لا تقسوا قلوبكم

لا تقسوا قلوبكم
من أهم الأسباب التي تعوق التوبة، قساوة القلب. لذلك فإن بولس الرسول يكرر في رسالته إلى العبرانيين، هذه النصيحة العميقة:
إن سمعتم صوته، فلا تقسوا قلوبكم ( العبرانيين 3 : 8–13 )
لا تقسوا قلوبكم
الإنسان الروحي، أقل كلمة تؤثر فيه. أقل دعوة من الله، تلين قلبه. أقل عمل من الروح القدس يذيبه حبًا لله…
أما الإنسان القاسي القلب، فإنه لا يتأثر بسرعة…
كل الوسائط الروحية لا تغيره، مهما اعترف وتناول، ومهما سمع من وعظ، ومهما قرأ من كتب روحية… قلبه تقسى…
كالغصن، إن كان لينًا يمكنك أن تعدله. أما الغصن الناشف فلا يمكن له ذلك، كما قال الشاعر:
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ولا يلين إذا قومته الخشب
هناك قلوب قاسية، مهما عمل معها الله لا تستجيب. مثل قلب فرعون القاسي الذي لم تلينه الضربات العشر.
في كل ضربة، كان يتأثر وقتيًا، ويصرخ طالبًا العفو، ويقدم وعودًا لله، ثم يرجع بقسوته مرة أخري إلى الخطية! كان الله يريد له بالضربات أن يتوب. وعاقته قسوة قلبه…
هناك قوم- كفرعون- لا يستجيبون لعمل الروح القدس فيهم، لأن قلوبهم قاسية، يجذبهم الله بعظة، بمرض، بتجربة، بوفاة أحد الأحباء، فيتأثرون وقتيًا. ثم ترجع قلوبهم إلى قسوتها…
لا يؤثر فيهم اللطف، ولا تؤثر فيهم الشدة. قلوب قاسية: لا تتأثر بالوسائط الروحية، ولا بالتجارب والضيقات..
خذوا مثالًا لذلك امرأة لوط، وكم عمل الرب معها:
لم تؤثر فيها مناظر الناس الأشرار في سدوم، بل زوجت بناتها من أهل المدينة الخاطئة. ثم سبيت في حرب كدر لعومر، ولما نجاها إبراهيم عادت إلى المدينة. ورأت محاولة اعتداء الناس على الملاكين، وكيف ضربوا بالعمى، وبقيت لاصقة بالمدينة. وسمعت تحذير الملائكيين وإنذارهما بحرق المدينة، وأمرهما لهم بمغادرتها، ثم سحبهما لكل الأسرة سحبًا خارج المدينة، خوفًا من الحريق… ومع ذلك لم يتأثر قلبها القاسي، ونظرت إلى الوراء!!
قساوة القلب، رق لها إحدى المرات، قلب في الجحيم، أما هي فلم ترق.
كما في قصة الغني ولعازر:
طلب الغني من أبينا إبراهيم أن يرسل إلى أهله لعازر، لينذرهم كي لا يأتوا إلى العذاب مثله. فأجاب أبونا إبراهيم: ولو قام واحد من الموتى، فإنهم لا يصدقون ولا يؤمنون!
إنهم شعب صلب الرقبة، كما قال الرب عن اسرائيل.
كل لطف الرب معهم، لم يلين قلوبهم القاسية:
أنقذهم الرب من العبودية، شق لهم البحر الأحمر، أرشدهم بالسحابة نهارًا، وبعمود النار ليلًا.
أنزل لهم المن والسلوى، وفجر لهم الماء من الصخرة، وعاملهم بكل حب واهتمام. وفي قساوة قلوبهم، لم يفارقهم التذمر. وعبدوا عجلًا ذهبيًا. وقال الله عن هذه القساوة:
بسطت يدي طول النهار، لشعب معاند مقاوم…
القلب القاسي كالأرض الصخرية، لا يمكن أن تأتي بثمر، مهما فلحتها، ومهما ألقيت فيها بذارًا، ومهما رويتها بالماء. في قساوة القلب لا يتأثر ولا يستجيب ولا يبالي. بعكس القلب اللين، الحساس لعمل الخير.
ولنا مثال في ذلك، نابال الكرملي وامرأته أبيجايل.
سمع نابال رجاء داود وطلبه وهو في ضيقة، ولم يتأثر. وسمع تهديد داود وتصميمه المرعب، ولم يتحرك ولم يبال… أما زوجته أبيجايل، فكانت على عكس هذا: حالما سمعت الخبر، تحركت بكل إيجابياتها نحو الخير، وأخذت هداياها، وركبت دابتها، وقابلت داود. وبكل حكمة ولطف ورقة، أصلحت الموقف كله… أما زوجها فقد انطبق عليه قول سليمان “إن دققت الأحمق في هاون، لا تفارقه حماقته”
لنأخذ مثلا آخر، هو شمشون الجبار..
كان نذيرًا للرب، وقد حل عليه روح الرب، وعمل الله به عجائب ومع ذلك مر عليه وقت، وقع فيه في قساوة القلب… حينما تعرف بدليلة. وظلت الخطية تقوده خطوة فخطوة، حتى تقسى قلبه لعمل الروح فيه.
وكم من مرة رأى نتائج خطيئته أمام عينيه، ولم يتب. ورأى كيف سلمته المرأة إلى أيدي أعدائه، وأراه الروح أنها غير مخلصة له، ولكن قلبه لم يكن يستجيب لنداء الروح وقتذاك. كان قد تقسى…
وظل قلبه في قسوته، لا يستجيب لعمل الروح، حتى انهار الجبار، وفقد نذره وشعره وبصره، واقتيد أسيرًا.!!
ما أقسى القلب الذي يسمع صوت الرب فلا يستجيب! مثال ذلك فيلكس، الذي لما سمع حديث بولس عن البر والدينونة والتعفف، ارتعب، وهذا يدل على صوت الله في قلبه. ولكنه بدلًا من أن يستجيب بالتوبة، قال لبولس اذهب الآن، ومتى حصل لي وقتك أستدعيك”!
إن القلب القاسي، يهرب من صوت الله، ولا يخضع…
وعندما يقسي الإنسان قلبه، يرفض الدعوة الإلهية. أما الابن الضال، فلم تكلم الله في قلبه، قال: أقوم الآن، وأذهب إلى أبي. وللوقت قام وذهب إلى أبيه.
القديس أوغسطينوس، مر عليه وقت طويل في الضلال، ليس لأنه قسى قلبه، وإنما لأن الصوت لم يكن قد وصل إليه. ولما وصله صوت الله استجاب، وتاب، صار قديسًا.
وبالمثل مريم القبطية، على الرغم من طول حياتها في الخطية، لما وصلها صوت الرب، للحال استجابت، وسارت في حياة القداسة.. وهكذا أيضًا بلاجية.
شاول الطرسوسي، على الرغم من اضطهاده للكنيسة، لم يكن قاسي القلب. ولما وصله صوت الله، استجاب للتو.
وعلى الرغم من أنه كان يجر رجالًا ونساءً إلى السجن، وكان يضطهد هذا المذهب بكل إفراط، إلا أنه لم يقاوم الدعوة الإلهية، ولم يناقش، ولم يستشر لحمًا ولا دمًا.
لم يقس قلبه، وإنما استجاب بكل سهولة وبكل رضا… وتغير من شاول إلى بولس، بطريقة تعجب لها الكل.. هناك من يتقبل كلمة الله، كمن وجد غنائم كثيرة
داود النبي، اشتهى وزنى وقتل. ولكن لما أتاه صوت الله، وجد قلبًا مستجيبًا، تاب، وبلل فراشه بدموعه…
وبالمثل بطرس الرسول: جحد وأنكر، وسب ولعن، قال لا أعرف الرجل. ولكن ما أن تذكر كلمة الرب لما صاح الديك، حتى بكي بكاءًا مرًا، بقلب يذوب حبًا للرب، لا قساوة فيه. لهذا يقول الرسول: إن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم”…
إن سمعتم صوته يدعوكم للتوبة، أو يدعوكم للخدمة…
متى العشار، كان في مكان الجباية، مشغولا بالمال وبالعشور والظلم. وسمع كلمة واحدة هي “اتبعني” فللوقت ترك كل شيء، وقام وتبع الرب. لم يقس قلبه.
وبالمثل سمعان واندراوس، لما سمعا صوت الرب “هلم ورائي، فأجعلكما صيادي الناس”، للوقت تركا كل شيء وتبعاه. تركا السفينة والشباك والصيد والأسرة.
لم يناقشا، ولم يقسيا قلبيهما…
إنما استجابا للصوت، بإيمان، بسرعة، وبفرح…
عذراء النشيد، لما سمعت صوته، تقسي قلبها في بادئ الأمر. كان الصوت يسيل رقةً وحبًا” افتحي لي يا أختي، يا حبيبتي، يا حمامتي، يا كاملتي…” ولكنها تقست ولم تفتح، وقالت “خلعت ثوبي، كيف ألبسه؟ غسلت رجلي، كيف أوسخها”.
ولكنها لم تستمر في قسوتها، بل قالت “حبيبي مد يده من الكوة، فأنت عليه أحشاني… نفسي خرجت عندما أدبر”
وخرجت تبحث عنه في كل مكان وتوصي بنات أورشليم قائلة “إن وجدتن حبيبي، فأخبرنه أني مريضة حبًا”…
هذا هو القلب الحساس، الذي لا يحتمل غضب الرب.
لسنا نقول عن القلب القديس أنه لا يخطئ. فالجميع اخطأوا ولكنه قلب إن أتاه صوت الله، لا يستطيع أن يستمر في الخطية. لا يتقسى، بل يستجيب..
داود أخطأ، لكنه رجع بسرعة، وبلل فراشه بدموعه. وبطرس أخطأ، ولكنه خرج خارجًا وبكى بكاءًا مرًا.
لم تقس قلوبهم، فدموع التوبة دليل العاطفة والحساسية.
ما مظاهر هذه القسوة؟
أول علاماتها أن الإنسان لا يتأثر بعمل الله فيه.
القلب اللين سريع التأثر: دموعه دائمًا في عينيه، وتوبته دائمًا في قلبه، ورجوعه سهل وبسيط.
أما القلب القاسي فلا يتأثر، مهما كلمه الله، ومهما عمل فيه الروح. لا الكلام الروحي يؤثر فيه كما كان يؤثر من قبل ولا الكنيسة ولا الأسرار ولا الألحان تعصر قلبه، لا شيء من الوسائط الروحية يذيب قلبه أو يلهبه.. دموعه جفت، وقلبه تقسى.
الجفاف، الفتور، عدم التأثر، كلها مظاهر للقساوة الداخلية…
لا يكون الإنسان شجرة مثمرة، لا يشعر بعصارة الحياة تسري في عروقه. لا يخضر، ولا تفوح رائحته الذكية…
يكون كجثة في الكنيسة، لا تتحرك، تتغير، لا تتأثر…
مثل هذا الإنسان تكون توبته صعبة…
يقول بولس الرسول في (عب 6): “لأن أرضًا شربت المطر الآتي عليها مرارًا كثيرة، وأنتجت عشبًا صالحًا.. تنال بركة من الله ولكن إن أخرجت شوكًا وحسكًا، فهي مرفوضة، وقريبة من اللعنة التي نهايتها الحريق”…
مسكينة هذه الأرض، التي قلبها قاس، ودموعها جافة، وهي كثيرة العناد، كثيرة النقاش…
فما هي أسباب هذه القسوة، وكيف تعالج؟ كيف يصير القلب قاسيا، وكيف يتخلص من قسوته.
هذا ما أود أن نتحدث عنه المرة المقبلة إن شاء الله…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الحادي والثلاثون) 5-8-1977م




