ويحنن قلوب بعضهم على البعض الآخر، إن الطائفة التي لا تعتقد بسر الاعتراف، لا تعتقد أيضًا بأبوة الكاهن لشعبه، فتحرم الاثنين من هذه المشاعر النبيلة…
للزوم عنصر الخجل:
† شرحنا كيف أن سر الاعتراف مفيد للجميع، ونضيف بأنه لازم وواجب، وهو لازم لعنصر الخجل الموجود فيه، كما حصل الإنسان على لذة معينة أحسها في خطيئته، كذلك يجب أن يحس ألمًا يريه الوجه الآخر من الخطية. وفي الخجل نوع من الألم يشعر الخاطئ بحقارة نفسه أمام الكاهن، وبخسة مسلكه، ودناءة تصرفه، ونحن نرى عمليًا أن هذا الخجل يمنع خطاة كثيرين من ارتكاب الخطية، إذ يخافون من الإقرار أمام الكاهن بتلك الخطايا. فما دام هو جسدانيًا هكذا، فليعترف إذن أمام إنسان في الجسد حتى يخجل، إذ يقف أمام وكيل الله وممثل الشريعة.
لأن الله أراده وأمر به:
وضع الله هذا السر العظيم في العهد القديم وثبته في العهد الجديد:
أ- في العهد القديم:
“كان الخاطئ يأتي بالذبيحة إلى الكاهن معترفًا مقرًا بخطاياه، فَإِنْ كَانَ يُذْنِبُ فِي شَيْءٍ مِنْ هذِهِ، يُقِرُّ بِمَا قَدْ أَخْطَأَ بِهِ. وَيَأْتِي إِلَى الرَّبِّ بِذَبِيحَةٍ..” (لا5: 5، 6).
كان الكهنة يعرفون إذن خطايا الشعب ويصلون عنهم، وقد ظهر ذلك في يوم الكفارة إذ أمر الله هرون أن يضع يديه على رأس الحيوان: “ويقر عليه بكل ذنوب بني إسرائيل وكل سيآتهم مع كل خطاياهم..” (لا6: 21). وقد ظهر ذلك أيضًا في قصة (عخان بن كرمي) الذي قال له يشوع: “يَا ابْنِي، أَعْطِ الآنَ مَجْدًا لِلرَّبِّ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ، وَاعْتَرِفْ لَهُ وَأَخْبِرْنِي الآنَ مَاذَا عَمِلْتَ. لاَ تُخْفِ عَنِّي فَأَجَابَ عَاخَانُ يَشُوعَ: حَقًّا إِنِّي قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ وَصَنَعْتُ كَذَا وَكَذَا” (يش7: 19-21). وهكذا نجد أن الناس أتوا إلى يوحنا المعمدان “مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ” (مت3: 6). والأمثلة عديدة في العهد القديم، يؤيدها أيضًا عند اليهود ما ورد في كتابهم التلمود عن وجوب اعتراف الخطاة بخطاياهم أمام الكهنة “في جميع أعمالهم”…
ب- في العهد الجديد:
قال السيد المسيح صراحةً: “مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ” (يو20: 23).
وكيف يستطيع الكاهن أن يغفر الخطايا أو يمسكها ما لم يعترف بها الخاطئ. وقد فهم المؤمنون الأُوَل الأمر بهذا المعنى، فمارسوا سر الاعتراف كما يقول سفر أعمال الرسل: “وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَأْتُونَ مُقِرِّينَ وَمُخْبِرِينَ بِأَفْعَالِهِمْ” (أع19: 18). وقد شرح القديس أوغسطينوس تفسير قول يعقوب الرسول: “اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالّزَلاَّتِ” (يع5: 16)، فقال: إن المقصود بهذا هو اعتراف الخطاة على الكهنة نحو القول “علموا بعضكم بعضًا” فمعناها “أن العالِم يعلم الجاهل”.
ممارسة الاعتراف في أقدس العصور:
لقد مارست الكنيسة هذا السر في الأجيال الأولى في أقدس عصورها وشهد بذلك القديس أثناسيوس والقديس يوحنا ذهبي الفم والعلامة أوريجانوس والمؤرخ أوسابيوس، وغير أولئك من القديسين والعلماء.
نظير جيد
[1] مقال للأستاذ نظير جيد “بين المجلة والقراء – لماذا نعترف على كاهن؟”، نشر في مجلة مدارس الأحد، بتاريخ نوفمبر وديسمبر 1952م



