فليهتم الأسقف بكل أحد ليخلصه

فليهتم الأسقف بكل أحد ليخلصه[1]
ما هو عمل الأسقف؟ وما هو شغله الشاغل؟
ليس عمل الأسقف عملًا إداريًا، وإنما هو عمل روحي في صميمه، هدفه خلاص كل نفس في إيبارشيته.
وكما كان السيد المسيح يجول من مدينة إلى أخرى، “يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ” (مت4: 23)، ويوضح رسالته قائلًا: “لِنَذْهَبْ إِلَى الْقُرَى الْمُجَاوِرَةِ لأَكْرِزَ هُنَاكَ أَيْضًا، لأَنِّي لِهذَا خَرَجْتُ” (مر 1: 38).. هكذا كان تلاميذه ورسله..
عندما دعاهم، إنما دعاهم لهذا الغرض “هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا تَصِيرَانِ صَيَّادَيِ النَّاسِ” (مر1: 17). وهكذا كان عملهم “خِدْمَةِ الْكَلِمَةِ” (أع 6: 4).
وهذا هو عمل خلفاء الرسل، أن يجولوا من مدينة إلى مدينة، ومن قرية إلى قرية، سعيًا وراء خلاص النفوس (1بط 1: 9)، “بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً،.. فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ، فِي أَسْهَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً” (2كو11: 26، 27)، كما قال بولس الرسول: “عَدَا مَا هُوَ دُونَ ذلِكَ: التَّرَاكُمُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ، الاهْتِمَامُ بِجَمِيعِ الْكَنَائِسِ. مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟” (2كو 11: 28، 29).
كل أحد:
“فليهتم الأسقف بكل أحد” هكذا أمرت الدسقولية، ولخصت عمل الأسقف. فماذا تعني عبارة “كل أحد”.
لا تعني فقط الأقباط الأرثوذكس في المنطقة، وإنما جميع الطوائف المسيحية أيضًا. وليس هذا فقط، بل غير المؤمنين كذلك، لأن للأسقف عملًا كرازيًا يجب أن يقوم به..
فهل حقًا يهتم الأسقف بكل أحد، ما دام سيعطي حسابًا عن كل أحد؟! أو على الأقل هل هو يهتم بالأقباط الأرثوذكس في إيبارشيته؟
هل هو يهتم بكل أحد منهم: بالصغار وبالكبار، بالجهلة وبالمتعلمين، بالمرأة وبالرجل.. بكل أحد.
على أننا قبل أن نقول “فليهتم الأسقف بكل أحد ليخلصه”، علينا أن نسأل أولًا: هل يعرف الأسقف كل أحد في إيبارشيته، إذ كيف يهتم بالناس وهو لا يعرفهم؟!
قال السيد المسيح له المجد: “أَمَّا أَنَا فَإِنِّي الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي، كَمَا أَنَّ الآبَ يَعْرِفُنِي وَأَنَا أَعْرِفُ الآبَ. وَأَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ الْخِرَافِ” (يو10: 14، 15). ولم يقل أنه يعرف خرافه فقط، بل قال أكثر من هذا إنه “فَيَدْعُو خِرَافَهُ الْخَاصَّةَ بِأَسْمَاءٍ وَيُخْرِجُهَا” (يو10: 3).
فهل الأسقف يعرف رعيته، بأسمائها؟ هل عنده سجلات رسمية بكل أولاده: بكل أسرة، بكل شاب، بكل طفل؟ وهل هذه السجلات أساس لخدمته؟ متى يبدأ الأسقف بالتعرف على خاصته؟ متى يشعر كل فرد أن له اسمًا محفوظًا في ذاكرة الأسقف؟ متى؟
بل أن هذه المعرفة لها في القاموس الرعوي معنى أكبر.. فالمفروض في الأسقف أن يعرف كل أحد، ليس اسمه فقط، وإنما حالته أيضًا، فيطمئن على روحياته.
وأن كان هذا أمرًا رهيبًا لا يقدر عليه الأسقف بشخصه، فعلى الأقل ينبغي أن يعرف كل أحد، عن طريق كهنته وشمامسته، الذين ينبغي انتقاؤهم من العناصر المحبة للخدمة، المتفانية في نشر الملكوت. كما يمكنه أن يعرف عن طريق الافتقاد.
الافتقاد والزيارات:
ليس الافتقاد هو مجرد زيارة من الأسقف أيًا كان هدفها. فهناك زيارات لها أهداف شكلية، أو أهداف مالية، أو مجرد مشاركة اجتماعية.
إنما نعني بالافتقاد “الزيارة الروحية”. زيارة الروح القدس للبيت عن طريق الأسقف، زيارة يطمئن بها الأسقف على صلة أولاده بالله، ويعمل فيها كل جهده لإيجاد هذه الصلة، أو لتقويتها وإنمائها.
وما نقوله عن زيارة الأسقف الروحية، نقوله أيضًا عن الكاهن.
في هذه الزيارة يطمئن الراعي على وجود كتاب مقدس في البيت، وعلى قراءة كل فرد للكتاب، وعلى مدى حفظ أفراد الأسرة لآيات الكتاب، ويطمئن أيضًا على صلواتهم وأصوامهم، ومواظبتهم على حضور الكنيسة، وعلى الاعتراف والتناول من الأسرار المقدسة.
وفي هذه الزيارة يطمئن على حسن علاقاتهم ببعضهم البعض، وعلى حسن علاقاتهم بباقي الناس. كما يطمئن على طباعهم وعاداتهم. ويعظهم بما يلزمهم من روحيات.
وفي هذه الزيارة يعطي الراعي، كأب لأولاده. يعطي هذا كتابًا مقدسًا، وذاك صورة، ويعطي تلك صليبًا، أو يعطي أية مكتوبة تعلق على الحائط. كما يعطي أيضًا كلمة تشجيع أو عبارة تعزية، أو مجرد بشاشة وجه..
ويجعل الكل يشعرون أن زيارته كانت بركة، وكانت فرحًا..
فليهتم بكل أحد ليخلصه:
أن أفراد الشعب يحتاجون إلى من يظهر اهتمامه بهم، وحرصه عليهم. لذلك قالت الدسقولية: “فليهتم الأسقف”..
وعبارة “فليتهم” لا تعني مجرد رسميات، وإنما شعور القلب، وعمل العزيمة والإرادة، والتحرك الفعلي للتنفيذ.
وهدف هذا الاهتمام هو خلاص النفس، وتوصيلها للمسيح.
فعلى الراعي أن يهتم بالاجتماعات الروحية وينميها ويقويها، ويجعلها سبب خلاص لكثيرين. فيقيم اجتماعات عامة، واجتماعات للشباب، وللشابات، وللعمال، وللقرويين، كما يهتم بمدارس التربية الكنسية، لأنه إن صلح الطفل صلح المجتمع كله.
ولا يصح مطلقًا أن يتخذ الراعي له أعداء أو منافسين، لأن الكل أولاده ينبغي أن يهتم بهم ويسعى لخلاصهم، لا أن يعاديهم ويعادوه، ويقاومهم ويقاوموه. أنهم جزء منه، وجزء من الكنيسة، وجزء من جسد المسيح. وعليه أن يهتم بهم ليخلصهم، تماما كأحبابه ومؤيديه ومساعديه.
إلى هنا وتقف قدرة هذه الصفحات، فالي اللقاء في عدد مقبل..
[1] مقال: الأنبا شنوده أسقف المعاهد الدينية والتربية الكنسية “صفحة الرعاية – فليهتم الأسقف بكل أحد ليخلصه”، الكرازة: يونيو، يوليو 1967م.



