كيف نرضي الله؟

كيف نرضي الله؟[1]
تحدثنا في الأسبوع الماضي عن كيف نريح الناس، كيف نفرحهم ونرضيهم. ونريد في هذا الأسبوع أن نتكلم عن كيف نرضي الله…
كيف نرضي الله؟
إننا نسعى بكل جهدنا لإرضاء الناس، بحيث لا يتعارض ذلك مع إرضاء الله. ولذلك حسنًا قال الرسول: “إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ” (رو12: 18).
لأن هناك مواقف، يكون فيها من غير الممكن إرضاء جميع الناس. قد تشهد أحيانًا للحق، فيتعب الناس من شهادتك. وقد يكون صدقك لا يرضيهم… وقد تضطر أحيانًا إلى توبيخ بعض أعمال الظلمة، فلا يرضى عنك السالكون في الظلمة…
وقد يرضى الناس أن تجاملهم أو تجاريهم في سلوكهم، أو تشاركهم في أعمالهم الخاطئة التي تتعب ضميرك بينما يقول الكتاب: “وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ” (مز1: 1).
المهم أن يكون إرضاؤك للناس، داخل دائرة إرضائك لله.
لأنك لا تستطيع أن ترضي الناس على حساب الله، أو على حساب ضميرك. ففي هذا قال الرسول: “أَفَـأَسْتَعْطِفُ الآنَ النَّاسَ أَمِ اللهَ؟ أَمْ أَطْلُبُ أَنْ أُرْضِيَ النَّاسَ؟ فَلَوْ كُنْتُ بَعْدُ أُرْضِي النَّاسَ لَمْ أَكُنْ عَبْدًا لِلْمَسِيحِ” (غل1: 10).
إرضاء الله هو الأساس، وإرضاء الناس مشروط بإرضاء الله وإلا علينا أن ننصت إلى قول الرب: “مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي” (مت10: 37)، وإلى قول الرسول: “يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ” (أع5: 29).
مادام الأمر هكذا إذن كيف يمكن أن نرضي الله؟
أول وسيلة وأهم وسيلة لإرضاء الله هي الحب.
كل جهادك في حياتك الروحية، كل صلواتك، كل رغباتك ينبغي أن توجه للحصول على محبة الله.
وإذا وصلت إلى محبة الله وصلت إلى كل شيء.. حينئذ ستجد كل الوصايا سهلة، وستجد كل الروحيات فيها لذة وتصير محبتك للناس شيئًا طبيعيًا وروحانيًا، لا تبذل فيه مجهودًا…
قم بعملية تفريغ. فرغ قلبك من كل محبة تتعارض مع محبة الله، واملأ قلبك بمحبة الله وحده. ثباتك في الله، هو ثباتك في محبته. “اللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ” (1يو4: 16)، وإذا أحببت الله، ترضيه فتفعل وصاياه.
ويكون تنفيذ الوصايا حبًا لا واجبًا…
وهنا نرى أن إرضاء الله يأتي أيضا بالتوبة.
والتوبة الحقيقية هي التي تدفع إليها المحبة. هي استبدال شهوة بشهوة. ترك شهوة العالم، لأجل شهوة الله.
وهكذا لا تكون التوبة مجرد ترك الخطية أو كراهية الخطية، فكل هذه سلبية. أما إيجابية التوبة فهي محبة الله. محبة الله تحرق كل خطية في قلبك، وتوصلك إلى التوبة.
مساكين الذين تركوا الخطية، وعاشوا في فراغ ليس فيه محبة الله… ما أسهل رجوعهم للخطية مرة أخرى.
لذلك فقيادتنا الناس للتوبة، يجب أن تأتي عن طريق غرس محبة الله في قلوبهم، فتزول لذة الخطية، وتحل محلها محبة الخير ولذة الحياة الجميلة مع الله…
إن الله لما وبخ ملاك كنيسة أفسس، لم يوبخه على خطية، وإنما لأنه ترك محبته الأولى…
والإنسان إذا أحب يكون مستعدًا أن يبذل كل شيء حتى نفسه. وإذا نفذ الوصية. ينفذها عن حب، وليس مجرد شكليات من الخارج. ولا يجد الوصية ثقيلة…
إن داود حينما يتكلم عن الوصية، يتكلم عنها في حب. “وجدت كلامك كالشهد فأكلته”، “فرحت كمن وجد غنائم كثيرة”، “شهاداتك هي لذتي.. هي درسي.. تلاوتي.. (مز119).
حتى كلام الله الذي يوبخك ويبكيك، تفرح به “الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ” (أم3: 12). وهكذا تفرح بكل ضيقة وتراها لفائدتك.
وهكذا إذا أحببت الله، لا تشكو، ولا تتذمر من شيء، ولا تتضجر. ولا تقول إن الله تركني، بل باستمرار تكون فرحًا بالرب. وهذا يجعلنا ندخل في موضوع الثقة بالله.
إن أحببت أن ترضي الله، يجب أن تثق به..
تثق بمحبته وبمعاملته، وحسن تدبيره لك. ولا تشك في الله أبدًا، بل تقول: “المر الذي يختاره الرب لي، خير من الشهد الذي أختاره لنفسي”..
بالثقة تحيا مع الله حياة التسليم الكامل. وفي التسليم يشعر ببنوتك وبطاعتك، ويمكنه أن يقودك دون عائق من إرادتك.
وبالثقة تحيا مع الرب في حياة الفرح الدائم.
تفرح به كصانع للخيرات، كل ما يعمله معك لا بد أن يكون خيرًا. حتى إن كنت لا ترى الأمور كذلك، فالعيب في فهمك ونظرك لا في عمل الله وحكمته.
وإن حوربت في ذلك، تصرخ إلى الله: أعطني البصيرة الروحية، التي أرى بها الحب في كل تدبيرك، وأرى بها الحكمة في كل عملك معي. وما تصنعه معي، أضع عليه خاتم (كله للخير…).
نعم، “كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ” (رو8: 28).
أنت ترضي الله بالحب، وبالتوبة، وبالثقة، بالإيمان الذي يملأك بالفرح. وأيضًا ترضيه بالاتضاع…
الإنسان المتكبر يراجع أعمال الله، ويحكم عليها بمفاهيمه. أما المتضع، فيقبل كل شيء من الله برضى وثقة. من أنا التراب والرماد، حتى أناقش أعمال الله، التي هي فوق كل فحص واستقصاء…؟! إن المتضع في كل تصرفاته الله معه، تردد نفس عبارة العذراء “هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ… ” (مت1: 38).
إن حياة التسليم لا تقتنيها إلا بالثقة، وبالاتضاع…
ما تريده أنت يا رب لا ما أريده أنا… حكمتك أنت يا رب وليس جهلي. أنا بذاتي لا أفهم شيئًا…
وهكذا يتخلص المتضع من ذاته، لكي يحيا في الله، كقول الرسول: “فَأَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ” (غل2: 20).
طالما الإنسان يتمسك بذاته، بحكمته، بفهمه، بحقوقه، برغباته، بثقته بنفسه. حينئذ لا يمكن أن يرضي الله..
أريد يا رب أن أنكر ذاتي، لأحيا فيك، وأحيا بك. أريد أن أضيع هذه النفس، لكي أجدها فيك، كما قلت:
“مَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا”… (مت10: 39).
أضيع هذه النفس الخاطئة، لأجد نفسًا على صورتك ومثالك.
أضيع نفسًا معتمدة على قدراتها، لأجد أخرى معتمدة عليك…
أضيع نفسًا متكبرة، لأجد نفسًا وديعة ومتواضعة القلب مثلك.
اسأل نفسك يا أخي: هل أنت ترضي الله؟ أم ترضي الناس؟ أم ترضي نفسك؟ وليتك تضحي بإرضائك لنفسك… من أجل إرضاء الله.
وإرضاء الناس داخل إرضاء الله… وباستمرار خذ المتكأ الأخير، لا من جهة المكان، بل المكانة. وحينما تريح الله وتريح الناس، ستشعر أنت أيضًا براحة التعب ولذته، كما ذاق الآباء حلاوة النسك، وكما ذاق الشهداء حلاوة العذاب.
إن كنت تؤمن بيسوع المصلوب اصعد على الصليب، من أجل الله والناس، مثله حينئذ تشعر براحة، هي راحة البذل والفداء.
وحينما تكمل محبتك نحو الكل، ستصرخ من فوق صليبك “قَدْ أُكْمِلَ” (يو19: 30)، “الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ” (يو17: 4) والله الذي لا ينسى تعب المحبة، سيعطيك نعمة الصعود، والجلوس عن يمينه، كما أعطاك بركة الصليب.
فهل أنت تسعى إلى الراحة الموجودة في التعب، أم أنت تشقى بتعب الراحة، بعيدًا عن البذل…؟
اتعب إذن من أجل الله والناس، وأترك كل شيء يعوق محبتك لله واحمل صليبك واتبعه… وأبذل كل شيء من أجله ومن أجل أولاده، حتى نفسك…
وإن بذلت نفسك، ستجدها إلى جواره على الصليب، وستسمعه يقول لك: “الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ” (لو23: 43)
وإن لم تقدر أن تصعد معه على الصليب، اسأل نفسك: كيف سأتمجد معه، إن لم أتألم معه؟ وكيف سأحيا معه، إن لم أمت أولًا معه؟
أتراك أرضيت الله، بالحب، وبالتوبة، وبالثقة، وبحياة التسليم، وبالتعب والبذل والصعود على الصليب…؟
هناك أمور أخرى في إرضاء الله لست أرى الوقت يسمح بسردها جميعًا. إنما المهم أن تكون لنا الرغبة في إرضاء الله…
والرغبة في إرضاء الله والبذل من أجله، ينبغي أن تتذكر فيها كم بذل هو من أجلك. ومن أجل خلاصك وتتذكر قول الرسول: “نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً” (1يو4: 19).
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “كيف نرضي الله؟”، الكرازة 8 يوينة 1979م.



