لاهوتيات: عقيديتنا في البخور

لاهوتيات:
عقيديتنا في البخور[1]
البروتستانت لا يستخدمون البخور، ولا المباخر (المجامر). ويعتبرون ذلك من عبادات العهد القديم التي انتهت، لأنها في اعتقادهم كانت مجرد رمز. ونود هنا أن نستعرض تاريخ البخور قديمًا وحديثًا. ونرى هل كان رمزًا أم عملًا روحيًا قائمًا بذاته.
- قال الرب لموسى: ” وَتَصْنَعُ مَذْبَحًا لإِيقَادِ الْبَخُورِ” (خر30: 1).
ويقدم الرب لنا هنا ملاحظة جميلة جدًا. وهي أن البخور كان يعتبر في حد ذاته ذبيحة يقدمونها على مذبح يسمى مذبح البخور.
- وقد اهتم الرب بمذبح البخور اهتمامًا شديدًا، فأمر أن يكون مغشى بالذهب من كل ناحية، وله إكليل من ذهب، ويحمل على عضوين مغشيين بالذهب. ويوضع قدام الحجاب الذي أمام تابوت العهد (خر30: 3- 6). حيث يجتمع الله بموسى.
- كان يشترط في البخور أن يكون “بخورًا عطرًا” ويقول الرب في ذلك: ” فَيُوقِدُ عَلَيْهِ هَارُونُ بَخُورًا عَطِرًا كُلَّ صَبَاحٍ”(خر30: 7). وكذلك في العشية ” بَخُورًا دَائِمًا أَمَامَ الرَّبِّ فِي أَجْيَالِكُمْ ” (خر30: 8).
وقد ذكرت مواد البخور العطرية في (خر30: 34). وقيل عن هذا البخور: ” يَكُونُ عِنْدَكَ مُقَدَّسًا لِلرَّبِّ ” (خر30: 37) بل قيل أكثر من هذا أنه: “قُدْسَ أَقْدَاسٍ يَكُونُ عِنْدَكُمْ” (خر30: 36). فلا يصنع أحد منه لنفسه..
وقد تكررت عبارة البخور العطر في مواضع كثير من الكتاب، كما في (خر25؛ 37: 29؛ لا16: 12). فكان البخور يمثل رائحة ذكية عطرة تصعد إلى الرب.
- قال البعض خطأ، أن البخور كان يقدم مع المحرقات، لإزالة رائحتها. وقد أُلغيت الذبائح الحيوانية، فألغي البخور تبعًا لذلك.
وهذا الفهم ليس سليمًا. فالبخور كان لونًا من العبادة مستقلاً بذاته وكان له مذبح خاص غير مذبح المحرقة. وكان له طقس خاص في تقديمه. وكان مقصود لذاته كصلاة، وليس رمزًا لشيء، كما سنري.
- نلاحظ أنه عندما ضرب الرب الشعب بالوبأ، أوقد هارون رئيس الكهنة البخور بأمر من موسى النبي، ليشفع في الناس أمام الله. لما دخل في وسطهم وبخر انقطع الوبأ وقبل الله منه هذا البخور كصلاة (عدد16: 44- 48).
ونلاحظ هنا أنه لم تقدم ذبيحة عنهم، إنما قدم البخور وحده، ولم يكن من أجل رائحة محرقات، إنما قدم للتكفير عن الشعب، كأنه ذبيحة (عدد16: 46، 47).
- من أهمية البخور، أنه ما كان يقدمه أحد سوى الكهنة فقط. وهو هنا يبدو في مركز أعلى من الصلاة، لأن الصلاة يقدمها لله أي فرد من الشعب. ونلاحظ أنه لما تجرأ قورح وداثان وابيرام، وقربا بخورًا، انشقت الأرض وابتعلتهم جميعًا أحياء، هم وكل بيوتهم (عد16: 31، 32). ولم يكن ذلك بسبب تقديمهم ذبيحة، وإنما لتقديمهم بخورًا، مع أنهم من سبط لاوي..
- ومن أهمية البخور، أنه كان يقدم في مجامر من ذهب كما ورد في (عب9: 4) وكما قيل عن الأربعة والعشرين قسيسًا أنه كانت لهم: ” جَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا “(رؤ5: 8).
- وقد وردت نبوءة في سفر ملاخي النبي عن استمرار البخور وعدم اقتصاره على العصر اليهودي. إذ قال الرب: ” لأَنَّهُ مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا اسْمِي عَظِيمٌ بَيْنَ الأُمَمِ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ يُقَرَّبُ لاسْمِي بَخُورٌ وَتَقْدِمَةٌ طَاهِرَةٌ” (ملا1: 11). وطبعًا العبادة وسط الأمم (في كل مكان) لم تحدث إلا في العصر المسيحي. ولهذا يكون الرب قد جعل البخور من بنود العبادة المسيحية.
- ومن اهتمام الرب بالبخور في العهد الجديد ورد مثالين عنه في سفر الرؤيا (رؤ5: 48 ورؤ8: 3) وهما:
- قيل عن الأربعة والعشرين قسيسًا (كاهنًا)، “أن لهم ” جَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ” (رؤ5: 8).
- يقول القديس يوحنا الرائي: “وَجَاءَ مَلاَكٌ آخَرُ وَوَقَفَ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، وَمَعَهُ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَأُعْطِيَ بَخُورًا كَثِيرًا لِكَيْ يُقَدِّمَهُ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ جَمِيعِهِمْ عَلَى مَذْبَحِ الذَّهَبِ الَّذِي أَمَامَ الْعَرْشِ. فَصَعِدَ دُخَانُ الْبَخُورِ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ مِنْ يَدِ الْمَلاَكِ أَمَامَ اللهِ.” (رؤ8: 3، 4).
- تعليقًا على عبارة “صعد دخان البخور مع صلوات القديسين” نقول إن حياة الكنيسة كلها بخور. بل أن الكنيسة شبهت في سفر النشيد بالبخور، حينما قال عنها الوحي الإلهي:
“مَنْ هذِهِ الطَّالِعَةُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ كَأَعْمِدَةٍ مِنْ دُخَانٍ، مُعَطَّرَةً بِالْمُرِّ وَاللُّبَانِ وَبِكُلِّ أَذِرَّةِ التَّاجِرِ؟” (نش3: 6).
- ومن المواقف الجميلة أيضًا في قصة تاريخ البخور في حياة القديسين، أن زكريا الكاهن ظهر له ملاك الرب واقفًا على يمين مذبح البخور، فيما هو يبخر في دورته (لو1: 8- 11). مما يدل على قدسية هذا الموضع، وقدسية عملية التبخير. واستحقاق هذه المناسبة المقدسة لأن تصحب بالإعلانات الإلهية.
وواضح من قصة نوبة زكريا الكاهن في التبخير، أن رفع البخور كان عملًا قائمًا بذاته، غير مرتبط بتقديم ذبيحة أو محرقة.
- من أهمية البخور في المسيحية، إن اللبان (مادة البخور) كان من الهدايا التي قدمها المجوس للسيد المسيح. وكانت رمزًا لكهنوته، أو اعترافًا من المجوس بكهنوته، كما كان الذهب رمزًا لملكه، والمر رمزًا لآلامه.
- للبخور معان كثيرة تشبع الحواس وتغذي النفس. وليس جميع الذين يحضرون إلى الكنيسة من المستوى الذي يشترط فيه عمق الروح وعمق التفكير.. فالأطفال مثلًا، الذين لا يدركون كثيرًا ما يقال في العظات، وما يسمعونه من القراءات، وحتى ما يسمعونه من الصلوات هؤلاء يتأثرون روحيًا بحواسهم من جهة البخور والشموع والأيقونات وتكون كدروس روحية لهم تنقلهم إلى جو روحي. وهكذا الكثير من العوام، والمؤمنين العاديين غير المتبحرين في العلم والمعرفة وغير الدارسين لكتب اللاهوتيات.
فماذا في البخور من معان روحية، ومن تأملات؟
- أول درس يتلقونه من البخور، هو قول الرب: “مَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا “ (مت10: 39). ومثال ذلك حبة البخور التي تحترق وتحترق، حتى تتحول إلى أعمدة معطرة من دخان. وتبحث عنها في المجمرة كحبة بخور، فلا تجدها، إذ تكون قد قدمت ذاتها محرقات لله. فالمحرقات ليست فقط من الذبائح، وإنما من البخور أيضًا، الذي اعتبره الكتاب ذبيحة تقدم على مذبح البخور، وتعطينا درسًا وأي درس…
فما أجمل أن يقدم الإنسان ذاته محرقة للرب. كل تقدمة أخرى هي خار الذات. أما تقدمة الذات فإنها أعظم التقدمات.
وتقدمة الذات يمثلها وضع حبة البخور في النار. وقد قيل عن إِلهَنَا أنه نَارٌ آكِلَةٌ (تث4: 24). وقد كان القديسون حبات من البخور وضعت في المجمرة الإلهية، فاحترقت بمحبة الله.
- والدرس الثاني في البخور هو الصعود إلى فوق باستمرار:
لا يقبل البخور على نفسه إطلاقًا أن يقبع في أسفل، بل هو يرتفع في السماء، ويمتد وينتشر، ولا يتوقف مطلقًا في صعوده وفي انتشاره. وأنت إذا نظرت إلى البخور وتابعته، لابد أن ترفع عينيك إلى فوق إلى السماء، أردت أو لم ترد. وهكذا كان البخور باستمرار يجذب حواس الناس إلى فوق. وكأنه سهم يشير إلى السماء باستمرار.
- درس آخر للبخور: إنه يمثل الرائحة الذكية:
ولهذا كان الكتاب يشترط فيه أن يكون بخورًا عطرًا. كل من يشم هذا البخور يتذكر أن حياة الإنسان ينبغي أن تكون عطرة الرائحة أمام الله.
وكما قال الكتاب: “لأَنَّنَا رَائِحَةُ الْمَسِيحِ الذَّكِيَّةِ للهِ. “يُظْهِرُ بِنَا رَائِحَةَ مَعْرِفَتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ” (2كو2: 15، 14).
- ومن أجمل ما في البخور من تأملات أنه يذكرنًا بالضباب أو السحاب الذي كان الله يظهر فيه:
وكما قال الرب: “لأني في السحاب أترامي على الغطاء (غطاء تابوت العهد)” (لا16: 2). وهكذا وردت في سفر اللاويين عبارة “سَحَابَةُ الْبَخُورِ” (لا16: 13). وقيل عن هارون رئيس الكهنة: “يَأْخُذُ مِلْءَ الْمَجْمَرَةِ جَمْرَ نَارٍ عَنِ الْمَذْبَحِ مِنْ أَمَامِ الرَّبِّ، وَمِلْءَ رَاحَتَيْهِ بَخُورًا عَطِرًا دَقِيقًا، وَيَدْخُلُ بِهِمَا إِلَى دَاخِلِ الْحِجَاب. وَيَجْعَلُ الْبَخُورَ عَلَى النَّارِ أَمَامَ الرَّبِّ، فَتُغَشِّي سَحَابَةُ الْبَخُورِ الْغِطَاءَ الَّذِي عَلَى الشَّهَادَةِ فَلاَ يَمُوتُ.” (لا16: 12، 13).
وكان الله في إرشاد شعبه في العهد القديم، سواء في خيمة الاجتماع، أو في الهيكل، أو في برية سيناء، يظهر للناس في السحاب، أو في الضباب. وكان إرشاده للشعب في برية سيناء، على هيئة سحابة تظللهم في النهار، تمثل الله وهو يظلل عليهم، فإذا تحركت السحابة يعرفون أن الله يحركهم فيتحركون. وإن وقفت السحابة يقفون (عد9: 17). وهكذا قيل: “وكانت سحابة الرب عليهم نهارًا في ارتحالهم” (عد10: 34).
- وفي مجيء المسيح إلى مصر، قيل إنه على سحابة (إش19: 1). وكانت السحابة ترمز إلى العذراء، وكانت العذراء رائحة بخور صعدت إلى فوق. وفي مجيء المسيح الثاني سيأتي أيضًا على السحاب (مت24: 30). فالسحاب كان يمثل حضور الله في العهدين القديم والجديد.
- وفي قصة التجلي نجد مثالًا لحضور الله في السحاب:
لقد قيل إنه بينما كان السيد المسيح يكلم تلاميذه الثلاثة: “كانت سحابة تظللهم. فخافوا عندما دخلوا في السحابة. وصار صوت من السحابة قائلًا: هذا هو أبني الحبيب. له اسمعوا” (لو9: 34، 35).
باقي مقال عقيدتنا في البخور
- وهكذا كان الرب يكلم موسى من السحب. وحينما كلم الرب موسى يقول الكتاب “فصعد موسى إلى الجبل. فغطى السحاب الجبل. وحل مجد الرب على جبل سيناء، وغطاه السحاب ستة أيام. وفي اليوم السابع دعيَّ موسى من وسط السحاب” (خر24: 15، 16).
وبالمثل حينما كان يكلمهم من خيمة الاجتماع، وكان يغطيها السحاب أو الضباب.
- نفس الأمر نجده في تدشين هيكل سليمان. يقول الكتاب “وكان لما خرج الكهنة من القدس، أن السحاب ملأ بيت الرب ولم يستطع الكهنة أن يقفوا للخدمة بسبب السحاب. لأن مجد الرب ملأ البيت. حينئذ تكلم سليمان: “قال الرب إنه يسكن في الضباب..” (1مل8: 10: 12).
- فالبخور يمثل سحابًا أو ضبابًا يذكر بحلول الله أو مجد الله وفي (مز97: 2) من مزامير الساعة التاسعة يقول “السحاب والضباب حوله. ركب على السحاب وطار. طار على أجنحة الرياح.
البخور إذًا فيه الكثير من المعاني الروحية لمن يحب أن يستفيد منه وهو لون من العبادة، قائم بذاته، لم يكن مرتبط بالذبائح بحيث يزول بزوالها.
- وأخيرًا نقول إنه لا يوجد نص واحد في العهد الجديد يأمر بإلغاء البخور. “مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ” (رؤ2، 7).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة السابعة عشر – العدد الخامس 3-2-1989م



