فلنبدأ بدءًا حسنًا

| الكتاب | فلنبدأ بدءًا حسنًا |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الثانية،2021م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 19681/ 2021م |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب:
فلنبدأ بدءًا حسنًا
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
هذا الكتاب
مع انتهاء عام، وبداية عام ميلادي جديد، يسر مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث، أن يصدر كتابًا جديدًا آخر بمناسبة العام الجديد لقداسة البابا شنوده الثالث، الذي سبق وأصدر لنا كتابًا بعنوان "كيف نبدأ عامًا جديدًا"، وقال في مقدمته: "في كل سنة كانت تمر علينا، كنا نجتمع معًا، لنتأمل كيف يجب أن نبدأ هذه السنة بداية روحية سليمة..".
وهذا الكتاب الجديد "فلنبدأ بدءًا حسنًا"، يحتوي على مقالات لقداسة البابا شنوده الثالث، كتبها قداسته عن هذه المناسبة سواء في بداية العام الميلادي، أو العام القبطي. ويعتبر هذا الكتاب هو الكتاب الثاني في مناسبة العام الجديد.
ونحن في هذا الكتاب نجد معلمنا قداسة البابا شنوده الثالث يحرص أن ينير لنا الطريق من البداية، فيحدثنا عن البدء والله معنا. ثم كيف نبدأ؟ ومتى نبدأ؟ وكيف نستمر بعد البداية؟ ويؤكد قداسته على أهمية وضرورة التغيير الإيجابي في حياتنا. بحياة جديدة، وبفكر جديد، وبسلوك جديد، بل بإنسان جديد في كل شيء.. ويطالب قداسته أن يصر كل منا أن تكون هذه السنة الجديدة هي أحسن سنة، وأن تكون هي أفضل سنوات العمر.
ولذلك ينبغي أن تكون لنا رسالة واضحة وسليمة في الحياة التي نعيشها، ومدى شعور الناس وإدراكهم لأهميتنا في حياتهم بالعمل الذي نقوم به، سواء العمل الروحي، أو العمل الاجتماعي.. وأيضًا في البناء الروحي، ومشاركة الله في البناء، لأنه "إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ، فَبَاطِلاً يَتْعَبُ الْبَنَّاؤُونَ" (مز127: 1)، وفي تشجيع البنّائين الآخرين وتعضيدهم.
وفي نفس الوقت يعلمنا قداسة البابا شنوده الثالث أن نتأمل في الخروج من عبودية الخطية وتحرير إرادتنا للرب، ولعل قصة خروج بني إسرائيل من مصر، وكيف تعامل الله مع الشعب اليهودي ومع فرعون مصر أيضًا، صورة مضيئة لنا في الطريق. ولهذا أكد قداسته أن نحرص دائمًا على محاسبة أنفسنا على الدوام، سواء بعلاقتنا بالله، أو بالناس، أو بأنفسنا. إن في هذا تأكيد على الاستمرار في الحياة الجديدة الروحية والسليمة والنقية من أجل خلاصنا، وتحقيق أبديتنا.
نطلب من الرب أن يبارك هذا العمل، ويكون هذا الكتاب نافعًا لنا في حياتنا الروحية، وفي ارتباطنا بالمسيح إلهنا وفادينا ومخلصنا، بشفاعة والدة الإله القديسة مريم العذراء، ومثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث، وصلوات أبينا الطوباوي قداسة البابا المعظم الأنبا تواضروس الثاني خليفة القديس مارمرقس الرسول.. ولإلهنا المجد والسبح دائمًا.
القمص بطرس بطرس جيد - مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث قداسة البابا شنوده الثالث
في البدء
في البدء*
نلاحظ أن سفر التكوين أول أسفار الكتاب المقدس يبدأ بعبارة (في البدء)، وكذلك إنجيل يوحنا آخر إنجيل قد كُتب، يبدأ أيضًا بعبارة (في البدء). وأنا أريد أن أتخذ هذه العبارة موضوع تأملنا:
عبارة في البدء
سفر التكوين يبدأ بعبارة "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.." فهو يتكلم عن بدء الخليقة.. ويتكلم أيضًا عن بدء حياة البشر، وبدء الخطية، وبدء العقوبة، ثم بدء الحياة على الأرض، وبدء نبوات الأنبياء عن مجيء السيد المسيح. ثم بدء قصة إبراهيم وقصة داود.. إلخ.
أي أن عبارة (في البدء) في سفر التكوين تعني بدءًا زمنيًا.
أما عبارة (في البدء) في إنجيل يوحنا فتعني (في الأزل). أي قبل الزمان، حيث يتكلم عن أزلية السيد المسيح ولاهوته فيقول:
"فِي الْبَدْءِ (أي الأزل) كَانَ الْكَلِمَةُ (اللوجوس)، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ". ثم يتحدث عن التجسد، فيقول: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ..". ذلك لأن التجسد هو بدء قصة الخلاص. ولهذا فإن سمعان الشيخ لما رأى السيد المسيح في الجسد، قال: "الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ" (لو2: 29، 30) ويستمر القديس يوحنا في متابعة قصة التجسد، فيقول: "إنه على الرغم من أن العالم به كُوّن، إلا أنه كان بالتجسد في العالم، والعالم لم يعرفه، وأنه إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ" (يو1: 10، 11). ويستمر في سرد قصة التجسد، حتى ينتهي إلى سرد الخلاص بالدم على الصليب.
ولما كانت عبارة (في البدء) قد أثرت فيَّ جدًا، لذلك اتخذتها عنوانًا لموضوعي.
الله في بدء حياتك معه
الله نفّذ عبارة (في البدء) في علاقته معك. فحياتك مع الله بدأت بالمعمودية، وهذه نعمة الله أنك تولد ولادة جديدة من الماء والروح لست أنت السبب فيها. ثم بدء علاقتك بالروح القدس عن طريق سر الميرون المقدس، حين بدأ الروح القدس يسكن فيك، وهذه نقطة مهمة ينبغي لك أن تتذكرها. ثم بدء علاقتك بسر الإفخارستيا.. كل هذا حدث لك منذ طفولتك، وهذه كلها من نعم الله عليك.
ماذا أيضًا عن حياتك الروحية. لا شك أن الله بدأ بها وقادك إلى التوبة، وقادك أيضًا إلى الكنيسة وحضور اجتماعاتها.
وكمثال لبدء الله في العمل الروحي معنا.
شاول الطرسوسي الذي كان الله في حياته منذ البدء، فهو الذي دعاه من بطن أمه (غل 1: 15)، ثم دعاه في طريق دمشق، ووبّخه على اضطهاده للكنيسة (أع 9) فتاب. والله هو الذي صيّره رسولًا. كل هذه أمور بدأها الله وقام بها. وكان كل عمل شاول أنه استجاب لعمل الله فيه من البدء. فمن البدء كان الله في حياته..
هكذا أنت أيضًا كان الله في بدء حياتك الروحية.
هو الذي نخسك بروحه، وبكّتك على الخطية، وقادك إلى التوبة وإلى الاعتراف والتناول. وأنت بدونه ما كنت تقدر أن تفعل شيئًا (يو15: 5). فلا تنس كل هذا. لا تنس أن الله كان في بدء حياتك الروحية، وهو الذي دعاك أن تسلك في طرقه.
لهذا – في كل ما يتعلق بحياتك – اذكر عمل الله فيك منذ البدء. وقل: "ليس أنا، ولكن الله الذي يعمل فيَّ"، "أنَا مَا أَنَا.. بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي" (1كو 15: 10). لأنه لولا نعمة الله، ما كنت تقدر أن تخطو خطوة واحدة في طريق التوبة، بل في حياتك الروحية كلها.
لهذا اجعل عبارة الله في البدء، تنطبق على كل عمل تعمله.
ليكن الله في بدء يومك
فيكون أول شخص تكلمه في يومك. وليكن الله في بدء أكلك وشربك، فلا تأكل شيئًا قبل أن ترشمه بعلامة الصليب، وتطلب من الله أن يبارك طعامك وشرابك.
كذلك ليكن الله في بدء خروجك من منزلك، وفي بدء رجوعك إليه
فعندما تغادر بيتك، تصلي أن يكون الله معك في بدء هذا اليوم، وأن يحافظ عليك فيه. وتصلي أن يحفظك طول هذا اليوم بلا خطية.. وفي رجوعك إلى منزلك صلِّ إلى الله قبل أن تدخل، وقل له: "بارك يا رب دخولي، واجعلني أطمئن على كل أقاربي، ولا أسمع عنهم ولا منهم أي خبر يحزنني". ثم ادخل بيتك بصلاة، واشكر الله على رجوعك سالمًا.. ولا تكن مثل الذين يخرجون ويدخلون، دون أن يكون الله على ذاكرتهم ولا على لسانهم، ولا في الفكر ولا في القلب أيضًا!!
اجعل ربنا في البدء بالنسبة إلى عملك
فلا تبدأه بدون صلاة، بل قل للرَّب حالما تدخل إلى مكان عملك: "كن يا رب معي في كل ما أعمله، وهبني أمانة ودقة في عملي، واجعلني موضع ثقة في أعين الكل، وليكن كل ما أعمله تنجحني فيه". أقول هذا لأننا كثيرًا ما ندخل إلى مكان عملنا، دون أن نُدخل الله معنا فيه! ونظن أن الأمر هو مجرد علاقة بيننا وبين أصحاب العمل، أو بيننا وبين الدولة! دون أن نفتكر في أن الله هو صاحب العمل كله، وهو الرقيب عليه!
ليكن الله في البدء أيضًا بالنسبة إلى قراءاتك
فقبل أن تقرأ أية قراءة روحية، ترشم الصليب وتصلي وتقول: "أعطني يا رب الفهم من عندك، وأعطني التأثر بالكلام الذي أقرأه، وأعطني العمل بما أقرأ". بل تقول له: "أعطني يا رب أن أنتقي نوع القراءة التي تفيدني، وأعطني نعمة من عندك في هذه القراءة لتكون لمنفعتي الروحية".
بل اجعل الله في بدء كل ترفيه تتمتع به
وقل للرب: هل هذا النوع من الترفيه يرضيك؟ أم هو ضد مشيئتك فلا أقترب إليه..
والخلاصة اجعل الله يشترك معك في كل عمل، ليكون حسب مشيئته.
كذلك ليكن الله في البدء عندك من جهة الأهمية
وهنا يحل الله محل الذات، كما قال القديس بولس الرسول: "لا أنا بل المسيح الذي يحيا فيَّ"، "لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي" (1كو15: 10). وهكذا تنتهي الذات من عندك، ويصير الله هو كل شيء بالنسبة إليك. ففي كل عمل تعمله، ليكن الله في البدء.
واسأل أولًا: هل يا رب هذا العمل يرضيك أم هو ضد مشيئتك؟ واحرص أن تنال رضى الله على كل عمل تعمله. واطلب معونة الله قبل أن تعمل، وقل: بنعمتك يا رب أنا ما أنا، بل نعمة الله العاملة معي.
وفي خدمتك ليكن الله في البدء معك، قبل لقائك بالمخدومين
عيبنا الأساسي في الخدمة أننا نذهب إليها دون أن نأخذ الله معنا! المفروض أنك قبل ذهابك إلى الخدمة، تنسكب أمام الله وتقول: أنا يا رب ذاهب لأخدم، فأعطني النعمة التي أخدم بها، وأعطِ المخدومين الفهم والقبول والاستجابة. لأنه ليس بفصاحة الكلام، ولا بكثرة المعلومات يُخدَم الناس، لكن بروحك القدوس الذي يعمل فيهم.. إذًا الله يكون في البدء قبل الخدمة وقبل اللقاء بالمخدومين.
وهذا هو الذي يحدث بالنسبة إلى الكاهن الجديد، فهو لا يذهب إلى خدمته بعد سيامته مباشرة، وإنما لكي يكون الله في البدء قبل الخدمة، يذهب هذا الكاهن الجديد لكي يقضي فترة خلوة مع الله قبل ذلك، تكون فترة للامتلاء ولأخذ معونة من الله يخدم بها، ويطلب من الرب أن يرشده كيف تكون خدمته، وبعد ذلك يذهب لكي يخدم..
بنفس الطريقة، نرى أن السيد المسيح – على الرغم من أن اللاهوت ثابت فيه - فإنه لم يبدأ خدمته إلا بعد أن قضى فترة خلوة مع الآب في البرية. وبعد ذلك نزل من الجبل لكي يخدم، وهكذا يوحنا المعمدان، قبل أن يبدأ خدمته قضى سنوات طويلة في البرية، حتى امتلأ من روح الله، رغم أنه ممتلئ من الروح القدس من بطن أمّه (لو1: 17).
الله في البدء في طقس الكنيسة
عندما تدخل الكنيسة؛ ففي البدء أولًا تذهب وتسجد أمام الهيكل وتصلي، وهكذا تجلس وتستمع.. وهكذا الكاهن أيضًا، حينما يدخل إلى الكنيسة، يذهب أولًا ويقّبل المذبح، قبل أن يقابل الشعب.
نلاحظ أيضًا حتى في الصلاة الربانية يكون الله في البدء؛ فنحن نطلب أولًا أن يتقدس اسمه، وأن يأتي ملكوته وتكون مشيئته، ثم بعد ذلك نطلب الطلبات الخاصة بنا.. وهكذا قال لنا الرب أيضًا: "لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ" (مت 6: 33). هناك أشخاص حينما يصلون، يبدأون بسرد طلباتهم دون أن يمجدوا الله ويسبحونه! وللأسف لا يجعلون الله في البدء..
* مقال لقداسة البابا شنوده نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 6 أكتوبر2006م
المهم أن تبدأ
المهم أن تبدأ*
ليس المهم متى تبدأ أو كيف. إنما المهم أن تبدأ.
عاش الله وحده في الأزل، ومر ما لا يحصى من السنين. وفي لحظة معينة، أسماها الكتاب "في البدء"، بدأ الله عمله خالقًا.. "وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ" (تك 1: 2). ولكن الله بدأ عمله في التنظيم والتعمير، إلى أن قدّم لنا هذه الصورة الرائعة للطبيعة الجميلة "وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا" (تك1: 31).
وعاشت البشرية فترة جميلة – كصورة لله ومثاله – في نقاوة وبساطة وبر. ثم دخلت الخطية إلى العالم، وفسد البشر، وأخرج الله الإنسان من الجنة. ولكنه استبقاه.. وبدأ الله مرحلة جديدة، هي التعامل مع الإنسان الخاطئ، وإعداده للخلاص، وربطه بكل الأدوية المؤدية إلى الحياة.
ولكن البشرية فسدت فسادًا كاملًا، حتى اضطر الله أن يبيد العالم كله بالطوفان. ومع ذلك لم يشأ الله أن يفني البشرية، وإنما بدأ بداية جديدة، بالبار نوح وأسرته، فبارك نوح بنفس بركة آدم، واستبقى الحياة على الأرض.
ثم فسد أولاد نوح، ولُعن كنعان، ودخلت الوثنية إلى العالم. فماذا فعل الرب؟
لم يرسل طوفانًا جديدًا، إنما بدأ بداية جديدة، بأبينا إبراهيم: عزله عن العالم الشرير، وعلّمه المحرقة والمذبح، وجعله شعبًا مباركًا.. وأعطاه عهدًا بالختان، كما أعطى نوحًا عهدًا من قبل. وبدأت حياة جديدة مقدسة على الأرض..
واستمرت هذه البداية في إسحاق، وفي يعقوب إسرائيل. ثم دخلت الخطية في أبناء إسرائيل، فلم يفنهم الرب، وإنما دفعهم إلى عبودية فرعون لتأديبهم. وبعد فترة التأديب بدأ الرب بداية جديدة، بإخراج بني إسرائيل من أرض العبودية، إلى البرية حيث يعبدونه، ويكونون تحت قيادته المباشرة.
وبدأ الرب مرحلة جديدة مع الشعب هي مرحلة الشريعة المكتوبة، وقيادة الشعب بالآباء والأنبياء والكهنوت.
وفسد الشعب أيضًا، فألقاه الرب إلى السبي لتأديبه. ثم بدأ الرب بداية جديدة من خلال قديسي السبي مثل دانيال وحزقيال والثلاثة فتية، ثم العمل الكبير الذي قام به نحميا وعزرا في تطهير الشعب لله.
ولما فسد العهد القديم، كانت المسيحية بداية جديدة.. وبدأ الرب عهدًا جديدًا، قوامه الخلاص والنعمة، ودعوة الأمم، وبشارة الإنجيل. وما تزال هذه الفترة قائمة.
كل هذا فعله الله، وأعطانا به مثالًا للبدء من جديد..
وهنا أتذكر عبارة جميلة، قال فيها القديس أرسانيوس: "للآن لم أعمل شيئًا فهبني يا رب أن أبدأ".. وأيضًا قول بولس الرسول: "أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ" (في 3: 13). هذا الامتداد هو بدء جديد..
لا شك أن التوبة، هي بدء مرحلة جديدة مع الله. كثيرون يقضون حياتهم نحيبًا وبكاء على الماضي، دون أن يأخذوا خطوة إيجابية في تغيير الحياة والسير مع الله. ولكن التوبة في حقيقتها هي عمل إيجابي، في بدء حياة مقدسة مع الله.. فهل بدأت هذه المرحلة؟
في هذه التوبة، يقول الرب عن خطايا الناس: "أَنَا أَنَا هُوَ الْمَاحِي ذُنُوبَكَ، وَخَطَايَاكَ لاَ أَذْكُرُهَا" (إش 43: 25). وليس مجرد نسيان للماضي فحسب، وإنما إيجابية نحو الحاضر أيضًا إذ: "أَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ" (مز51: 7). هذا البياض العجيب، هو مرحلة مختلفة تمامًا عن سابقتها، يبدأها المؤمن في الحياة مع الله.
وقبل التوبة توجد مرحلة أخرى هي المعمودية. هي بدء حياة جديدة مع الله، يموت فيها الإنسان العتيق (رو6)، ويبدأ إنسان جديد على صورة الله.. يغفر الله كل الخطايا السابقة على المعمودية، الأصلية والفعلية. والمعتمد يلبس المسيح (غل3: 27). ويبدأ حياته كابن لله.. ولما كان الإنسان – نتيجة لحرية الإرادة – يعود فيخطئ بعد المعمودية، لذلك أعطاه الرب التوبة، ليبدأ من جديد علاقة نقية مع الله.. وما أجمل قول أحد الآباء: "إن التوبة تحوّل الزناة بتوليين". وينسى الله الماضي. المهم أن يبدأ الإنسان حياة التوبة، ليجد ذاته شيئًا آخر.
شاول الطرسوسي، كان مضطهدًا للكنيسة، وكان مفتريًا كما وصف نفسه، يجر رجالًا ونساءً إلى السجن. ولما تقابل مع الرب في الطريق إلى دمشق، بدأ مرحلة جديدة من حياته تختلف تمامًا عن حياته القديمة. بدأها باسم جديد هو بولس، وبمركز جديد كرسول، وبوضع جديد صار فيه إناءً مختارًا يحمل اسم الرب إلى أمم وشعوب. وفي هذا البدء، لم يحسب له الله ماضيه كله.
القديس أغسطينوس عاش في حياة منحرفة عشرات السنوات، ثم بدأ حياة جديدة، وكذلك موسى الأسود، ومريم القبطية. ونشكر الله أن هؤلاء بدأوا بداية قوية جدية..
أغسطينوس بدأ حياته مع الله بعد سن الثلاثين، وأرسانيوس بدأ حياته كراهب بعد الأربعين. وبولس البسيط بدأ في سن الستين. ولكن العامل المشترك في حياة كل هؤلاء، كانت قوة البداية وليس موعدها..
إبراهيم أبو الآباء بدأت قصته الحقيقية مع الله بعد سن السبعين. ولكن أعجب بداية، في موعدها. كانت البداية التي بدأ بها اللص اليمين علاقته مع الله، وبينه وبين الموت ساعة واحدة أو ساعتين، أو ثلاثة.. وهناك البعض بدأوا الطريق مع الله وهم صغار، مثل القديس تادرس تلميذ الأنبا باخوميوس، في حوالي الرابعة عشرة، والقديس الأنبا شنوده في حوالي التاسعة.
متى تبدأ، ليست هي المشكلة، إنما المهم أن تبدأ.. وإن بدأت لا ترجع مرة أخرى إلى الوراء.
القديس أغسطينوس قال للرب: "تأخرت كثيرًا في حبك". ولكنه لما بدأ، استمر للأمام، ولم يتراجع أبدًا. وعلى أية الحالات، فإن البداية المبكرة أفضل. لأن التأخر في حياة الخطية قد يقسّي القلب، ولا يستطيع معه الإنسان أن يتوب.. ربما الرغبة في التوبة لا تعود توجد في القلب، وربما الإرادة لا توجد، إذ تستعبد الخطية القلب، والعادات تسيطر عليه، وربما الفرص لا تواتي، إذ يموت الإنسان فجأة.
ابدأ إذًا، وغير حياتك إلى أفضل.. ففي إمكانك أن تعدل غصنًا طريًا، ولكن ليس سهلًا أن تعدله إذا تصلب وتخشب وكما قال الشاعر:
إن الغصون إذا قوّمتها اعتدلت | ولا يلين إذا قومته الخشب |
ابدأ من الآن، فالكنيسة تعلمنا كل يوم أن نبدأ، فنصلي قائلين: "فلنبدأ بدءًا حسنًا".. إنه صفحة جديدة من الحياة، فلنبدأه حسنًا. ولقد شاء الله في بدايات الحياة معه، أن يجعلها مميزة، بشيء أو أشياء تجعلها جديدة..
أحيانًا كان يعطي لصاحبها اسمًا جديدًا، فأبرام أسماه إبراهيم، وشاول أسماه بولس، وسمعان أسماه بطرس، ويعقوب أسماه إسرائيل. كما يحدث عندما يُرسم أب كاهن أو راهب. ويكون تغيير الاسم علامة على تغيير الحياة، أو بداية حياة جديدة، وكذلك تغيير الشكل والملبس.. ابدأ فإن الله مستعد أن ينسى الماضي كله، حينما يرى حاضرًا طاهرًا يسره.
إن المعمودية ليست هي البداية الوحيدة، وكذلك التوبة ليست هي البداية الوحيدة. هناك مثلًا البدء في الخدمة..
والخدمة مرحلة جديدة في حياة الإنسان، حينما يدخلها، يبدأ شعورًا جديدًا، وهو أنه ليس لذاته فقط، وإنما لغيره، وذاته يجب أن يبذلها عن الآخرين..
هل بدأت هذه المرحلة في حياتك، وبدأت تشترك مع الروح القدس في ربح نفوس للرب؟ هل أحببت الناس من كل قلبك، وصرت تجول تصنع خيرًا، وتضم للكنيسة أحجارًا حية جديدة، بحيث تقف أمام الله في اليوم الأخير، وتقول: "هأَنَذَا وَالأَوْلاَدُ الَّذِينَ أَعْطَانِيهِمُ الرَّبُّ" (إش8: 18). أم أنت تعتذر وتقول: "أنا لا أعرف.. أنا لا أقدر.. أنا لا أستحق!" اخرج من كلمة (أنا) هذه، ففي الخدمة لست أنت العامل، بل الله.
إن داود النبي حينما تقدم لمحاربة جليات، لم يقل:"أنا الصغير"، وإنما قال: "الْحَرْبَ لِلرَّبِّ"، "يَحْبِسُكَ الرَّبُّ فِي يَدِي"، "وَهُوَ يَدْفَعُكُمْ لِيَدِنَا" (1صم17). متى تبدأ الغيرة المقدسة تتقد في قلبك؟ متى يبدأ الاهتمام بالملكوت يشغلك ويشعلك؟ متى تترك سفينتك وتذهب لتصطاد الناس؟ متى تقتنع أن الخدمة لا تعتمد على مواهبك، وإنما على قوة الروح العاملة معك؟
هناك نقطة بداية أخرى في الحياة الروحية أعلى من البدء في الخدمة، وهي البدء في التكريس.. ولكن هذه البداية قد لا تكون لجميع الناس.. وهناك بدايات كثيرة في الحياة الروحية، بدايات مراحل أو درجات، كمن يبدأ تدريب الصلاة الدائمة..
فهل بدأت مذاقة جديدة في الحياة الروحية؟ هل بدأت عمقًا أو علوًا ما كنت تصل إليه من قبل؟ هل بدأت ألوانًا من الخبرات الروحية أقرب إلى النور؟!
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 2 نوفمبر1979م
متى نبدأ؟
متى نبدأ؟*
الذي يحدث أن الإنسان يسمع العظات الروحية ويتأثر بها، ومع ذلك لا يبدأ في طريق الله.. وربما يحرص إنسان على حضور هذا الاجتماع دائمًا على مدار السنة، ويسمع مئات العظات، هذا إلى جانب مئات القداسات.. ومع ذلك لا يبدأ.
وإنسان يقرأ الكتب الروحية ويتأثر بها، يقرأ آلاف الصفحات، وللآن لم يبدأ!!
وقد يحدث أن تتحول الروحيات عند الإنسان إلى علم ومعرفة، فيستطيع أن يتكلم في الروحيات ويناقشها ويشرحها، ولكنه لم يبدأ بعد.. لقد تحوّلت الروحيات إلى معرفة، وليست إلى حياة الروح.. وربما أصبح لدى بعض الناس مناعة، فلم تعد تؤثر فيهم الروحيات، يسمعونها وكفى!
وفي كل هذه الأحوال نسأل: متى يبدأ الإنسان؟.. كثيرون يسمعون ويعرفون، وكثيرًا ما يتأثرون أيضًا.. ولكنهم لا يبدأون.
هناك عوائق داخلية، وعوائق خارجية تجعل الإنسان لا يبدأ في طريق الروحيات. إنني أقصد البدء الحقيقي في طريق الروحيات.. ولكن ما معنى البدء الحقيقي؟
البدء الحقيقي هو بدء طريق الله بطريقة جدية.. إن الإنسان الذي يتأرجح بين طريقين لم يبدأ طريق الله، وكثيرون يسيرون بهذا الأسلوب المتأرجح.. يسيرون بين الخير والشر، ولم يبدأوا الطريق الجدي.
ويبقى السؤال كما هو قائمًا: متى نبدأ في طريق الله؟ متى نبدأ كراهية الخطية، كراهية حقيقية؟ متى نبدأ المعيشة مع الله معيشة كاملة ودائمة وبغير رجوع؟
متى نبدأ في حياة الإخلاص إلى الله بغير خيانة وبغير تردد؟.. بغير نظرة إلى الوراء، كما فعلت امرأة لوط؟
يقول إنسان إن الصوم الكبير قادم، وسأبدأ هذا الصوم، ويبدأه.. وبعد ذلك تأتي أيام الخمسين التي ليس فيها صوم، ويفهم الفرح الروحي فهمًا خاطئًا، ويفقد ما استفاده أثناء الصوم، فيبدأ من جديد.
وأحيانًا يسير إنسان في طريق الله فترة، ثم تأتي خطية فتضيّع ما عمله قبل ذلك، ويحتاج إلى البدء من جديد، وهكذا يبقى في حالة التردد.
ربما يقول إنسان أن هناك حروبًا من الشياطين.
إن حروب الشياطين بالنسبة للشخص الروحي تقلل سرعة النمو، ولكنها لا تمنع النمو تمامًا. إنها تجعله يسير ببطء.. ولكنه يسير، إنه يمضي في طريق الله وليس في طريق العالم.
كثيرون أمضوا سنوات طويلة في الكنيسة.. وسنوات طويلة في العلاقة مع الله، ولكنهم للآن لم يبدأوا الطريق الروحي، لا يزال العالم حيًا في قلوبهم.. ولا تزال الخطية في علاقة معهم، ولم يبدأوا للآن حياة التوبة.
متى نبدأ؟ هذه لها تدرجات بالنسبة للروحيين.
في مبدأ الأمر يقول.. متى أبدأ في حياة التوبة؟ ثم يتدرج ويتطور ويقول: متى أبدأ في حياة القداسة؟ ثم يتدرج ويقول: متى أبدأ حياة الكمال؟ وعندما يسير في حياة الكمال يقول: متى أبدأ في الاتحاد مع الله اتحادًا كاملًا لا انفصال فيه، بحيث أترك الجهاد وأدخل في لذة الحياة الروحية؟
إن الإنسان الذي يجاهد ويصارع، يدل على أن هناك مقاومة يصارعها. لكن الإنسان الذي يعيش في اللذة الروحية، فلا مقاومة تواجهه.
وإن كنا حتى الآن لم نتب.. فمتى نبدأ في التوبة؟
خذوا مثلًا شمشون الجبار، متى بدأ حياته مع الله؟
يقول الكتاب: "وَحَلَّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ" (قض14: 19). وبعد أن حل عليه روح الرب وبدأ الجهاد، وقع في سقطات كثيرة، وانتهت هذه السقطات بقص شعره وفقد قوته وكرامته، وأصبح عبدًا يجر الطاحون كأسير. متى بدأ شمشون؟ إنه لمن العجيب أن يبدأ شمشون التوبة الحقيقية يوم وفاته. ربما بدأ قبل ذلك وهو أسير، حين أخذ شعره ينبت قليلًا قليلًا، وأخذ يرجع إليه شبابه الروحي.. لكنه تأخر كثيرًا.
أغسطينوس أضاع شبابه كله في العالم، وعندما عرف الله، وعرف حياته الروحية، قال عبارته العجيبة: "لقد تأخرت كثيرًا في حبك، أيها الجمال الذي لا يعبر عنه".. نعم تأخرتُ كثيرًا.
لعل الكثيرين من الذين لم يبدأوا بعد يقولون نفس هذه العبارة لله.. تأخرتُ كثيرًا في حبك.
متى تبدأ؟ إن القيام والسقوط ليسا طريقًا.. الملائكة تقول: أنتم تسيرون في طريق المترددين، ولم تبدأوا في طريقنا.
نحن نحتاج إلى نواحي بدء كثيرة، نتدرج فيها من بدء إلى بدء.
علينا أن نبدأ في مخافة الله لكي نتدرج إلى بدء آخر هو التكريس لله والتخصيص لله. ثم نتدرج إلى بدء آخر هو بدء الشهوة في الانطلاق من العالم للمعيشة مع الرب في كل حين.
إنها خطوات تحتاج إلى بدايات، ولا بد من الانتهاء من مرحلة للبدء في أخرى.. أما إن ظللنا واقفين عند المرحلة الأولى، فمتى نصل إذًا، إن الطريق طويل.. طويل جدًا؟
إن منهجنا الروحي طويل ومتعدد الجوانب، ويحتاج إلى يقظة، وإلى جهاد ونعمة، ويحتاج أيضًا أن نبدأ ليس فقط من الآن، وإنما قبل ذلك بكثير!
إن أعجب إنسان في نظري بدأ حياته الروحية، هو يوحنا المعمدان، الذي بدأ حياته مع الله قبل أن يولد، والكتاب يقول: "وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (لو 1: 15).. ولما زارت مريم العذراء أليصابات، يقول الكتاب: "فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلاَمَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا" (لو1: 41).. هذه هي العلاقة العملية مع الله. لقد بدأ يوحنا علاقته بالله وهو جنين.
ونحن ماذا نقول؟ إننا لم نبدأ بعد.. فمتى نبدأ؟
إن مراحل معينة من الحياة سنفشل فيها وتضيع منا.. كيف ذلك؟
أنا أتصور أن الله لو بدأ يلقي نظرة على حياتنا فإنه سيسأل.. كيف كانت طفولتك، وشبابك، ونضجك، وشيخوختك؟
إن من يبدأ من شبابه يكون قد ضيع فترة طفولته، ومن يبدأ من نضجه يكون قد ضيع فترة طفولته وشبابه، ومن يبدأ من شيخوخته يكون قد ضيع فترة طفولته وشبابه ونضجه.
هناك من يبدأون في الساعة الحادية عشرة من النهار ويَصلُون، وهناك من يبدأون في الساعة الرابعة والعشرين مثل اللص اليمين ويَصِلون، والمهم أن نبدأ.
الله يقول: أنا منتظرك فمتى تأتي؟ "بَسَطْتُ يَدَيَّ طُولَ النَّهَارِ إِلَى شَعْبٍ مُتَمَرِّدٍ" (إش 65: 2). متى تبدأ؟
متى تبدأ علاقتك مع الله؟.. ومتى تستجيب لصوت الله؟.. متى تستجيب للدعوة الإلهية السمائية؟ متى تفتح الباب، ومتى تدخل؟ متى تكوّن علاقتك مع الله وتقوّي هذه العلاقة؟ متى؟! إن كل تأخير فيه ضرر، لأن كل يوم يضيع من حياتك لا يعود مرة أخرى، فقد ضاع وانتهى، ربما تندم على هذا اليوم. لكنك لا تستطيع إرجاعه.
إن كل تأخير فيه ناحية من نواحي الفقد الذي لا يعوض إطلاقًا. وكل تأخير يربط الإنسان بالعالم برباط أقوى.
إن كل تأخير يجعل الإنسان معتادًا على الخطية، وكل تأخير يحدث تخديرًا للضمير، فيفقد الضمير الحساس حساسيته من طول المكوث في الخطية.
إن كل تأخير دليل على قساوة في القلب وعلى محبة للعالم، وكل تأخير يجعل التوبة أصعب.. فمتى تبدأ؟
متى يبدأ الإنسان حياته الروحية، حتى يعيش مع الله؟ متى يترك الإنسان العالم، ومتى يحب الله؟ متى يغير سلوكه وطريقته ويصبح شخصًا جديدًا لا علاقة له بالإنسان القديم على الإطلاق؟ متى يدخل في التجديد الحقيقي، التجديد العملي؟
متى تفرح به السماء وتبتهج؟ لأن السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب (لو15: 7).. متى يحمله الله على منكبيه فرحًا ويرجع ليفرح به مع الملائكة والقديسين؟ متى؟
لا يزال الله يقول للإنسان إلى متى تنساني.. يخيّل إليَّ أن أنسب مزمور من مزامير داود في هذه الحالة هو: "إِلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسَانِي؟ هل إلى الانقضاء؟" (مز13: 1) الله يقول للإنسان.. إلى متى تنساني، وتحجب وجهك عني.. إلى متى؟.. متى تبدأ؟
معوقات تجعلنا لا نبدأ
هناك معوقات كثيرة تجعلنا لا نبدأ. ومن هذه المعوقات فهمنا الخاطئ لمحبة الله، وفهمنا الخاطئ لطول أناة الله ورحمته وإشفاقه وحنوّه.
إن تأكدنا أن الله يقبلنا، ولو في الساعة الحادية عشرة، وأنه يقبلنا ولو ساعة الموت، كاللص اليمين.. تأكدنا من ذلك كما يقول الكتاب: "مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا" (يو 6: 37).. يجعل قلوبنا خالية من الحساسية الروحية.. والأمر ليس هكذا.
إننا نشبه الابن الضال الذي وجد أنه لا فائدة في العالم فعاد إلى أبيه.. إن شعورنا يجعلنا نؤجل التوبة، فالكنيسة موجودة، وأب الاعتراف موجود، والله موجود.
نحن نعيش في العالم، ونسعد به، وشعورنا أن الكنيسة موجودة عند التوبة، والهيكل مفتوح، يجعلنا نؤجل التوبة.
إن علاج هذه الأشياء كلها هو؛ الاقتناع بأن الكل ليسوا على درجة واحدة، فإن من يأتي إليَّ آخر النهار تختلف درجته عن الذي كافح طوال الوقت وكان لا يكل أو يتعب.. إنه سيدخل الملكوت، ولكن درجته ضعيفة.
فلا تتصوروا عندما تأتون آخر النهار أنكم ستكونون مثل أنبا بولا وأنبا أنطونيوس وغيرهما.. ستدخلون، ولكن الدرجة في السماء ليست واحدة. إن الله ليس ظالمًا فينسى تعب المحبة الذي تعبه قديسوه طوال النهار.
ربما كان من بين العوائق أننا نريد الجمع بين الله والعالم، إننا نبحث عن حل وسط، نحتفظ بالله والعالم.. كيف نصل إلى الله ولا نفقد لذاتنا على الأرض؟ كيف نصل إلى الله وشهواتنا الأرضية باقية في نفس الوقت؟!
نحن في هذا مثل حنانيا الذي شارك القديسين في تقديم أموالهم إلى الله، واحتفظ بجزء من ثمن الحقل. هذه القلوب لم تمت بعد عن العالم.. إنها تشبه داء السرطان الذي نطارده باستئصال جزء كبير منه، ولكن شيئًا بسيطًا منه يعود كما كان مرة أخرى.
الحياة مع الله تحتاج لموت كامل عن العالم.. متى نبدأ ونموت موتًا كاملًا عن العالم؟ متى نعطي الله كل القلب؟ ربما يتوب إنسان فيقول: يا رب ليس مانعًا لديَّ أن تأخذ جزء من قلبي.. لا مانع أن تأخذ غالبية قلبي! إنني أصلّي وأصوم وأتأمل، ولكن لي اهتمامًا محدودًا بالعالم.
إن هذا الإنسان لم يستطع أن يقول لله أنه يعطيه القلب كله، هناك عوائق، فالعالم له دخل في قلبه.
ومن العوائق البيئة التي نعيشها ونتجاوب معها. إن كل دفعة روحية يأخذها تضيع في هذه البيئة، وكذلك من العقبات عادات الإنسان وطبائعه، وكل دفعة روحية تضيع في عاداته وطبائعه، فلا يتغير أسلوبه. ربما لا يبدأ الإنسان لأنه لم يجلس مع نفسه الجلسة الواعية القوية التي يفكر فيها أن يغير حياته.
ربما لم يبدأ لأنه لا يفهم معنى الحياة الروحية، وهناك من يفهم الحياة الروحية على أنها مجرد طقوس صلاة وصوم وحفظ الأجبية. إنه يأخذ الوضع الخارجي، ولكنه لم يعش مع المسيح.. إنه لم يلتق به، لم يعرفه ويصادقه. وطالما عاش الإنسان بعيدًا عن المسيح، فإن حياته ضائعة "بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" (يو15: 5).
ربما لم يبدأ الإنسان لأنه يعيش في الممارسات الروحية دون أن يعيشها.. دون أن يعيش مع الله الحب الإلهي. إنه يعيش في الإنسان الخارجي ولم يدخل بعد إلى الأعماق.. إنه لم يبدأ بعد.
متى تعرف أنك بدأت؟
إنك تعرف ذلك عندما تتغير إلى إنسان آخر، إنسان جديد في طبعه وفي فكره.. إنسان جديد في تصرفاته، ينظر إلى صورته القديمة ويقول لها: "الحق إنني لا أعرفك".
ينظر إلى ماضيه فيتعجب منه ويقول: أحقًا كنت هكذا من قبل؟!
إنه يبدأ عندما يشعر أنه قد نبتت له أجنحة، وأصبح قادرًا على أن يُحلّق إلى فوق، بعد أن كان يزحف على تراب الأرض، وأصبح يطير من قوة إلى قوة، يحلّق في سماء الروح.. فمتى تنبت لك هذه الأجنحة؟ متى تشعر أنك صرت خفيفًا، لا يجرك ثقل الأرض، ولا ثقل المادة، ولا ثقل العالم؟ متى تبدأ في التعرف على السماويات، وأهل السماويات، وطبع السماويات، فتصبح إنسانًا سماويًا، لا أرضيًا؟
متى يدخل النور إلى حياتك، فيبدد كل ظلمة في داخلك؟ يا ليتنا نبدأ حياتنا الروحية، ويكفي ما مضى من حياتنا.
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني 25 فبراير 1973م
كما تبدأ يجب أن تستمر
كما تبدأ يجب أن تستمر*
غالبية الناس – في بداية العام الجديد – يبدأون بداية طيبة. ولكن المهم أن يستمر الناس في الوضع الطيب الذي بدأوا به. فهل أنت كذلك؟ أم هي بداية وتنتهي.
كل إنسان يمكنه أن يبدأ حياة روحية، ولكن المهم هو الاستمرار.. ما أكثر البدايات الطيبة التي تحدث في يوم الاعتراف أو يوم التناول، أو يوم رأس السنة، أو يوم روحي. ولكن المهم هو الاستمرار والمداومة.
يمكنك أن تأخذ صورة قديس مدى يومًا واحدًا. ولكن هل تستطيع هذا مدى الحياة؟ يمكنك أن تنفذ تدريب صمت يومًا أو يومين. ولكن هل تستطيع الصمت بصفة دائمة في حياتك؟!
هنا مشكلة الاستمرار، التي نود أن نطرقها معًا.. والتي يقول عنها الرسول: "كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ" (1كو15: 85).
انظروا إلى قصص التوبة، التي عاشها أغسطينوس، وموسى الأسود، ومريم القبطية، وبيلاجية. إن أهميتها لم تكن بالدرجة الأولى في أن كل هؤلاء تابوا وتغيرت حياتهم تمامًا. إن المهم هو أنهم لما تابوا، استمروا، ولم يرجعوا إطلاقًا إلى حياتهم السابقة التي عاشوها في الخطية.
لأجل هذا نحن نذكر في (المجمع) في القداس "الذين كملوا في الإيمان". ولهذا أيضًا بالنسبة إلى القديسين نذكر "نهاية سيرتهم"، وأنهم استمروا في حياة الإيمان حتى نهاية سيرتهم.
كان ديماس عمودًا من أعمدة الكنيسة، يذكره بولس الرسول مع لوقا ومرقس وأرسترخس. ولكنه لم يستمر، وعاد وأحب العالم الحاضر، ويقول بولس عن أمثال ديماس: "كَثِيرِينَ يَسِيرُونَ مِمَّنْ كُنْتُ أَذْكُرُهُمْ لَكُمْ مِرَارًا، وَالآنَ أَذْكُرُهُمْ أَيْضًا بَاكِيًا، وَهُمْ أَعْدَاءُ صَلِيبِ الْمَسِيحِ" (في3: 18). ويقول عن أهل غلاطية "أنهم بدأوا بالروح، وكملوا بالجسد" (غل3: 3). بداية طيبة ولكن لم يستمروا!!
مثل إنسان حينما يخطو أول خطوة في الطريق، يقول: "قد خلُصت"، دون أن يعرف هل سيستمر ويكمل في الإيمان أم لا؟.. بينما الرسول يهتم بنقطة الاستمرار هذه فيقول: "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ" (في2: 12). ولماذا بخوف ورعدة؟ ذلك لأن "إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ" (1بط5: 8) ولأن الخطية "طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ" (أم 7: 26).
إن البداية الطيبة وحدها لا تكفي. فالله أحيانًا لا يسمح بالحرب الشديدة على المبتدئين، لئلا ييأسوا في أول الطريق! ولكن الشيطان بعد حين، سيحاول أن يغربلكم، وهنا يبدو مدى ثباتكم في الرب، ومدى استمراركم في حياة الإيمان. قيل في مَثل الزارع عن نبات أنه نما قليلًا، ولكن "إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ جَفَّ" (مت6:13، مر6:4). فما هو هذا النوع؟
قد يقدم إنسان إلى الحياة الروحية نتيجة انفعال أو تأثر بعظة، بكتاب، بحادثة مرّت عليه، مرض، وفاة، مشكلة وقع فيها.. فيقول: "أنذر لك يا رب حياتي". ويبدأ، ولكن "إذ ليس له أصل" سرعان ما يجف!
أما النبات الذي له أصل ثابت في الأرض، فقد قال عنه الكتاب: "اَلصِّدِّيقُ كَالنَّخْلَةِ يَزْهُو، كَالأَرْزِ فِي لُبْنَانَ يَنْمُو" (مز92: 12). ما هو إذًا الأصل بالنسبة إلى الإنسان؟
الأصل والعمق الداخلي
الأصل هو حياة الإيمان العميقة، هو حياة الحب الحقيقية. هو العلاقة الشخصية مع الله، معرفته ومعاشرته.
هناك إنسان حياته كلها ممارسات، ولكن ليس له أصل. إنما هي مجرد ممارسات.. بلا إيمان، بلا حب، بلا عشرة.. لذلك لا يستمر، وسرعان ما يجف، وتتزعزع منارته من مكانها! إن أردت إذًا أن تستمر في علاقتك مع الله، ابنِ حياتك على أصول عميقة. فمثلًا الحشمة هي أولًا استحياء القلب من الداخل، هي النقاوة القلبية التي يكون المظهر الخارجي مجرد تعبير عنها. وما أجمل قول المزمور: "كل مجد ابنة الملك من داخل.." (مز 45: 13).
وهكذا الشاب، ليس المهم أن تكلمه عن تربية شعره ونوع ملابسه، إنما المهم هو علاقته الداخلية مع الله، وعندئذ سيتغير تبعًا لها كل المظهر الخارجي الخاطئ..
إذًا أسلوبنا في تربيتنا لأولادنا يجب أن يُبنى على أساس، فلا نهتم فقط بالإنسان الخارجي، إنما نبني الداخل بالأكثر..
فلا يكون كل اهتمامنا بالممارسات الخارجية، بالمظهر الخارجي، بصورة التقوى! وإنما بالإنسان الجوّاني قبل كل شيء. هذا هو البناء على الصخر الذي قال عنه الرب. وهذا ما أريد أن أنبه إليه، في بداية العام الجديد: لا تركزوا على مجرد ممارسات خارجية، إنما اسكبوا نفوسكم أمام الله، واطلبوا إليه أن يعطيكم محبته، ومذاقته وعشرته، ويعطيكم حياة الإيمان الحقيقي العملي، يعطيكم محبة الخير لذاته، يصلح قلوبكم من الداخل، ينقيها ويثبتها فيه.
لقد قال الرب لبطرس: "ابْعُدْ إِلَى الْعُمْقِ وَأَلْقُوا شِبَاكَكُمْ لِلصَّيْدِ" (لو5: 4). فليكن هذا العمق هو مقصدكم في بداية العام الجديد. إنسان واقع في خطية الغضب، ليس المهم أن يبطل النرفزة أو الصوت المرتفع. إنما للغضب أسباب كثيرة داخل القلب، عليه أن يستأصلها ويتخلص منها، حينئذ سوف لا يغضب.. ربما داخل القلب كبرياء، ربما محبة للذات، ربما توجد كراهية أو إدانة أو سخط. كل ذلك يحتاج إلى تنقية..
وأنت أيضًا انظر إلى داخلك، واعرف ماذا تسبب لك الخطية؟ وكما قال الرب: "اذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ" (رؤ 2: 5). إنسان حرارته مرتفعة، لا نستطيع أن نقول له: "خذ قرص أسبرين"، إنما يجب أن نبحث عن السبب الذي رفع درجة حرارته، ربما هناك خرّاج في الداخل يحتاج إلى تنظيف، ربما حمّى تحتاج إلى علاج، ربما سبب آخر أخطر..
إذًا ابحثوا في حياتكم من الداخل، واعرفوها، لكي تبنوا علاقتكم مع الله، على أسس ثابتة، تساعدكم على الاستمرار..
والاستمرار في الخط الخارجي، لا بد يحتاج إلى عمق: إن أردت أن تستمر في الصلاة، وليست فيك محبة لله، فلن تستمر. سيدركك السأم بعد حين، وتترك الصلاة أو يشرد ذهنك فيها، وإذ ليس له أصل سيجف.. وهكذا في القراءة وكل ممارسة روحية، لا بد من العمق.
وكل علاقة مع الله، لا عمق لها، لا بد أن تضعف أو تفتر أو تنتهي. أما الذي له عمق، فمهما أخطأ إلى الله، لا بد سيعود إليه، لأن الحب هو الأصل، والخطأ طارئ.
مهما أخطأ الصدّيق، فيقول: "لاَ تَشْمَتِي بِي يَا عَدُوَّتِي إِذَا سَقَطْتُ أَقُومُ" (مي7: 8). بل قيل أيضًا إن: "الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ" (أم 24: 16). إن القيام هو القاعدة الأصلية في حياته، والسقوط طارئ ويزول..
لقد أنكر بطرس الرسول الرب ثلاث مرات، ولكن الحب كان أصيلًا في قلبه، لذلك بكى بكاءً مرًا على سقوطه، وقام بالحب القديم أو الحب الأصيل. وكذلك داود النبي أخطأ خطايا كثيرة، ولكن الله قال عنه: "وَجَدْتُ دَاوُدَ بْنَ يَسَّى رَجُلاً حَسَبَ قَلْبِي.." (أع 13: 22).
لذلك سرعان ما قام، لكي يسبح للرب تسبيحة جديدة.. الصَّديق؛ أي المؤمن الذي له في العلاقة مع الله أصل وعمق، هذا مهما أخطأ، يجدد الله مثل النسر شبابه.. "وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ يُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ" (إش40: 31).
فهل أنت كذلك؟ هناك فرق كبير بين سقطة المؤمن التي يقوم منها بسرعة، إذ له أصل، وسقطة غيره الذي تحلو له الخطية فلا يقوم! لذلك عمقوا جذوركم في الحياة مع الله. مدّوا الجذور إلى أسفل، قبل أن ترفعوا الجذع والفروع إلى أعلى.. إن ارتفاعًا بلا عمق، لا يستمر، بل يرتفع كالدخان ويتبدد.. وإن بقى وقتًا، فإنما يكون طعامًا للمجد الباطل.
هناك من يبنون حياتهم الروحية بالتغصب. وحسنًا أن تجبر إرادتك على الطاعة. ولكن التغصب ليس أسلوب استمرار، لأنه دليل على أن الحب الإلهي لم يملك بعد على القلب والإرادة. إنه كعربة لا تتحرك من ذاتها، فيدفعونها بالأيدي لتمشي!
إن القلب إذا تغير من الداخل، واتجه نحو الله، فإن الحياة الخارجية تتغير تلقائيًا، بالحب والإيمان، لا بالتغصب. يلزمك أيضًا للاستمرار، أن تضع الرب أمامك كل حين، ولا يكون الله بالنسبة إليك، إله مناسبات..!
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 4 يناير 1980م
بركة للعام الجديد
بركة للعام الجديد*
لا تكن حياتك الروحية قوية فقط في رأس السنة، وفي أيام الاعتراف والتناول والنهضات الروحية.. فإن بعدت عنك هذه المناسبات تفتر وتجف. إنما ليكن الله أمامك باستمرار. أمسكه، ولا ترخه، واطلب منه النعمة التي تنقي قلبك.
إذًا لكي تستمر، ادخل إلى العمق، وضع الرب أمامك كل حين، وابعد عن الأشواك التي تخنق روحياتك. وأيضًا لا تترك سلاحك أبدًا، مهما بدا لك أنك في سلام.. كثيرون يقفون أمام الله في بداية العام يطلبون منه العديد من الطلبات، يعرضونها بالنسبة إلى احتياجاتهم واحتياجات غيرهم.
على أن هناك طلبة واحدة تشمل الكل وهي البركة.
وكما يقول الكتاب: "بَرَكَةُ الرَّبِّ هِيَ تُغْنِي، وَلاَ يَزِيدُ مَعَهَا تَعَبًا" (أم 10: 22). ففي البركة كل ما نريد وأزيد مما نتصور.. يكفينا أن الله يباركنا.. ولا نحتاج بعد ذلك إلى شيء.
نطلب منه أن يبارك حياتنا وأسرنا وبيوتنا..
وأن يبارك الكنيسة، وكل اجتماعاتها وعملها..
وأن يبارك وطننا الذي نعيش فيه..
ويبارك البشرية كلها، لأنها خليقته وعمل يديه..
ولا ننسى أن البركة هي أول ما منحه الله للإنسان بعد خلقه إياه.
وفي ذلك يقول الكتاب: "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا" (تك1: 27، 28).
ولما أفنى الله العالم بالطوفان، وأعاد تكوينه مرة أخرى بأبينا نوح وأسرته. يقول الكتاب بعد أن رسا الفلك، وتنسم الله رائحة الرضا من محرقة نوح: "وَبَارَكَ اللهُ نُوحًا وَبَنِيهِ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ. وَلْتَكُنْ خَشْيَتُكُمْ وَرَهْبَتُكُمْ عَلَى كُلِّ حَيَوَانَاتِ الأَرْضِ وَكُلِّ طُيُورِ السَّمَاءِ" (تك9: 1، 2).
إنها نفس البركة، بركة الكثرة، والعمران، والسلطة.
لما اختار أبانا إبراهيم، ليكون له، صاحَبَ هذا الاختيار بالبركة، فقال الله لأبرام: "أَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ" (تك12: 1- 3).
وهي بركة متشعبة، تشمل فروعًا كثيرة داخلها، ولعل أهم ما فيها أنه سيأتي منه المسيح، الذي به تتبارك جميع قبائل الأرض. وليس فقط يكون أبرام مباركًا، بل أكثر من هذا يكون بركة.
وكانت البركة تحمل كل الخيرات المادية.
وكانت الخيرات المادية ترمز إلى أمور روحية.
وهكذا نجد أن عبد أبينا إبراهيم الذي أرسله ليختار زوجة لابنه إسحاق من عشيرته. قال للابان وأسرته: "أَنَا عَبْدُ إِبْرَاهِيمَ وَالرَّبُّ قَدْ بَارَكَ مَوْلاَيَ جِدًّا فَصَارَ عَظِيمًا، وَأَعْطَاهُ غَنَمًا وَبَقَرًا وَفِضَّةً وَذَهَبًا وَعَبِيدًا وَإِمَاءً وَجِمَالاً" (تك24: 34، 35). وقيل في نفس هذا الإصحاح أيضًا: "وَبَارَكَ الرَّبُّ إِبْرَاهِيمَ فِي كُلِّ شَيْءٍ" (تك24: 1).
أبونا يعقوب أبو الآباء؛ لما كان راجعًا إلى موطنه، خائفًا من أخيه عيسو، ما كانت أكثر الطلبات التي يمكن أن يطلبها من الرب لما ظهر له. ولكنه أدمجها في عبارة واحدة – وهو يصارع مع الرب - إذ قال: "لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي" (تك32: 26). فلما باركه شعر أنه نال كل نعمة يطلبها..
وقد صحبته هذه البركة، هو ونسله من بعده. وفي نسله تباركت جميع قبائل الأرض.
ونحن أيضًا حينما نصلّي، إنما نطلب هذه البركة، ونكرر عبارة معينة من المزمور، نقولها في أكثر من مناسبة وهي: "ليتراءف اللهُ عَلَيْنَا وَيُبَارِكْنَا" (مز67: 1).
إنها أفضل طلبة شاملة تطلبها من الله صانع الخيرات.
وهكذا عندما جاء الملاك يبشر القديسة العذراء، ويحيّيها بأعظم تحية ممكنة ناقلًا إليها البشرى، قال: "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ" (لو1: 28).
أي في وسط جميع النساء، أنتِ هي المملوءة بركة.. وبنفس التحية حيّتها القديسة أليصابات - بعد الحمل المقدس - فقالت لها: "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ" (لو1: 42).
وهكذا نجد أن السيد المسيح، حينما ينادي المختارين الغالبين الذين استحقوا الدخول إلى الملكوت، يقول لهم: "تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي" (مت25: 34).
تعالوا إليَّ أيها المباركون "رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ". فالملكوت يدخله فقط المباركون، الذين يجدهم الرب مستحقين من أجل أنهم عملوا خيرًا.
وبلادنا مصر، التي أحبها الرب، وزارها السيد المسيح في طفولته، مع القديسة العذراء ويوسف النجار، يقول عنها الرب في سفر إشعياء النبي: "مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ" (إش19: 25).
إنه شعب مبارك لأنه "شَعْبِي" يقول السيد الرب..
إنهم ينتمون إليَّ، إذ يقول الرب في نفس هذا الفصل من نبوءة إشعياء: "فَيُعْرَفُ الرَّبُّ فِي مِصْرَ، وَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ الرَّبَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، وَيُقَدِّمُونَ ذَبِيحَةً وَتَقْدِمَةً، وَيَنْذُرُونَ لِلرَّبِّ نَذْرًا وَيُوفُونَ بِهِ" (إش19: 21).
بل إن السيد المسيح نفسه، لما دخل أورشليم كملك متواضع محبوب، هتف له الناس بهتاف البركة قائلين: "مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ" (مت21: 9). واقتبسوا نفس هذه العبارة في المزمور (مز118: 26).
إن البركة هي كل شيء في الحياة. وبدونها تفقد الحياة قيمتها، وتفقد روحياتها، وتصبح ضائعة.
على أن الكتاب ربط البركة بالطاعة. ونقول: "ابن الطاعة تحل عليه البركة"..
وهكذا نقرأ في فصل البركة المشهور في العهد القديم (تث28): "إِنْ سَمِعْتَ سَمْعًا لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْرِصَ أَنْ تَعْمَلَ بِجَمِيعِ وَصَايَاهُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ، يَجْعَلُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ مُسْتَعْلِيًا عَلَى جَمِيعِ قَبَائِلِ الأَرْضِ. وَتَأْتِي عَلَيْكَ جَمِيعُ هذِهِ الْبَرَكَاتِ وَتُدْرِكُكَ، إِذَا سَمِعْتَ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ" (تث28: 1، 2).
إذًا هنا البركة مشروطة بشرط الطاعة وحفظ الوصايا..
وعكس ذلك صحيح، إن خالف الإنسان كلام الرب، تزول البركة من حياته ومن بيته، ويتعرض لعقوبات الرب الكثيرة ولغضبه، ولعكس كل ما ورد في قائمة البركة (تث28: 15–68).. كلام مخيف.
فما هي البركات التي وعد بها الرب قديمًا؟
منها بركات الغنى والسعة في كل ما تمتد إليه يد ذلك المبارك، وبركات لنسله وبيته. وبركات النجاح والتفوّق في الحياة.
وبركات في الانتصار على الأعداء. بركات في حياة القداسة وفي الانتماء إلى الله. وباختصار يقول: "يَأْمُرُ لَكَ الرَّبُّ بِالْبَرَكَةِ فِي خَزَائِنِكَ وَفِي كُلِّ مَا تَمْتَدُّ إِلَيْهِ يَدُكَ" (تث28: 3-8).. وتتبعه البركة في كل مكان يحل فيه. إذ يقول له الرب: "مُبَارَكًا تَكُونُ فِي الْمَدِينَةِ، وَمُبَارَكًا تَكُونُ فِي الْحَقْلِ.. مُبَارَكًا تَكُونُ فِي دُخُولِكَ، وَمُبَارَكًا تَكُونُ فِي خُرُوجِكَ" (تث28: 3-6). وكل ما ينتمي إليه يصبح مباركًا.
وهكذا يقول له: "وَمُبَارَكَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ وَثَمَرَةُ أَرْضِكَ وَثَمَرَةُ بَهَائِمِكَ، نِتَاجُ بَقَرِكَ وَإِنَاثُ غَنَمِكَ. مُبَارَكَةً تَكُونُ سَلَّتُكَ وَمِعْجَنُكَ" (تث28: 4، 5). وبالاختصار كل ما تمسه، كل ما تملكه، كل ما ينتمي إليك.
إذًا مباركة النسل عطية من الله.
إن وجدت نسلك يتعبك، اسأل نفسك: أتراني أخطأت إلى الله، فلم يبارك نسلي؟ أو تراك لم تبحث لنسلك عن بركة من الله، سواء منه مباشرة، أو عن طريق خدامه في الكنيسة؟!
الأرض أيضًا يباركها الله بسبب الإنسان. وأيضًا بسبب حفظ الوصية. كما كان الرب يبارك غلّة العام السادس، حينما كان أصحابها يسبتون الأرض في العام السابع طاعة لوصية الرب.
وبالعكس حينما خالف الإنسان الأول وصية الله، قال له الرب: "مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ" (تك3: 17، 18) أنت تزرع وتسقي "لكِنَّ اللهَ كَانَ يُنْمِي" (1كو3: 6). فاسأل نفسك: هل بركة الرب في أرضك؟ هل بركته في عملك؟
هل كل ما تعمله تنجح فيه؟ كما قيل عن الإنسان البار في المزمور الأول (مز1: 3). وكما قيل عن يوسف الصديق: "أَنَّ الرَّبَّ مَعَهُ، وَأَنَّ كُلَّ مَا يَصْنَعُ كَانَ الرَّبُّ يُنْجِحُهُ بِيَدِهِ" (تك 39: 3).
ولعلك تسأل كيف تأتي البركة؟
تأتي بالطاعة.. وأيضًا بعمل الرحمة ودفع العشور.
بعمل الرحمة كما قال الرب: "تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي" لمن أطعموا الجائع، وسقوا العطشان، وكسوا العريان، وزاروا المريض والسجين.. (مت25: 34-36). أما عن دفع العشور، فقد قال الرب في سفر ملاخي النبي: "هَاتُوا جَمِيعَ الْعُشُورِ.. وَجَرِّبُونِي بِهذَا، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ، إِنْ كُنْتُ لاَ أَفْتَحُ لَكُمْ كُوَى السَّمَاوَاتِ، وَأَفِيضُ عَلَيْكُمْ بَرَكَةً حَتَّى لاَ تُوسَعَ" (مل3: 10).
ولعلك تقول: أنا في عوز، فكيف أدفع العشور؟
أقول لك: "ربما أنت في عوز، لأنك لا تدفع العشور.. أو أقول لك: جرب أن تدفع العشور، فيزول عوزك. وتَذكر أن الرب مدح الأرملة الفقيرة، لأنها دفعت من أعوازها" (مر12: 42-44).
هناك بركة بيت الرب وكل ما فيه. ولذلك يقول المزمور: "بَارَكْنَاكُمْ مِنْ بَيْتِ الرَّبِّ" (مز118: 26). نحن ننال البركة من الكنيسة، لأنها مكان مقدس مدشن يحل فيه الرب. وننال البركة من المذبح، ومن الأيقونات المدشّنة. ومن كل ما في الكنيسة من أسرار مقدّسة.
وننال البركة أيضًا من القدّيسين. من رفات القدّيسين التي نتبارك بها. ومن الحنوط والأطياب التي تضمخ بها عظام القديسين. وننال البركة في الاحتفال بأعيادهم. وننال البركة من مواضع سكناهم: من الأديرة ومغارات الآباء، ومن بقاياهم وآثارهم أيًا كانت.
وننال البركة من صلوات القديسين، ومن شفاعتهم.
وننال البركة من الكهنوت أيضًا. مثلما بارك ملكي صادق كاهن الله العلي أبانا إبراهيم (تك14: 18، 19). وقد كان هارون رئيس الكهنة وأولاده يباركون الشعب (عد6: 22–27). إنهم القنوات الشرعية التي من خلالها يوصل الله بركته لأولاده.
وهذه البركة ننالها من الكهنوت بطرق كثيرة.
بالماء المبارك الذي يرشه الكاهن بعد القداس، أو بعد صلاة اللقان، وبالصليب أو علامة رشم الصليب، أو وضع الصليب على الرأس. وأيضًا ننال البركة بالصلاة والدعاء، أو بكلمة بركة تقال من فم الكاهن. أو بوضع اليدين كما قيل عن السيد المسيح أنه: "وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ وَبَارَكَهُمْ" (مر10: 16)، أو رفع يديه وباركهم.
وننال البركة في الكنيسة من رفع البخور.. كما يمر الكاهن أثناء القداس ويقول: "بركة بخور البولس"، "بركة بخور الإبركسيس"، وفي الصباح يقول: "بركة بخور باكر" وننال البركة أيضًا من الإنجيل (رو15: 29).
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، 4 يناير1991م
السنة الجديدة
السنة الجديدة*
قبل كل شيء، أريد أن أقول أن عامًا قد مضى، وها نحن نستقبل عامًا جديدًا..
ولست أدري، هل أبارك لكم العام الجديد، أم أعزيكم في العام الذي مضى.. فالعام المنقضي هو جزء من حياة الإنسان، وانتهاء عام يعني أن جزءًا من حياتنا قد انتهى.. بل أقول لكم: إن كل دقيقة تمر، فهي تعني أن جزءًا من حياتنا يمضي.. وكل عام جديد، إنما هو خطوة جديدة نحو الأبدية!
وكل عام يمضي من حياتنا لا نستطيع أن نسترجعه مرة أخرى.. وقد تكون لنا في العام الذي مضى أخطاء، ربما نتبرم منها، أو نندم عليها، أو نتركها.. لكننا – على أية حال – لا نستطيع أن نُعيِد الذي مضى، ولا نستطيع أن نفعل معه شيئًا.. فقد مضى وانتهى، بكل ما فيه، وأصبح أمرًا واقعًا.. لا نستطيع تغييره.
ومن أجل ذلك فإنه لزامًا علينا أن ندقق في كل دقيقة من حياتنا.. لأن هذه الدقيقة، هي جزء من عمرنا.. ولقد أعطانا الله ذلك العمر، لكي نستغله في الخير، ونحب الله فيه.
وعندما يعطينا الله عامًا جديدًا، فلكي يكون عامًا للخير، وإذا ضاع هذا العام بغير ثمر، فإن هدف الله من حياتنا لا يتحقق.
لقد وهبنا الله عمرًا وحياة، لكي نرضيه في هذا العمر وهذه الحياة، ونعمل إرادته ومشيئته.. وعلى ذلك، فمن المفروض أن تكون كل دقيقة تمر، مثمرة، ذات منفعة، وخير وبركة، لنا وللآخرين..!
فهل كنا حريصين على الأوقات التي مرت من عمرنا؟ وهل كانت كل ساعة من عمرنا ثمينة في نظرنا، عزيزة علينا؟ هل اعتبرنا أن كل ساعة مرت بنا، كأنها وزنة، أُعطيت لنا لكي نتاجر بها ونربح؟ هل اعتبرنا أنفسنا أننا مجرد "وكلاء" على هذه الحياة التي أعطيت لنا..!
إن حياتنا ليست ملكًا لنا، وإنما هي ملك لله، سلمها لنا كوديعة نحن أمناء عليها.. وسنقدم لله عنها حسابًا.. لأنها ملكه، ونحن مجرد وكلاء.. فما هو الحساب الذي سنقدمه لله عن هذه الوديعة التي هي حياتنا؟؟
كل وقت مملوء بالخير، هو الذي يُحسب حقًا من عمركم، وهو الوقت الحي من حياتكم. أما الأوقات التي لا تستغل في الخير، فهي ميتة، لا تحسب من الحياة.. وعلى ذلك، فكم من الأوقات ضاعت من العمر، لا تحسب.. فما هو عمركم الحقيقي؟
انظروا إلى حياتكم، وليسأل كل منكم نفسه: كم ساعة من العمر كانت لي؟ وكم ساعة من العمر كانت ملكًا للشيطان؟.. كم ساعة كانت للجسد؟ وكم ساعة كانت للمادة؟! كم ساعة كانت مثمرة وخيّرة ونيّرة؟!
أريد أن يواجه كل منكم نفسه بصراحة وصدق، ويسألها.. كم ساعة من العمر كانت لك.. وكم ساعة كانت عليك؟؟
بعض الناس يقول: – بكل غفلة وجهل – "أريد طريقة أضيع بها الوقت.. إنني أبحث كيف أقتل الوقت؟!" ولا يعرف هذا الإنسان، أن هذا الوقت جزء من حياته التي سيعطي عنها حسابًا في اليوم الأخير!!
هناك أشخاص كانت حياتهم ثمينة وغالية.. كانت حياتهم ذات قيمة، وكل دقيقة منها تقتدر كثيرًا في فعلها!
خذوا لذلك مثلًا، بولس الرسول.. لو أتيح له أن يزورنا في هذا العالم يومًا واحدًا، لكانت زيارته كفيلة بتغيير نظام هذا العالم، ولعمل عملًا لا نستطيع أن نفعله في مئات السنين.. فقد كانت في كل دقيقة من حياته عملًا!!
خذوا أيضًا مثلًا آخر، بطرس الرسول، الذي بعظة واحدة، كسب خمسة آلاف شخص إلى حظيرة الإيمان..
هؤلاء أناس كانت حياتهم مثمرة.. وكل دقيقة منها كانت عملًا له مفعول.. وليس ذلك ينطبق على "حياة الروح" فقط، وإنما في كل مجال.. فهناك أناس كانوا أمناء على الحياة، أثّروا في كل شيء وأثمروا، وكانت كل دقيقة في حياتهم تعمل عملًا كبيرًا.. ولكم – على سبيل المثال – أن تتصوروا، كم تساوي خمس دقائق في حياة أينشتاين؟!!
فهل حياتكم غالية بهذا الشكل، يشتهي الناس دقيقة منها..؟ أم أنها ضائعة لا قيمة لها؟
أعطوا قيمة لحياتكم، واجعلوا كل وقت من أوقاتكم له فعل، وإنتاج وقيمة!!
هناك أناس اليوم من حياتهم يساوي جيلًا بأكمله!
كانت حياتهم كلها بركة لأجيالهم، لكن أن يعيش الإنسان هكذا، ويترك الحياة، وكأنه غير موجود!! هناك أناس يعيشون وكأنهم لم يولدوا، وكأنهم لم يخلقوا.. العالم لا يستفيد من وجودهم شيئًا، بل ربما يكون وجودهم ضارًا.. فهل أنتم من هذا النوع؟
أريد أن تكون حياتكم غالية في نظر الله والمجتمع.. وفي نظر الناس، وفي نظر أنفسكم.. فحياتكم محسوبة، ويجب أن تكون لها وجود فعلي..
إن الكائن الحي له وجود فعلي.. وهناك أناس يحدثون تأثيرًا في المكان الذي يوجدون فيه من أول لحظة يدخلونه.. وهناك آخرون يدخلون ويخرجون دون أن يشعر بهم أحد، وكأنهم لم يكونوا..!!
وعندما أقول: يكون لكم عمل وتأثير، فلست أقصد أن يكون ذلك من أجل أن تلفتوا إليكم الأنظار، ولكنني أقصد أن يكون لكم عمل وتأثير، من أجل الله والخير.
وإن كانت الأيام التي مرت من حياتكم لها هذا الثمر، فطوباكم..! فإن لم تكن كذلك.. فاعطوا قيمة للأعوام الباقية!
ليت العام الجديد يكون هو "العام المثالي" في حياتكم.
مثلًا، لو كانت أعوام حياتكم تتنافس فيما بينها.. فأي عام من هذه الأعوام كان أحسنها؟
هذا السؤال، ربما يُربك البعض، وأنا لا أريد أن تتعبوا أنفسكم بالتنقيب عن الماضي.. وإنما يكفي أن نقرر أننا نريد أن تكون السنة الجديدة هي أحسن سنوات العمر.. فهل يمكن تحقيق ذلك؟
هناك تدريب "اليوم المثالي".. فهل يمكن أن تقوموا بتدريب "العام المثالي". بحيث تجعلوا العام الجديد، هو العام المثالي في حياتكم؟.. جرّبوا..!!
الناس يصلّون، ويطلبون من الله أن يكون العام الجديد عام خير وبركة في حياتهم.. وأنا أقول إن هذا في أيديكم أنتم، والله مستعد دائمًا أن يعينكم إن كنتم تريدون، ويكفي أنكم تريدون.. وتصمّمون!
المشكلة التي تصادف الناس، أن الأيام تمر في حياتهم رتيبة متشابهة، فاليوم مثل الأمس، وغدًا كاليوم.. وهكذا بلا فرق، وبغير عنصر تجديد..
لا أريد هذا.. وإنما أريد أن تعملوا عملًا من أجل العام الجديد.. اطلبوا من الله.. وهذه صفحة جديدة بيضاء ناصعة البياض.. حتى الآن لم تكتبوا فيها شيئًا.. ولا أريد أن تكتبوا فيها خطأ..
لقد مضى العام على النحو الذي مضى عليه وانقضى.. مضى العام الفائت كيفما كان.. وها هي صفحة العام الجديد بيضاء لم يسجل فيها شيء.. فاحرصوا كل الحرص على نقاوة هذه الصفحة.. قبل أن تتكلموا، راجعوا أنفسكم، وقبل أن تفكروا، تأنوا.. وقبل أن تغضبوا، راجعوا أنفسكم. راجعوا أنفسكم قبل كل شيء.. فهل تستطيعون؟!
أقول لكم، جرّبوا.. لأننا نريدها سنة جديدة؛ بلا غضب، ولا اضطراب، ولا قلق.. إننا نريدها أن تكون سنة سلام داخلي.. هذا هو التدريب الذي أدعوكم إليه في العام الجديد.. فقرّروا.. وجرّبوا.. وحاولوا..
كل شخص منا، فليجرب أن يبحث عن "الغلطة البارزة" في حياته، ويحاول في العام الجديد أن يتلافاها ويتحاشاها ويتجنبها..!
ابحثوا عن الغلطة البارزة في حياتكم، وتجنبوها. فإن المهم أن تمر السنة على صواب، وبدون خطأ..!
هناك ملاحظة هامة سوف تتعرضون لها، وأقولها لكم كإنذار:
هذه الملاحظة هي: كما تستعدون لكي تكون السنة الجديدة كلها لله.. فالشيطان أيضًا يستعد ليضع قوّته كلها ضدكم.. فلا تغضبوا، لأن ذلك هو عمل الشيطان..
فقد يحاول بث اليأس في نفوسكم، وإذا نظرتم ووجدتم أنكم أخطأتم، فاعلموا أن الشيطان يعمل، ولكن لا تهتموا، ولا تضطربوا، واستمروا في تجنب الخطأ ومقاومته.. إن داود يقول: "وإن قام عليَّ جيشٌ فَفِي ذلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ" (مز27).. وبولس الرسول يقول: "إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ" (1كو 15: 58).
هذا العام الجديد أيها الإخوة الأحباء، ابدأوه بالله.
في الماضي، كانت الباكورات وأوائل الثمار تعطى لله. فاعطوا بداية هذا العام لله.. ولتكن الساعة الأولى فيه، واليوم الأول لله.
وليكن الله هو أول مَن تكلموه في بداية العام.. ولتكن أول رسالة تأتيكم في هذا العام.. من عند الله.. رسالة الله.. ليكن الله في البداية، وفي النهاية، وفي كل حين.
إن الكتاب المقدس يقول: "فلنبدأ بدءًا حسنًا"..
ابدأوا العام الجديد بخطة مع الله، من واقع حياتكم.. والمهم أن يكون هذا العام جديدًا.. ليس فقط في التقويم والترقيم فقط.. ولكن ليكن هذا العام جديدًا في حياتكم، وفي تصرفاتكم، فإن الله يحب الجديد، ويحب أن يتجدد الإنسان.
والكتاب المقدس يقول: "فَيَتَجَدَّدُ مِثْلَ النَّسْرِ شَبَابُكِ" (مز103: 5). وداود النبي يطلب من الله قائلًا: "قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي" (مز51: 10).
ويقول الكتاب أيضًا: "وَأَرُشُّ عَلَيْكُمْ مَاءً طَاهِرًا فَتُطَهَّرُونَ. مِنْ كُلِّ نَجَاسَتِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَصْنَامِكُمْ أُطَهِّرُكُمْ، وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ.. وَأَجْعَلُكُمْ تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي" (حز36: 26).
ويقول أيضًا: "اِطْرَحُوا عَنْكُمْ كُلَّ مَعَاصِيكُمُ الَّتِي عَصَيْتُمْ بِهَا، وَاعْمَلُوا لأَنْفُسِكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا وَرُوحًا جَدِيدَةً" (حز 18: 31).
إن الله يريد قلبًا جديدًا، وروحًا جديدة.. فهل لكم هذا القلب الجديد؟ إننا نرجو.. ولذلك، فإن الله، عندما يدعو الناس إليه، يعطيهم اسمًا جديدًا..
ففي سفر إشعياء، نقرأ عن أورشليم: "وَتُسَمَّيْنَ بِاسْمٍ جَدِيدٍ يُعَيِّنُهُ فَمُ الرَّبِّ وَتَكُونِينَ إِكْلِيلَ جَمَال بِيَدِ الرَّبِّ" (إش62: 2، 3) وأيضًا شاول الطرسوسي، عندما دعاه الله، أصبح بولس.. وأبرام سمّيَ إبراهيم وساراي سمّيت سارة، وسمعان سمّيَ بطرس وهكذا.
لقد كان الله يقصد بالاسم الجديد، أن يشعر الإنسان أنه دخل حياة جديدة.. ومن هنا يتغير اسم الشخص في الرهبنة، وكذلك فكثير من الذين يدخلون الكهنوت، يأخذون اسمًا جديدًا..
وفي سفر الرؤيا نقرأ "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَنِّ الْمُخْفَى، وَأُعْطِيهِ حَصَاةً بَيْضَاءَ، وَعَلَى الْحَصَاةِ اسْمٌ جَدِيدٌ مَكْتُوبٌ لاَ يَعْرِفُهُ أَحَدٌ" (رؤ2: 17).. كذلك نقرأ "ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً" (رؤ21: 1).
ليتكم في العام الجديد، يكون لكم اسمًا جديدًا، أقصد حياة جديدة وقلبًا جديدًا..
وليتنا نترك العام الذي مضى، ونستقبل العام الجديد، وكل منا قد أصبح إنسانًا جديدًا، وشخصًا جديدًا في أسلوبه، وفي طبعه، وفي كلامه ومعاملاته وسلوكه.. إنسانًا جديدًا في كل شيء.
إن الله يحب التجديد، حتى في التسابيح.. إذ يقول الكتاب: "سبحوا الله تسبيحة جديدة" (مز98: 1).
إن الله يريد الخمر الجديدة.. والخمر الجديدة لا توضع في زقاق عتيق.. إنه يريد فيكم خمرًا جديدًا.. ولكن الزقاق العتيق لا ينفع..
فلتكن لكم حياة جديدة، نستهلها بالعام الجديد.. إن بولس الرسول يقول: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا" (2كو5: 17).
استقبلوا العام الجديد، وأنتم تشعرون بأن هناك شيئًا في حياتكم قد تغير.. وليسأل كل منكم نفسه: هل سأظل هكذا باستمرار.. بدون أي تغيير؟..
إن استقبال السنة الجديدة، ليس مجرد ملابس جديدة.. وإنما يجب أن يكون ذلك أبعد وأعمق.. إننا نريد شيئًا جديدًا.. وتجديدًا في القلب والنفس والحياة..
إنه من العجيب حقًا، أن يجدد الإنسان ملابسه، ولا يجدد قلبه وروحه التي هي على صورة الله ومثاله.
في هذه السنة الجديدة، أريد أن تهتموا بالتدقيق في الحياة، والأمانة فيها. إن الأمانة والتدقيق في الحياة، أمر يليق بأن يكون شعارنا في العام الجديد.
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني، بتاريخ 2 يناير1972م
لتكن هذه السنة.. أحسن سنوات العمر
لتكن هذه السنة.. أحسن سنوات العمر*
نشكر الله الذي وهبنا عامًا جديدًا نحياه. إنه صفحة جديدة من صفحات حياتنا يجب أن نستغلها جميعًا للخير، لخيرنا وخير غيرنا.
كل يوم في العام هو جزء من حياتنا، بل إن الشاعر يقول:
دقات قلب المرء قائلة له | إن الحياة دقائق وثواني |
ونحن لا نملك هذه الحياة، بل هي ملك لله الذي وهبنا إياها، وهي أيضًا ملك لهذا المجتمع الذي نعيش فيه، الذي علّمنا وربّانا، حتى وصل بنا إلى هذه الساعة. فحياتنا وديعة في أيدينا، نحن مجرد وكلاء عليها. ويجب أن نكون أمناء على هذه الحياة، التي سوف نقدم حسابًا عنها، جملة وتفصيلًا..
فلنراجع أنفسنا إذًا، لنرى كيف تسير دفة هذه الحياة.. فكل وقت فيها مملوء بالخير، هو الذي سيحسب من عمرنا.. هو الوقت الحي في حياتنا. أما الأوقات التي لا نستغلها في الخير، فهي أوقات ضائعة أو ميّتة، وهي لا تحسب من الحياة، بل قد تُميت غيرها معها.
فاحسب عمرك إذًا، في صراحة وفي صدق، ما هي الأيام الحيّة في حياتك؟ كم ساعة من عمرك كانت مثمرة، وخيّرة، ونيّرة؟ كم ساعة كانت لك، وكم ساعة كانت عليك؟ كم ساعة كانت لك مع الله تبارك اسمه؟ وكم ساعة كانت بعيدة عنه كل البعد، وكانت سببًا في خسارة غيرها، وكأنها حريق شب في حقل!!
أما الذين يقدرون قيمة حياتهم وقيمة وقتهم.. فيكون وقتهم مثمرًا، لهم ولغيرهم. ويكون وقتهم منتجًا للجيل الذي يعيشون فيه، وربما لأجيال كثيرة... فهؤلاء لم يموتوا.
لعلنا نذكر من بين هؤلاء، الذين تركوا للعالم كتبًا كانت ثروة فكرية أو أدبية، والذين تركوا للأجيال مخترعات وأفكارًا علمية ما زلنا ننتفع بها حتى الآن، وكذلك أولئك الذين كانت حياتهم قدوة في الفضيلة والبر، بحيث صارت أمثولة تُحتذى، وصارت كلماتهم أقوالًا مأثورة يرددها جيلًا بعد جيل.
هؤلاء لم يموتوا تمامًا بعد أن فارقوا عالمنا الفاني، بل صارت حياتهم ممتدة ننتفع بها، وكأن صورتهم قائمة أمامنا، تتحدث بما خلّفوه من أثر باق. من هؤلاء أبطال التاريخ وأبطال الإيمان، وعباقرة الفكر والأدب والفن والعلم. لهم أسماء خالدة لم تقتصر على حياتهم في الدنيا، بل تتطلع من وراء الزمن الذي عاشوه، لتحيا معنا في زمننا، وتحيا أيضًا بعدنا.
منهم أشخاص كانت حياتهم قصيرة على الأرض، لكنها كانت فترة عجيبة الأثر وعجيبة الثمر، استطاعت أن تقتدر كثيرًا في فعلها. كل ساعة منها كانت لها قيمة.
حياة الإنسان إذًا لا تقاس بطولها، وإنما بعمقها، وتقاس أيضًا بتأثيرها الذي احدثته في وقتها، والذي احدثته من بعدها.
صديق.. أم عدو؟
ما أجمل حياة الناس الذين كانت لهم مواهب مبكرة، وحياة مثمرة.. إن ساعات قليلة في حياة إنسان، قد تكون أطول وأعمق في مفعولها من عمر كامل لإنسان آخر، سواء من جهة الخير أو الشر، النفع أو الضرر.. ساعة في حياة رجل قد تكون سبب مجده، وتكتب له في التاريخ، وساعة في حياة رجل آخر، قد تكون سبب ندمه وعذاباته في باقي عمره. وذلك بسبب ما أحدثته من نتائج.
هنا وأسأل: هل وقتك صديق لك أم عدو؟ هل هو لك أم عليك؟ هل تكسب فيه الحياة أم تخسرها؟ هل تنمو روحيًا، أم ترجع إلى الوراء، أم تقف حيث أنت؟ هل مر وقت عليك قلت عنه في ندم: ليت هذا اليوم لم يكن من حياتي. فمشاكلي طول عمري هي من نتاج ذلك اليوم، الذي فيه ضيعت عمري؟!
ومن الناحية العكسية، هل مرت عليك ساعة، كلما تذكرها تسعد بها وتفرح، وتود لو كانت كل ساعات حياتك مثلها؟ أو وقت يذكره الناس لك، فيتمنون لو كانوا قد عاشوا فيه أبدًا. ويذكرونه لك بالخير، ويشكرونك على ما قدمته لهم فيه من نفع؟ مثل هذا الوقت هو النموذج الطيب الذي تضعه أمامك. حقًا، إن حياة بعض الناس كانت بركة لأجيالهم.
لدرجة أن البعض يفتخرون قائلين: لقد عشنا في زمن فلان، عشنا في جيله وعاصرناه. فهل أنت هكذا؟ يفرح الناس أو بعضهم، لأنهم عاشوا في أيامك وعاصروك وتأثروا بك؟ هل لك تأثير في جيلك، أو على الأقل في دائرة معينة منه، أو في فرع أو نوع من مجالاته وأنشطته؟ هل لك وجود وتأثير وفاعلية وبركة؟ هل وقتك ترك بصمته على غيرك، فيما ناله الغير من منفعة؟
أنجلو والباباوات
كثيرًا ما يرتبط جيل بشخص معين، يتسمّى باسمه، ليس في النطاق الروحي أو الديني فقط، بل في النطاق المدني، الفكري أو الفني أيضًا.
فالبعض قد يتحدثون عن سقراط أو أفلاطون مثلًا، دون أن يعرفوا القادة أو الحكام الذين عاشوا في عصره، إلا الذين ارتبط بهم تاريخه، فأعطاهم تاريخه شهرة.. أو قد يتحدث البعض عن عصر مايكل أنجلو الرسام الإيطالي المعروف، دون أن يذكروا من عاصره من بابوات أو أباطرة. فقد كان هو من أشهر مَن في الجيل كله. فَعُرف الجيل كله به، لأن هذا الفنان ترك آثار عميقة لا تزال إلى الآن ممتدة.
نقول هذا عن مشاهير الرجال.. ونقول من ناحية أخرى: هناك أشخاص آخرون، عاشوا وكأنهم لم يولدوا، وكأنهم لم يوجدوا.. قضوا فترة على الأرض، ولم يستفد العالم شيئًا من وجودهم فيه، بل ربما لم يشعر أحد بهم، لم يحدثوا تأثيرًا حتى في الدائرة الضيقة التي عاشوا فيها.. كانت حياتهم فراغًا، وكان وقتهم بلا ثمر. لم يستغلوه لمنفعتهم ولا لمنفعة أحد..!
فلا تكن حياتكم من هذا النوع. والنصيحة التي أقدمها لكم في العام الجديد، هي أن تستفيدوا من وقتكم، لبنيان أنفسكم وبنيان الآخرين. وأن تكون لكم رسالة – على قدر طاقتكم – في بناء ملكوت الله على الأرض.
العام.. الأفضل
إن كانت أيامكم السابقة بلا ثمر، فاهتموا مع بداية هذا العام الجديد أن تكون حياتكم مثمرة. وأن يكون وقتكم غاليًا، وله فاعلية.. واحرصوا أن يكون هذا العام مثاليًا في حياتكم.. إن كانت أعوام حياتكم تتنافس فيما بينها، فأي عام من تلك الأعوام يكون هو الأفضل. اجتهدوا أن يكون هذا العام هو المثالي في كل أعوام حياتكم.
ولتكن هذه السنة الجديدة هي أحسن سنوات العمر.. وليتنا نقول هذه العبارة في كل عام جديد يطل علينا. ولندرب أنفسنا في كل يوم من أيام هذا العام أن يكون يومًا مثاليًا..
ولنطلب من الله – تبارك اسمه – أن يجعله عامًا سعيدًا، لنا وللعالم كله، ولبلادنا مصر المحبوبة، عامًا يسوده الأمن والسلام والرخاء، وتبطل فيه الحروب والكوارث الطبيعية، وتتنقى قلوب الناس.
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة أخبار اليوم، بتاريخ 7 يناير1995م
كن إنسانًا جديًدا في العام الجديد
كن إنسانًا جديًدا في العام الجديد*
في مناسبات العام الجديد، أتذكر أنني قلت مرارًا أن العام الجديد، ليس هو مجرد عام جديد في التقويم، ننتقل فيه من عام إلى آخر، إنما يجب أن يكون هناك جديدًا في حياتنا.
والكتاب المقدس تحدّث عن نواح كثيرة من التجديد..
منها تجديد الذهن، وتجديد القلب والروح، وتجديد الطبيعة، وتجديد الحياة، وتجديد القوة. كما تكلم عن العهد الجديد..
ومن عبارات الكتاب التي أحب أن تذكروها في هذه المناسبة، ما وعد به الرب في سفر حزقيال النبي، إذ قال فيه: "أُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ. وَأَجْعَلُ رُوحِي فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَجْعَلُكُمْ تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي، وَتَحْفَظُونَ أَحْكَامِي" (حز36: 26، 27). طبعًا يعطينا قلبًا جديدًا، بكل ما يحمل هذا القلب من مشاعر جديدة، وبكل انفعالاته وإحساساته.
فالذي يستقبل العام الجديد، بغير قلب جديد، أي شيء سيستفيد؟!
سيكون احتفاله بالعيد، كما يحتفل به أهل العالم.. مجرد بهجة عالمية، وزهور وأنوار وزينة وهدايا، وتبادل للتهاني. ولا علاقة للعيد بحياة الروح!!
ليتنا نطلب من الرب أن يمنحنا وعده القائل: "أُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا ورُوحًا جَدِيدَةً". هذا الذي نطلبه في المزمور الخمسين كل يوم قائلين: "قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي" (مز51: 10).
أي أنك إن لم تصل إلى هذا القلب، اطلبه منحة من الله، يخلقه فيك خلقًا. فلا تعيش في العام الجديد بنفس القلب القديم، وبنفس ما فيه من أخطاء.
أما عوامل التجديد التي مرت بنا في حياتنا
أولها: كان تجديد الطبيعة الذي نلناه في المعمودية. في المعمودية نأخذ طبيعة جديدة لم تكن لنا. نخلع الإنسان العتيق فيموت على شبه موت المسيح. كما يقول الرسول: "عَالِمِينَ هذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ" (رو6: 4-6). ويقول في موضع آخر: "مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ" (كو2: 12). وإذا قد دُفن إنساننا العتيق، يقوم إنسان جديد على شبه المسيح أيضًا. كما يقول الرسول: "لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ" (غل3: 27).
فما معنى عبارة لبستم المسيح؟ معناها أنكم لبستم الطبيعة التي للمسيح في نقاوتها وقداسته وبره. لذلك فإن المعمّد حينما يخرج من جرن المعمودية، يخرج إنسانًا جديدًا بلا خطية، قد نال التبرير في المعمودية، وأخذ طبيعة جديدة، نالت الغفران الكامل ونالت الخلاص ولهذا يقول الرسول: "لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (تي3: 5).
هذا التجديد نلناه في المعمودية بغسلنا من جميع خطايانا ومنحنا البنوة.. كما قال حنانيا الدمشقي لشاول الطرسوسي بعد دعوته: أيها الأخ شاول "لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ" (أع 22: 16). وكما قال القديس بطرس الرسول لليهود في يوم الخمسين: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (أع2: 38).
وهنا نرى الشيء الجديد الثاني الذي نلناه في المسيحية. فما هو؟
نلنا التقديس في سر المسحة المقدسة (سر الميرون)، وسكنى الروح القدس فينا، وشركة الروح القدس معنا.
وهكذا يقول الرسول: "لكِنِ اغْتَسَلْتُمْ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلهِنَا" (1كو6: 11).
نلنا التقديس بسكنى الروح القدس فينا، كما يقول الرسول أيضًا: "أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟" (1كو3: 16). لا شك أنه شيء جديد تقدمه المسيحية: أن يصير الإنسان هيكلًا لله، وروح الله يسكن فيه. وما نتيجة سكنى روح الله فينا؟
النتيجة أننا ندخل في "شَرِكَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (2كو13: 14). وهذا أيضًا شيء جديد، لم نسمع عنه من قبل.
بل أكثر من هذا عبارة "شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ" (2بط 1: 4). والمقصود هو أننا نشترك مع الطبيعة الإلهية في العمل. نشترك مع الروح القدس في العمل. كما قال القديس بولس الرسول عن نفسه وعن أبلوس شريكه في الخدمة: "نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ" (1كو 3: 9).
فهل أنت يا أخي في العام الجديد، ستحتفظ بشركتك مع الروح القدس في العمل، وتستمر في عملك شريكًا للطبيعة الإلهية؟ كما يصلي الأب الكاهن في أوشية المسافرين قائلًا للرب: "اشترك في العمل مع عبيدك، في كلِّ عملٍ صالح". نعم، كل عمل لا يشترك فيه معك روح الله، حذار أن تعمله.
تعبير جميل وحلو، هو "شركة الروح القدس". فلتستمر معنا طوال العام الجديد. وماذا أيضًا في التجديد الذي يريده الرب لنا؟
يقول الكتاب: "تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ" (رو12: 2).. فما معنى "تجديد الذهن"؟
معناه تجديد نظرتك للأمور.. تغيير فكرك عن معنى القوة، ومعنى الحرية، ومعنى السعادة والفرح واللذة.. بحيث لا يتركز كل هذا حول الذات والمادة.. تجديد الذهن معناه أن يكون لك فكر جديد، بمبادئ جديدة سليمة، بعيدة عن الفكر الخاطئ القديم.
تجدد ذهنك، بمعنى أن يكون لك "فِكْرُ الْمَسِيحِ" (1كو2: 16).. وذلك بأن ينشغل فكرك بأمور طاهرة، بدلًا من السرحان في فكر الخطية. وكذلك بأن يكون لك الفكر العادل، والفكر الروحي، والحكم السليم على شتى الأمور.. وإن كانت لك مبادئ خاطئة، أو معتقدات خاطئة، عليك أن تغيرها..
وماذا أيضًا عن التجديد في العام الجديد؟
هناك أيضًا تجديد القوة، بمعونة من الرب.
هذا الذي قيل عنه في سفر إشعياء النبي: "يُعْطِي الْمُعْيِيَ قُدْرَةً، وَلِعَدِيمِ الْقُوَّةِ يُكَثِّرُ شِدَّةً.. الْفِتْيَانُ يَتَعَثَّرُونَ تَعَثُّرًا وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ" (إش40: 29-31). فلا يقل أحد إني ضعيف، لا أستطيع! وإنما يمتلئ قلبه بالرجاء، متذكرًا قول المزمور: "يَتَجَدَّدُ مِثْلَ النَّسْرِ شَبَابُكِ" (مز103: 5).
وليس هذا فقط من جهة القوة الجسدية، بل القوة الروحية أيضًا.
أما عن القوة الجسدية وتجديدها، فمثالها شمشون الجبار الذي فقد قوته بعد أن حلقوا له خصل شعره وبدأوا بإذلاله ففارقته قوته (قض16: 19). ولكن الله جدد له قوته، حينما صلى وقال: "يَا سَيِّدِي الرَّبَّ، اذْكُرْنِي وَشَدِّدْنِي يَا اَللهُ هذِهِ الْمَرَّةَ، وَقَبَضَ شَمْشُونُ عَلَى الْعَمُودَيْنِ الْمُتَوَسِّطَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَ الْبَيْتُ قَائِمًا عَلَيْهِمَا، وَانْحَنَى بِقُوَّةٍ فَسَقَطَ الْبَيْتُ" (قض16: 28- 30).
ولكن المهم في العام الجديد، هو تجديد القوة الروحية.
القوة التي كانت لك في القديم، في أيام التوبة الأولى والدموع والحرارة الروحية. القوة التي كانت في الإيمان العملي، وفي الخدمة النشطة المثمرة، القوة التي كانت في حياة التدقيق، وحياة الجدية والالتزام.. اطلب من الله القوي المحب أن يجددها لك. واطلب من الله أن يجدد هذه القوة للكنيسة كلها.
يجدد لها القوة التي كانت لها أيام الاستشهاد، حينما كانوا يستقبلون الموت بفرح، ويسعون إليه في اشتياق، حتى الأطفال.. القوة التي كانت للكنيسة في العصر الرسولي في أيام الكرازة، حينما "كَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ" (أع2: 47). "وَكَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ تَنْمُو، وَعَدَدُ التَّلاَمِيذِ يَتَكَاثَرُ جِدًّا" (أع 6: 7).
وأن يجدد الله للكنيسة القوة الروحية التي كانت للكنيسة في أيام ازدهار الرهبنة في القرنين الرابع والخامس، وأيام المتوحدين والسواح.. والأيام التي كان فيها الروح القدس يتكلم من أفواه الناس، كما قال الرب: "لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ" (مت10: 20). ليتك في بداية العام الجديد، تطلب لنفسك هذه القوة.
اطلب قوة يجددك بها الرب من الداخل. كما قال الرسول: "إِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا" (2كو 4: 16).. يجدد الرب حماسك الداخلي للعمل الروحي، واشتياقك الداخلي للحياة مع الله والالتصاق به. يجدد انحصار ذهنك في الأبدية واهتمامك بالأمور الَّتِي لاَ تُرَى (2كو 4: 18).
في مجال التجديد والتغيير إلى أفضل يذكر لنا الكتاب والتاريخ أمثلة كثيرة نضع في مقدمتها شاول الطرسوسي الذي تجدد فصار بولس الرسول. "كَانَ لَمْ يَزَلْ يَنْفُثُ تَهَدُّدًا وَقَتْلاً عَلَى تَلاَمِيذِ الرَّبِّ.. إِذَا وَجَدَ أُنَاسًا مِنَ الطَّرِيقِ، رِجَالاً أَوْ نِسَاءً، يَسُوقُهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ" (أع 9: 1، 2). وهو قال عن نفسه: "أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلاً مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا" (1تي1: 13). كيف تحوّل إلى إنسان جديد تمامًا، إلى رسول للمسيحية تعب أكثر من جميع الرسل (1كو15: 10) "فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ، فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ، فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً" (2كو 11: 23).
أريانوس والي أنصنا؛ الذي كان أقسى الولاة وأعنفهم في تعذيب الشهداء، أدركه التجديد أيضًا، فآمن وصار شهيدًا. كذلك لونجينوس الذي طعن المسيح بالحربة؛ له يومان في السنكسار تذكره فيهما الكنيسة كقديس.
ومن أجمل القصص تلك القصة التي تُروى عن أحد الجنود الذين اقتسموا ثياب المسيح حيث قال: كنت جنديًا رومانيًا من الجنود الذين اشتركوا في صلب يسوع الناصري. واقتسمنا ثيابه بيننا، فوقع حذاؤه من قرعتي، فلبسته. وأخذ هذا الحذاء يقودني إلى طرق ما كنت أمشي فيها من قبل. حتى أوصلني إلى جبل الزيتون وبستان جثسيماني وأنا الذي ما كنت أعرف الصلاة، وجدتني راكعًا عند إحدى الأشجار أصلي.
المسيحية أعطتنا أمثلة في التجديد والتغيير، في تلاميذ المسيح.
هؤلاء الذين كانوا خائفين، وهربوا وقت القبض على معلمهم، واختفوا في العلية لا يستطيعون الظهور، ومنهم بطرس الذي أنكر الرب ثلاث مرات أمام جارية.. هؤلاء جدد الرب طبيعتهم. فصاروا شجعانًا في الكرازة، بكل مجاهرة، يقولون لرؤساء اليهود: "يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ" (أع 5: 29). لقد نالوا قوة حينما حل الروح القدس عليهم، فصاروا شهودًا للرب.. (أع 1: 8).
وهناك أمثلة أخرى في التجديد، كمشاهير التائبين. الذين تحولوا ليس فقط من خطاة إلى تائبين، بل إلى قديسين. نذكر من بينهم أغسطينوس وموسى الأسود، ومريم القبطية، وبيلاجية وسارة.. وآخرين.
نذكر في مجال التجديد أيضًا: الدولة الرومانية. التي كانت عنيدة في تمسكها بالوثنية، وقاسية جدًا في اضطهادها للمسيحيين. وألقت إلى الموت مئات الآلاف من الشهداء، بعد عذابات تقشعر من هولها الأبدان.. كيف أمكن أن الدولة الرومانية تعتنق المسيحية، وتصدر مرسوم ميلان سنة 313م للتسامح الديني، ويصبح الإمبراطور قسطنطين وكذلك الإمبراطورة هيلانة من الذين تُبنى الكنائس على اسميهما في بلاد اليونان.. وانطبق قول الكتاب: "الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا" (2كو 5: 17).
من الأشياء الجديدة التي نذكرها في بدء العام الجديد، المبادئ الروحية الجديدة التي وضعتها المسيحية.
يكفي أن نذكر من بينها ما حوته العظة على الجبل من روحيات. ومن أبرزها قول السيد الرب: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت 5: 44).
لا شك أن محبة الأعداء فضيلة جديدة قدمتها المسيحية، لم تكن موجودة في العهد القديم. أما معاملة يوسف الصديق لإخوته، وإحسان داود الملك لأسرة شاول، فكانت أمثلة فردية ولا تدل على مبدأ عام في التعاملات.. أما عبارة "تحب قريبك، وتبغض عدوك". فقد قدمت لها المسيحية مفهومًا جديدًا، فقريبك هو كل ابن لآدم وحواء. وعدوك الوحيد الذي تبغضه، هو الشيطان.
مبادئ وعقائد جديدة قدمتها المسيحية.
مثل سر الإفخارستيا وسر الفداء الذي كانت رموز في العهد القديم لم يفهمها اليهود، وحتى الآن لا يفهمونها. وعبارة "اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ" (1يو4: 16). كلها مبادئ جديدة، يمثلها "العهد الجديد" بين الله والناس. ومنها أيضًا مواهب الروح القدس (1كو12).
كذلك من الأشياء الجديدة المتعة في الأبدية.
ويكفي في شرحها عبارة "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1كو2: 9). يضاف إلى هذا الجسد السماوي الروحاني الذي نقام به من الموت (1كو15: 42-50). والوعود التي بها وعد الرب ملائكة الكنائس السبع بأن يمنحها للغالبين (رؤ2، 3). كلها أمور جديدة. ما دام الأمر هكذا، فاستعد في العام الجديد، بالصورة الإلهية التي تؤهلك للأبدية السعيدة وللوعود المعطاة للغالبين.
وفي مطالب الكمال الموضوع أمامك (مت 5: 48) ردد باستمرار أنشودة: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في 4: 13).
يمكنك إذًا أن تنتصر في كل حروبك الروحية، بالمسيح الذي يقويك. اذكر أيضًا قول السيد الرب: "كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ" (مر9: 23). وإن وضع الشيطان أمامك جبالًا من العوائق، اذكر قول الرب في سفر زكريا النبي: "مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الْجَبَلُ الْعَظِيمُ؟ أَمَامَ زَرُبَّابِلَ تَصِيرُ سَهْلاً" (زك 4: 7).
وليكن الرب معك، ويصيرك إنسانًا جديدًا، في هذا العام الجديد. إنما يجب أن تسلك بجدية والتزام.
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، 27 ديسمبر1996م
ما هو الجديد في حياتك
ما هو الجديد في حياتك*
كثيرون في بدء العام الجديد يذكرون أمنياتهم بالنسبة إلى العالم، أو الوطن، أو المجتمع المحيط بهم، أو الكنيسة. وهذا كله حسن وواجب. ولكنني هنا أريد أن أسألكم عن حياتكم الخاصة، وحياتكم الروحية بالذات. ماذا تريدون لها في هذا العام الجديد؟ لأنه إن صَلَحَ كل فرد، صَلُحَ المجتمع والكنيسة والوطن..
يسرني هنا أن أذكركم بوعود الرب في سفر حزقيال إذ يقول: "وَأَرُشُّ عَلَيْكُمْ مَاءً طَاهِرًا فَتُطَهَّرُونَ. مِنْ كُلِّ نَجَاسَتِكُمْ.. وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ، وَأَجْعَلُ رُوحِي فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَجْعَلُكُمْ تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي، وَتَحْفَظُونَ أَحْكَامِي وَتَعْمَلُونَ بِهَا" (حز36: 25-27).
وعود جميلة: بقلب جديد، وروح جديدة.. وروح الله في داخلكم، وسلوك وعمل حسب أحكام الله..
حقًا، هذه هي رسالة الله إليكم في العام الجديد، وهذه هي مشيئته الإلهية. وبقي أن تكون مشيئتكم مطيعة لمشيئته.. إن العام الجديد ينبغي أن يكون جديدًا في قلوبكم وفي حياتكم العملية، وليس فقط في التقويم الميلادي، وقرب العيد ونهاية الصوم..
وهنا نذكر قول القديس بولس الرسول: "لاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ" (رو 12: 2).
أي لا يكون شكلكم أو مظهركم أو سلوككم، هو شكل هذا العالم البعيد عن الله. بل تغيروا عن هذا الشكل أو الأسلوب العالمي.. بتجديد أذهانكم.
فيكون لكم ذهن جديد، أي أسلوب تفكير جديد.. نظرة جديدة في المبادئ والسلوك والحياة. لأنه حسب تغيير فكركم، هكذا يتغير أيضًا أسلوب حياتكم.
هنا يكون تغيير في الأيديولوجي Ideology.
تغيير في مثالياتك، في أهدافك، في ماذا تريد أن تكون. لأنه حسب اتجاهاتك وأغراضك وتطلعاتك، تكون تصرفاتك في الحياة، لتحقيق تلك الاتجاهات.. فهناك إنسان أهدافه علمية، تستغرق كل وقته وكل جهده. وإنسان آخر أهدافه سياسية، يعمل في المجال السياسي وينشغل به. وإنسان ثالث هدفه هو المجتمع، ويريد أن يظهر فيه، ويبني ذاته بأن يكون زعيمًا يبحث عن مجموعة يقودها ويترأسها.. وإنسان رابع له عمق روحي يفكر في أبديته ويستعد لها، ويجاهد ويعمل أثناء غربته في العالم بما لا يتعارض مع أبديته.
وحسب نوع الـ Ideology يكون نوع الـ Methodology أي حسب نوع المبادئ والمثاليات يكون نوع الوسائل والوسائط العملية. أي الوسائط التي توصل الإنسان إلى أهدافه.. فما هي وسائلك؟ وهل كلها وسائل روحية يرضى عنها ضميرك؟ أم أن ضميرك أصبح لا يرضيه إلا تحقيق أغراضه، أيًا كانت الوسائل والوسائط!!
راجع نفسك في بدء العام، واسأل نفسك: ما هي طريقتي في الحياة للوصول إلى ما أريد؟ وإن استيقظ ضميرك، فلا تعاتبه ولا تسكته. افعل ذلك قبل أن يسكت القلب، وينتهي ضجيج وسائلك.
إن بدء العام الجديد فرصة تجلس فيها إلى نفسك وتحاسبها، أو تعاتبها أو تعاقبها.. والمهم أن تغيّرها إلى أفضل.
في جلستك إلى ذاتك، ليكن لك ضمير نزيه يحكم بالحق. ليكن لك ضمير القاضي العادل. فلا تبرر ذاتك، ولا تلتمس لها الأعذار. ولا تفكر في تصرفاتك بمبدأ ميكافيللي في أن (الغاية تبرر الوسيلة). بل قل لنفسك: "ينبغي أن يكون هدفي هو الخير، وعمل الخير يلزم أن يكون خيرًا في ذاته، وخيرًا في غرضه وقصده، وخيرًا في وسائله".
لأن الذي يستخدم وسيلة خاطئة في عمل الخير، يكون كمن يستخدم الشيطان في الوصول إلى الله!!
في بدء العام، تذكر قول القديس مقاريوس الكبير: "احكم يا أخي على نفسك، قبل أن يحكموا عليك". وضع أمامك قول الرب في سفر الرؤيا: "اذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ" (رؤ2: 5).
ليكن بدء العام الجديد إذًا حافزًا إلى التوبة.
التوبة مطلوبة منك في كل يوم. ولكن العام الجديد يذكرك بها، لكي تترك كل أخطائك القديمة، وتقول مع الرسول: "الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا" (2كو5: 17). وهذه الأشياء العتيقة تشمل كل أنواع الخطايا: خطايا الفكر والحس والقلب والجسد.. خطاياك في علاقتك مع الله، ومع الناس، ومع نفسك. كما تشمل أيضًا الفتور والضعف والكسل.
في هذا العام الجديد ضع أمامك خطة للمستقبل
انظر إلى وضعك الروحي من كل ناحية، وفكر في كيف تعيد تشكيل شخصيتك من جديد، بحيث تتغير إلى أفضل. اسأل نفسك: ما هي الخطايا الثابتة فيك، التي تكررها في كل اعتراف؟ وكيف تتخلص منها؟ ما هي أسباب تلك الخطايا، وما مصادرها؟ وكيف تبعد عن كل تلك الأسباب؟ عن مصادر العثرة جميعها..
ضع لنفسك تداريب روحية، وكن حازمًا في تنفيذها.
بحيث تكون تلك التداريب في مستواك، وتكون قادرًا على تنفيذها. ولا مانع من أن تتدرج في الفضيلة، ولا تقفز إلى أعلى السلم مرة واحدة. أقول هذا عن التداريب الخاصة بالوسائط الروحية: كالصلاة والصوم، والقراءات الروحية، والتأمل..
أما عن التداريب الخاصة بالتوبة فيلزم فيها الحزم والقطع، لأن استبقاءك لشيء مهما كان بسيطًا، قد يتسبب في نكسة يرجع بها الإنسان إلى الوراء..
أقول هذا لأن أناسًا تمر عليهم الأعوام، وهم كما هم، لم يتغيروا.. بل لهم نفس الأخطاء ونفس الطباع!!
هؤلاء لم يتوبوا، أو لم يريدوا أن يتوبوا. أو ربما يكونون أبرارًا في أعين أنفسهم..! لا يرون في ذواتهم خطية تحتاج إلى توبة، أو نقصًا يحتاج إلى تلافيه..! ناسين قول الكتاب: "لاَ تَكُنْ حَكِيمًا فِي عَيْنَيْ نَفْسِكَ" (أم3: 7). لا تبرر نفسك، لأنه "لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ" (رو3: 10). وقد كان النقد الموجه إلى أيوب أنه "بَارًّا فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ" (أي 32: 1).
المهم أن تثق تمامًا بأنه يجب أن تغير في نفسك شيئًا، لأن البار في عيني نفسه، لا يرى في نفسه شيئًا يحتاج إلى تغيير. ذلك لأن نفسه جميلة في عينيه، وطرقه أيضًا صالحة في تصوّره!! لذلك هو يستمر فيما هو فيه، ولا يتخذ من العام الجديد فرصة لتجديد ذهنه. بل يظل ثابتًا في منهجه الفكري، بنفس الذهن، بنفس الوسائل. لا يلوم نفسه في شيء، ولا يقبل ملامة من أحد.. مثله الذين لم يدخلوا الفلك مع أبينا نوح.
ومثل الذين لم يسمعوا لنصيحة لوط البار: "فَكَانَ كَمَازِحٍ فِي أَعْيُنِ أَصْهَارِهِ" (تك 19: 14). وسقطت نار الله فأهلكت الجميع.
أما أنت فاكتشف أخطاءك، وحاول أن تصلح نفسك.
واعرف أن معالجة الأخطاء هي عمل المبتدئين. أما السائرون في طريق الله، فإن منهجهم هو النمو الروحي المستمر، للوصول إلى حياة القداسة وحياة الكمال، واضعين أمامهم قول الكتاب: "لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ" (2كو 7: 1). وأيضًا "نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ.. فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ" (1بط1: 15-17).
وفي تداريبك الروحية، كن حازمًا في تنفيذها.
لأن كثيرين وضعوا لأنفسهم تداريب، ونسوها ولم ينفذوها. والبعض نفذوها ولم يثبتوا فيها. والبعض ثبتوا إلى حين، ولم يستمروا!
ليكن العام الجديد بالنسبة إليك، هو عام حزم وجدية في حياتك الروحية. لا تعرج فيه بين الفرقتين (1مل 18: 21).. بحيث تحاول أن تجمع في قلبك بين محبة الله ومحبة العالم، وهذا محال لأن "مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ" (يع 4: 4). ولأن الأكل من الشجرة المحرّمة، يمنع من الاقتراب إلى شجرة الحياة (تك3: 24). ولا يمكنك أن تضع "رُقْعَةً مِنْ قِطْعَةٍ جَدِيدَةٍ عَلَى ثَوْبٍ عَتِيق" (مت 9: 16).
لا تعش في ثنائية وتذبذب.. يوم تعلو، ويوم تهبط. بل لتكن توبتك هي تغيير دائم وثابت في حياتك، بحيث لا ترجع إلى أخطائك مرة أخرى. ضع حواجز متينة بينك وبين الماضي المظلم فلا تعود إليه، ولا تشتهيه. ولا تترك أبوابك مفتوحة يدخل منها العدو. بل خاطب نفسك مع داود قائلًا: "سَبِّحِي يَا أُورُشَلِيمُ الرَّبَّ، سَبِّحِي إِلهَكِ يَا صِهْيَوْنُ، لأَنَّهُ قَوّى مغاليق أَبْوَابِكِ، وبَارَكَ بنيك فيك" (مز147: 12، 13). واحترس. لأنك إن بدأت طريقًا مع الله، سوف يبدأ الشيطان حربًا لكي يعوق طريقك..
استعد إذًا.. وإن صادفتك معوقات لكي تكسر تداريبك، فلا تتعجب وكن صامدًا. وقل كما قال الرسول عن الشيطان: "لأَنَّنَا لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ" (2كو 2: 11). وفي مقاومتك للخطية، جاهد بكل قوة وتصميم. وتذكر توبيخ القديس بولس للعبرانيين، حينما قال لهم: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب 12: 4).
ما معنى (حتى الدم)؟ أي لو أدى الأمر أن تستشهد في سبيل الحفاظ على نقاوتك.. كما قيل عن الضابط في المعركة أثناء الحرب، أنه يكافح إلى آخر طلقة وآخر رجل.. وأنت أيضًا تجاهد إلى آخر ما يمنحك الله من قوة ومن عمل النعمة معك.
وفي جهادك الروحي، جاهد مع الله.
قل له كما قال له أبونا يعقوب أبو الآباء: "لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي" (تك32: 26). ورتل من كل قلبك طلبتك في المزمور الخمسين: "قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي" (مز51: 10). قل له مع داود النبي: "علمني يا رب طرقك. فهمني سبلك. اهدني في طريق مستقيم" (مز25: 4). "انضَح عليَّ بزُوفَاك فأطهُر، اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ" (مز50: 7).
وإن ثقلت عليك الحرب، ذكّر الرب بمواعيده.
قل له: أين وعدك القائل "أُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَجْعَلُكُمْ تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي.. وَأُخَلِّصُكُمْ مِنْ كُلِّ نَجَاسَاتِكُمْ" (حز36: 26-29). قل له: إنني يا رب أطرح أمامك ضعفي وعجزي عن تنفيذ وصاياك. وأتمسك بوعدك القائل: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ"(مت11: 28).
ثق أنك إن نجحت في صلاتك، سوف تنجح أيضًا في جهادك الروحي. لأنك سوف لا تجاهد وحدك، بل ستكون يد الله معك، لتنقذك وتقويك.. ولا تقل صلواتك هذه في ليلة رأس السنة فقط، بل طول أيام السنة.
صلواتك وكل جهاداتك الروحية بمناسبة بدء عام جديد، فلتصحبك طول هذا العام الجديد. ولتكن منهجًا ثابتًا لك. وقل للرب في كل حين: "تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ" (إر31: 18)، "أَسْنِدْنِي فَأَخْلُصَ" (مز119: 117).
وحينما يعطيك الله هذه التوبة، حافظ عليها، واجعل جذورها تتعمق في قلبك، وثمارها تظهر في حياتك. واشكر الرب على كل ما يعطيك، متذكرًا قول مار إسحاق: "ليست موهبة بلا زيادة، إلا التي بلا شكر".
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في جريدة وطني، بتاريخ 1 يناير1995م
رسالتك هي البناء
رسالتك هي البناء*
في بداية العام يجب أن يكون البناء هو رسالتك في الحياة. والذي نقصده بالبناء هو البناء الروحي لأن كثيرين قد بنوا، ولم ينتفعوا شيئًا من كل ما بنوه..! كالغني الغبي الذي بنى مخازن عظيمة لثروته، وجاءه قول الرب: "هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟!" (لو12: 20).
إنه بناء باطل، يشبه ما بناه سليمان لأجل ترفه ومتعته الأرضية. وأخيرًا قال في أسف: "ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ، وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ" (جا 2: 11).
الإنسان الحكيم حقًا، أول ما يعمله هو بناء نفسه روحيًا من الداخل.
هناك من يحاول أن يبني لنفسه مجدًا زائلًا على الأرض، ينتهي بعد حين. أو يبني لنفسه ثروة ربما يورثها لأبناء يبددونها في غير ما يعلم، دون أن يستفيد هو شيئًا لأبديته من كل هذه الثروة والجاه..
أما الحكيم فيبني نفسه، ويبنيها على أساس روحي سليم.
يبني عقله وفهمه ومعرفته، ويبني إرادته وشخصيته، وقبل الكل يبني علاقته مع الله وأبديته.
والبيت المبني على الرمل، الذي قصده السيد المسيح في العظة على الجبل، هو كل بناء مادي، مبني على أساس ضعيف من الرغبات العالمية الزائلة.. وهو أيضًا كل بناء روحي مبني على أساس خاطئ من محبة الذات أو الاعتماد عليها..
أما البناء المبني على الصخر: فهو بناء النفس على الإيمان ومحبة الله.
تستطيع أن تعمل في هذا البناء بالتداريب الروحية القوية التي تنمّي عواطفك الروحية تجاه الله. وكذلك أن تبني ذاتك روحيًا، بنعمة الله العاملة معك، واستدعائها إليك بالصلاة والانسحاق. وبالتعاون والشركة مع الروح القدس بحياة التسليم الكامل، التي تترك حياتك تركًا كاملًا في يدي الله، مُسلِّمًا له الإرادة والمشيئة، كما تسلّم قطعة الطين ذاتها في يدي الفخاري العظيم، كيما يشكلها كما يريد، ويجعل منها إناء للكرامة (رو9).
والآن ادخل في التفاصيل، وانظر كيف تبني نفسك؟
وكمثال لذلك: ما هو نوع القراءات التي تبني بها فكرك ومعلوماتك؟ هل تقتصر على بناء ذهنك علميًا، أو تقتصر على المسليات العابرة التي ليس لها عمق يبنيك؟ أم أنت بدلًا من البناء، تهدم نفسك بقراءات معثرة، تثير عواطف خاطئة في قلبك، أو بقراءات مملوءة بالشكوك تضلل فكرك أو تضيع إيمانك؟
وبالأكثر كيف تبني أطفالك؟
هذه النفوس البريئة المطيعة السهلة الانقياد، كيف تبنيها؟ وما الذي تغرسه فيها من مشاعر ومن أفكار، ومن تأثيرات ومن عادات؟ لقد قال السيد المسيح في البناء: "عَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي" (مت16: 18).
وهذه الصخرة هي الإيمان السليم الذي لا يتزعزع. الإيمان غير المخطئ الذي أعلنه الآب على فم القديس بطرس وقتذاك.
والسؤال الآن هو: هل أنت تشترك مع الرب في عملية البناء الروحي؟
هل تعمل مع الروح القدس في بناء الإيمان، في بناء الكنيسة والملكوت، في بناء النفوس روحيًا؟ هل تشترك في بناء أورشليم السمائية، التي هي مسكن الله مع الناس (رؤ21: 2، 3). وكم هي النفوس التي بنيتها؟ وهل بنيتها مع الرب على أساس قوي لا ينهار بعد حين؟
كان بولس الرسول بنَّاء حكيمًا في ملكوت الله. وقد قال عن نفسه: "حَسَبَ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي كَبَنَّاءٍ حَكِيمٍ قَدْ وَضَعْتُ أَسَاسًا، وَآخَرُ يَبْنِي عَلَيْهِ. وَلكِنْ فَلْيَنْظُرْ كُلُّ وَاحِدٍ كَيْفَ يَبْنِي عَلَيْهِ"(1كو3: 10).
والذي يبني، يحتاج إلى حكمة، ويحتاج أيضًا إلى حب. ولا تكفي مجرد المعرفة. فالمعرفة قد تنفخ، بينما المحبة تبني (1كو8: 1). إنه لا يمكنك أن تبني أشخاصًا، ما لم تكن تحبهم. ما أكثر ضياع عمل أولئك الذين يتحمّسون للملكوت، فيُشبعون المخطئين توبيخًا! وقد يحطمون نفوسهم بالانتهار المرِّ. وربما ينفر أولئك إذ يشعرون بقسوة وعنف التوبيخ، فيبتعدون.
بالحب بنى الرب يسوع المرأة السامرية، وزكا العشار.
وكذلك المرأة الخاطئة المضبوطة في ذات الفعل.. وبالحب أيضًا بنى شاول الطرسوسي الذي كان "ينفث تهديدًا"، وكان أيضًا "يرفس مناخس" (أع9).. وبالحب بنى بطرس الذي أنكره ثلاث مرات، وبنى نيقوديموس الخائف من اليهود الذي جاءه ليلًا (يو3)، وبنى المجدلية التي كان فيها سبعة شياطين (لو8: 2).
بالحب تشفق على المخطئين وتُعينهم على القيام من سقطتهم.
وفي ذلك قال القديس بولس الرسول: "اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ" (عب 13: 3). وقال أيضًا: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا، فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ.. اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ" (غل6: 1، 2). وقال يعقوب الرسول: "فِي وَدَاعَةِ الْحِكْمَةِ" (يع 3: 13).
وضرب لنا السيد المسيح مثالًا بنفسه، في رفق البناء الحكيم، إذ كان "قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ" (مت 12: 20). وقال: "رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ" (إش 61: 1).
كن رفيقًا بالمخطئين كي يحبوك، فتستطيع أن تبنيهم بالحب.
بهذا الرفق احتمل الرب الخطاة في كل جيل، بطول أناة عجيبة. وبطول الأناة هذه، اقتادهم إلى التوبة. وبهذا الرفق وبّخ الكتبة والفريسيين الذين كانوا يُحَمّلون الناس أحمالًا ثقيلة عسرة الحمل.. نقطة أخرى نقولها: كما تبني الناس بالحكمة وبالحب، ابنِهم أيضًا بالصلاة.
نعم، أنت تعمل في البناء. ولكن هل حقًا أنت الذي تبني؟ أم هو الله الذي يقول عنه المرتل في المزمور: "إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ، فَبَاطِلاً يَتْعَبُ الْبَنَّاؤُونَ" (مز1:127). فإن كان الرب هو الذي يبني، فاطلبه إذًا بالصلاة، ليتولى العمل بنفسه. ويكون كل عملك هو أن تشترك معه في عملية البناء. هوذا بولس الرسول يقول للرعاة في أفسس: "وَالآنَ أَسْتَوْدِعُكُمْ يَا إِخْوَتِي للهِ وَلِكَلِمَةِ نِعْمَتِهِ، الْقَادِرَةِ أَنْ تَبْنِيَكُمْ" (أع 20: 32).
إن لم يدخل الله في عملية البناء، فلن تتم. لأن بناء النفس ليس مجرد مجهود بشري، وليس هو حكمة إنسان. إنما الله بروحه القدوس، هو الذي يبني النفوس كلها، بعمل نعمته..
إذًا فالبنّاء الحكيم، هو الإنسان الذي يحمل الله "ثيئوفورس".
الله يعمل فيه، ويعمل معه وبه. لذلك كان بناء النفس لا بد أن يسبق بناء الآخرين. وكان العمل مع الله، لا بد أن يسبق العمل مع الناس. أما الذي يعمل بمفرده، دون أن يعمل الله فيه، فلن يبني شيئًا.. بل ربما بالغيرة الخاطئة، وبعدم الحب وعدم الحكمة، يهدم ولا يبني.
وهنا يبدو الفرق بين الشخص الروحي، وغير الروحي، حينما يدخل كلاهما في عمل البناء.
الإنسان الروحي كل كلمة يقولها، هي كلمة بناءة. وكل تصرف يتصرفه، هو تصرف بناء. وكل إنسان يقابله، يشعر هذا الإنسان أن أساسًا روحيًا قد وُضع في قلبه، وأن لبنة روحية قد بنيت في حياته.
وكل مخطئ يقابل الخادم الروحي، يتأكد من محبته، أنه يبنيه، وأنه حريص عليه أكثر من حرصه على نفسه.. وكل ما يعمله معه، إنما هو عمل للخير.. لذلك أقول: - كما لأحبائي – ابنوا..
وإن لم تكن لكم خبرة في البناء، فعلى الأقل شجّعوا البنائين، وعضدوهم. وعلى الأقل: لا تهدموا.
استمعوا إلى صوت القديس نحميا وهو يقول: "هَلُمَّ فَنَبْنِيَ سُورَ أُورُشَلِيمَ وَلاَ نَكُونُ بَعْدُ عَارًا" (نح 2: 17).
وليكن البناء في كل مجال.. في محيط الأسرة، وفي محيط الأصدقاء والمعارف، وفي مجال العمل، وفي الكنيسة، وفي المجتمع عامة، وعلى المستوى المسكوني، كما في العمل الفردي أيضًا.
وثقوا أن الله لا ينسى تعب المحبة.
وما أجمل قول معلمنا بولس الرسول: "إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ" (1كو 15: 58).
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في جريدة وطني، بتاريخ 4 يناير1981م
تأملات في الخروج
تأملات في الخروج*
في بداية كل عام جديد، يشتهي كل إنسان أن يخرج من عبودية الخطية، وتتحرر إرادته للرب.. فلننتهزها فرصة لكي نتأمل في قصة الخروج، وما فيها من معان روحية تنير الطريق أمامنا.
يحدثنا سفر الخروج عن "الخروج من أرض العبودية". ويؤخذ من الناحية الروحية على خروج الإنسان من عبودية الخطية.
ففرعون؛ يرمز إلى الشيطان أو إلى الشر. أما الوصول إلى كنعان؛ فيعني العشرة مع الله والمتعة به. والمفروض أننا نقرأ قصة الخروج بهذا المعنى الروحي، وليس كمجرد تاريخ شعب.. إنما هي رمز لحياة كل منا.
أول ما ندركه في القصة، أن حياة الإنسان لا تسير على خط واحد، فليست كلها نورًا ولا كلها راحة. قد نكون في راحة تحت رعاية يوسف، ثم يأتي حاكم آخر فيتبدل الحال. ما أجمل قول الرب: "مُدَّةَ كُلِّ أَيَّامِ الأَرْضِ زَرْعٌ وَحَصَادٌ وَبَرْدٌ وَحَرٌّ، وَصَيْفٌ وَشِتَاءٌ وَنَهَارٌ وَلَيْلٌ، لاَ تَزَالُ" (تك 8: 22).
إذًا ليست حياتك كلها نهارًا، وليست كلها حرارة. وقد يأتي عليك وقت تدخل فيه تحت عبودية فرعون. ولكن ثق أن الله لن يتخلى عنك في هذه العبودية.
سيأتي الوقت الذي يقول الرب لفرعون: "أَطْلِقْ شَعْبِي لِيَعْبُدُونِي" (خر9: 1). وستسمع قول الوحي الإلهي: "قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ.. الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر14: 13، 14).
على أنه عندما يبدأ الله عمله معك، لإخراجك من العبودية، قد تشتد الحرب عليك بالأكثر، ويرفض الشيطان تركك.
وهكذا نرى أنه عندما ذهب موسى، فطلب من فرعون إطلاق الشعب، اشتد في تسخيرهم بالأكثر وقال: "مُتَكَاسِلُونَ أَنْتُمْ، مُتَكَاسِلُونَ" (خر5: 17)!
هذا الاختبار اختبره الكثيرون، فقالوا: "كنا مستريحين ونحن بعيدون عن الله. وما إن سرنا في طريقه، حتى أحاطتنا المتاعب من كل ناحية".. وقد شعر موسى وهارون بهذا، فعاتبا الرب قائلين: "يَا سَيِّدُ، لِمَاذَا أَسَأْتَ إِلَى هذَا الشَّعْبِ؟!" (خر5: 22).
إن الخروج من عبودية الخطية، الخروج لعبادة الله في البرية، أمر قد لا يتم بسهولة، كما حدث في الخروج من مصر قد تحدث ضيقات، ولكن يعظم انتصارنا بالذي أحبنا.
ومن الجائز أن يأخذ فترة حتى يتم، فترة في الصراع مع قوى الشر التي يؤيدها الشيطان كما أيّد سحرة مصر.
فإذا وجدت صعوبة في الخروج من الخطية، فلا تحزن، بل ينبغي أن تسر، إذ تتأكد أن هذه هي علامات الطريق.
وأيضًا امتلأ بالرجاء في أن الله سيعمل معك، وأن عدوك مهما كان قويًا، فإن الله أقوى منه..
الله قادر أن يذل قوة الجبابرة الذين يمنعونك من الحياة معه.
نلاحظ في قصة الخروج، أنه كما كان رحيمًا مع شعبه الذي يعبده، كذلك كان عطوفًا على فرعون الذي يقاومه.
سلك معه أولًا باللطف، بنداء أو طلب. فلما لم يستجب، لم يعاقبه، بل استخدم معه المعجزات. ولما لم يقبل، فبدأ معه بضربات خفيفة. فلما قسى قلبه بدأت الضربات الشديدة. فلما استمر في قسوته ولم يتب، كانت الضربة الأخيرة التي لم يبدأ الله بها، أعني ضربة الهلاك. الله أطال أناته حتى على فرعون، وأعطاه فرصًا للتوبة.
بل إن الله كان يقبل وعود فرعون، وهو يعلم كذبها.
قال فرعون لموسى وهرون: "صليا ليرفع الله عنّي ضربة الضفادع". ورفعها الله وهو يعلم أن فرعون سوف لا يتوب ووعوده زائفة. وحدث نفس الوضع بالنسبة إلى ضربة الذباب. وكان الله يتماشى مع الوعد وهو يعلم مسبقًا عدم الوفاء به.. ما أطيب الله!!
كان الله أمينًا، على الرغم من عدم أمانة البشر..
صدقوني، إننا فراعنة مثل هذا الفرعون تمامًا.. كم من مرة وعدنا الله وعودًا إن صفح وتعطف، ثم رجعنا في وعودنا. كم من مرة كذب فرعون على الله، ولم يؤاخذه الله على كذبه، ولم يأخذ بكذبه، وإنما كان يفسح صدره لكذبة أخرى، ووعد آخر هو مجرد خوف بلا وفاء..
يا رب، ألا تؤثر هذه الخبرات على طيبة قلبك؟ كلا.. إن الطيبة قائمة إلى الأبد.. وكذلك كان من طيبة الله اختياره لموسى الطيب.
قال الكتاب: "وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ" (عد 12: 3). إن الله يعرف كيف ينتقي أولاده الذين ينفذون مشيئته. والذين يقدرون على احتمال قلب قاس عنيد كقلب فرعون..
إن قلب فرعون القاسي، على الرغم من طول أناة الله، هو مثال واضح لفرص وسائط النعمة. في الضربات العشر، التي أراد بها الله جذب فرعون لا معاقبته، لم يكن فرعون يقبل العمل الإلهي، بل كان يساوم..
كان يتفاوض بأسلوب المكر، وليس بأسلوب العبادة والتوبة. كان يريد أن يهرب من العقوبة، ولم يكن يريد أن يقترب إلى الله.. أما موسى فلم يكن يتفاوض. كان غرضه واضحًا أمامه لم يتزحزح عنه أبدًا ولم يتنازل.. كان يصر على خروج الشعب للعبادة. كانت مشيئته مطابقة لمشيئة الله..
كانت رغبات فرعون المسيطرة عليه، أقوى في قلبه من تأثير ضربات الله، وأقوى من تأثير موسى. كانت رغباته تستعبده، وقد قادته إلى العناد، وصلابة الرأي وصلابة الرقبة.. وعلى الرغم من كل وعوده، جرى وراء الشعب حتى النهاية. فرعون يمثل الشخص الذي لا يستفيد من التجارب والخبرات.
حقًا إن الخطية تظلم العقل فلا يرى، ولا يستفيد من إنذارات الله ولا من عقوباته ولا من محبته وطول أناته..
لا شك أن الضربات العشر حطّمت هيبة الآلهة المصرية، كما حطّمت كرامة فرعون، وبقي الرب وحده منتصرًا. إن قصة الخروج، تعطينا فكرة عن أهمية الخروج في حياة المؤمنين، ولها في الكتاب قصص كثيرة وأمثلة..
كثير من الناس بدأت علاقتهم مع الله بقصة خروج..
هكذا بدأت قصة إبراهيم بخروجه من أهله وعشيرته ووطنه، إلى الجبل الذي أراه الرب إياه (تك12) وقال له: "فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ". ولم ينل هذه البركة وهذه العشرة الإلهية إلا بالخروج.
ونجاة لوط، لم تتم إلا بالخروج من سدوم، حيث أمره الرب أن يخرج، وقال له: "لاَ تَقِفْ فِي كُلِّ الدَّائِرَةِ، اهْرُبْ إِلَى الْجَبَلِ لِئَلاَّ تَهْلِكَ" (تك 19: 17).
كان خروج لوط عكس خروج موسى، وكلاهما كان سبب نجاة.
موسى مع شعبه خرج بكل قلبه، أما لوط فكان الملاكان يشدّانه مع أسرته شدًا إلى الخارج.
موسى خرج بشعبه من العبودية لذلك كان خروجًا مفرحًا، أما لوط فخرج من النعيم العالمي، لذلك كان عزيزًا عليه أن يخرج. ولهذا فقد كل شيء كان له في سدوم، بعكس موسى.. ولكن أيًا كان الخروج وملابساته، فقد كان لازمًا ونافعًا..
هناك أشخاص ليست لهم نية الخروج، ولا يخرجون إلا إذا اضطروا إلى ذلك، ودفعهم الله دفعًا. وقد يتباطأون في الخروج كما فعل لوط..
أما نحن فلنستمع لقول القديس الأنبا أنطونيوس: "أخرج منها بإرادتي، قبل أن يخرجوني كارهًا".
نقطة هامة أخرى في قصة الخروج وهي
إن هؤلاء الذين خرجوا وراء الله، خرجوا وهم لا يعلمون إلى أين يمضوا. خرجوا بالإيمان إلى المجهول. خرج إبراهيم وهو لا يعلم إلى أين يذهب، وهكذا خرج لوط، وهكذا خرج الاثنا عشر تلميذًا.. وهكذا خرج السوّاح.
قد تكون للخروج متاعب ناتجة عن حسد الشياطين، وفي ذلك يقول يشوع بن سيراخ: "يَا بُنَيَّ، إِنْ أَقْبَلْتَ لِخِدْمَةِ الرَّبِّ الإِلهِ، فَاثْبُتْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَأَعْدِدْ نَفْسَكَ لِلتَّجْرِبَةِ" (سيراخ 2: 1).
إن الله - في تربية أولاده - لا يحب التدليل...
إنما قد يسمح بالتجارب، ويعطينا بركتها وفائدتها. ويسمح للعدو أن يحارب، حتى لا يحتج علينا. وفي التجارب يعطينا الرب أن نكتسب خبرات جديدة في الحياة الروحية، وفي المعيشة معه.
وفي قصة الخروج، نلاحظ ملاحظة هامة جدًا وهي: إن كثيرين خرجوا من عبودية الخطية المحيطة بهم من الخارج، ولكنهم لم يخرجوا من الخطية التي في أحشائهم.
ما أرهب أن الذين خرجوا من عبودية فرعون، وانشق أمامهم البحر الأحمر، وفجّرت لهم الصخرة ماءً، وأكلوا طعامًا سمائيًا، وقادتهم السحابة بالنهار وعمود النار بالليل، وصنع الله معهم عجائب.. هؤلاء، عادوا فهلكوا في البرية. لا تغتر إذًا بالخطوة الأولى في النجاح، إنما تمّم خلاصك بخوف ورعدة. فكثيرون بدأوا بالروح وكمّلوا بالجسد.
وكما يقول بولس الرسول: "لاَ تَسْتَكْبِرْ بَلْ خَفْ" (رو 11: 20).
إن العدو لا يحاربك فقط في أرض سدوم، إنما يحاربك أيضًا في جنة عدن. يحاربك وأنت ماشي على الماء مع المسيح. فكن متواضعًا ليعمل الله فيك.
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 13 يناير1978م
محاسبة النفس
محاسبة النفس*
يحسن بكل منا – في نهاية كل عام – أن يجلس إلى نفسه ويحاسبها. كيف سلكت طوال العام؟ هل ربحت فيه أم خسرت؟ هل ازددْتَ فيه أم نقصت؟ خير لنا حقًا أن نحاسب أنفسنا. متذكرين قول القديس مقاريوس الكبير: "احكم يا أخي على نفسك، قبل أن يحكموا عليك".
ليس فقط في نهاية العام نحاسب أنفسنا، بل أفضل من هذا أن نحاسب أنفسنا في نهاية كل يوم عما عملناه فيه. وأفضل جدًا من هذين الأمرين أن نحاسب أنفسنا بعد كل عمل مباشرة. بعد كل كلمة قلناها، وبعد كل تصرف تصرفناه. والوضع الأمثل هو: أن نحاسب أنفسنا على العمل، قبل أن نعمله، لنرى هل يليق بنا أن نعمل هذا أم لا نعمل؟ فلا ننتظر مثلًا أن نخطئ، ثم نحاسب أنفسنا على أخطائنا بعد فوات الفرصة. بل الأفضل أن نفكر أولًا ونحترس. حسنٌ هو بلا شك أن نقوم بعد أن نسقط. ولكن الأحسن هو أن نحترس فلا نسقط.. وذلك كما قال الشاعر العربي: قدّر لرجلك قبل الخطو موضعها.
إن محاسبة النفس، يتبعها إدانة النفس. لأن كثيرًا من الناس يدللون أنفسهم ويجاملون أنفسهم. وإن ظهر لهم خطأ قد ارتكبوه، يقللون من شأنه، أو يقولون إنهم لم يقصدوه، أو يلتمسون لأنفسهم الأعذار والتبريرات، ومنها أن الضغوط الخارجية هي التي اضطرتهم إلى ذلك. ولكن الإنسان الروحي لا يجوز له أن يعتذر بالظروف المحيطة به.
إن الضغوط الخارجية لا يستسلم لها سوى الضعف الداخلي..
فإن سقطت في خطية بسبب ضغط خارجي، وبّخ نفسك وقل لها: كان ينبغي أن أكون قويًا، ولا أستسلم لذلك الضغط ولا أضعف. هوذا القديس بولس الرسول يوبّخنا بقوله: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب 12: 4). ولا شك أنك إن قاومت، فلا بد أن نعمة الله تعينك فلا تسقط. إن يوسف الصديق كانت عليه ضغوط شديدة من امرأة سيده، ولكنه قاوم وانتصر ولم يسقط.. ولو كان من النوع الذي يحتمي وراء الأعذار، لوجد كثيرًا من الأعذار يدافع بها عن نفسه..
لذلك في محاسبتنا لأنفسنا على أخطائنا، يجب أن ندين أنفسنا ولا نعذرها. فقد قال القديس أنطونيوس الكبير: "إن دِنّا أنفسنا، رضيَ الديان عنا". وقال ذلك القديس أيضًا: "إن تذكرنا خطايانا، ينساها لنا الله. وإن نسينا خطايانا، يذكرها لنا الله". إن الأعذار تغطي على الخطايا، فلا تظهر لنا في حجمها الطبيعي ولا نذكرها. وحسنًا قال الرسول: "أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ" (رو 2: 1).
إن الذي باستمرار يعذر نفسه كلما يخطئ، قد يصبح ضميره من النوع الواسع الذي يبلع الجمل (مت 23: 24).
وقد يعتذر إنسان بالفساد المنتشر والبيئة الخاطئة. وهذا أيضًا عذر غير مقبول. فالمفروض أن الإنسان البار تكون له مبادئه وقيمه السامية التي ترتفع فوق مستوى البيئة المحيطة. فإن موسى النبي كان في مبدأ حياته في قصر فرعون محاطًا بالعديد من العبادات الوثنية، ومع ذلك احتفظ بإيمانه. وكذلك كان دانيال النبي في أرض السبي في قصر ملك وثني، ومع ذلك قال الكتاب عنه: "أَمَّا دَانِيالُ فَجَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ وَلاَ بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ" (دا 1: 8).
لذلك مهما كانت البيئة، ضع في قلبك ما قيل في قصيدة (ذلك الثوب):
سأطيع الله حتى | لو أطعت الله وحدي |
إن أبانا نوح البار كان رجلًا كاملًا سار مع الله (تك 6: 9). على الرغم من أنه عاش في جيل شرير فاسد، بلغ به الشر أن الله أغرقه بالطوفان. ولم يتأثر نوح مطلقًا بشر ذلك الجيل، بل نجا هو وأسرته..
الإنسان الحريص على خلاص نفسه، لا يحاسبها فقط على خطاياها، بل أيضًا يحاسب نفسه على الفضائل التي لم يجاهد لاقتنائها..
فالكتاب المقدس يطالبنا بحياة القداسة. وقد قال الله منذ العهد القديم: "تَكُونُونَ قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ" (لا 11: 44، 45) (لا 19: 2). لذلك يستشهد القديس بطرس الرسول بهذه الآية نفسها ويقول: "نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ"(1بط 1: 15، 16).
إذًا نحاسب أنفسنا على مدى علاقتنا بهذه القداسة. ونعتبر بُعدنا عن مستوى القداسة لونًا من الخطية، أو على الأقل هو نقص. إذًا نحاسب أنفسنا على نقائصنا، لأن السيد الرب يقول في العظة على الجبل: "كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت 5: 48). فلنحاسب أنفسنا بميزان هذا الكمال.
أو على الأقل بميزان الفضائل التي ذكرها القديس بولس الرسول في حديثه عن ثمر الروح (غل5: 22، 23): "المحبة، والفرح، والسلام، وطول الأناة، واللطف، والصلاح، والإيمان، والوداعة، والتعفف" (يمكنك في هذا الأمر، أن ترجع أيضًا إلى كتابنا ثمر الروح).
حاسب نفسك أيضًا عن علاقتك بالله، وبالناس، وبنفسك. من جهة نفسك: حاسب حواسك، وفكرك، ونياتك، ومشاعر قلبك، وما هو نوع متعك وما تلتذ به وتفرح.. إن داود النبي يضع أمامنا المتعة الأساسية وهي: "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ" (مز 34: 8).
فهل ذقت هذه المتعة؟ حاسب نفسك. أم أن متعك في أمور أرضية مادية فانية؟! إذًا استمع إلى قول القديس بولس الرسول: "غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ" (2كو 4: 18). أتراك تحاسب نفسك على هذا المقياس؟
إن كان هذا الأمر مرتفعًا، فلننزل قليلًا، ونسأل: ما نوع ملاذك؟ ما نوع قراءاتك؟ كيف تشغل وقتك؟ ما هي اهتماماتك بنفسك؟ ما حكمك على نقاوة قلبك؟ ما هو العنصر المتكرر في اعترافاتك؟ بل ما هي درجة نموّك الروحي؟ إن النمو هو أيضًا من عناصر محاسبة النفس..
إذًا لتكن لك رقابة دائمة على نفسك.
نصيحة هامة قالها القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف وهي: "لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ" (1تي 4: 16). اذكر هذه العبارة باستمرار "لاَحِظْ نَفْسَكَ". فلا تجعل مشغوليات الحياة، ودوامة اللقاءات والعمل تلهيك عن نفسك. بل "لاَحِظْ نَفْسَكَ.. وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ".
ملاحظة النفس تقود إلى محاسبة النفس، ثم إلى إدانة النفس، وإلى تبكيت النفس ومعاقبتها على أخطائها. وكل هذا يقود إلى علاج النفس.
إذًا محاسبة النفس ليست هدفًا في حد ذاته، إنما هي وسيلة، أو هي نقطة البدء التي تؤدي إلى فضائل عديدة، منها إصلاح النفس، وتنقيتها من خطايا عديدة، وقيادتها من حياة التوبة إلى القداسة والكمال.. وطبعًا كل هذا لا يتم إلا إذا كانت محاسبة النفس في جدية، وفي حزم وبموازين سليمة وسامية في غير مجاملة وتحيز. لأن مجاملة النفس تؤدي إلى ضياعها، وإدانتها تؤدي إلى تقويمها وإصلاحها.
ألست تقول في كل يوم في الصلاة الربية: اغفر لنا؟.. هل تقول هذه الطلبة بطريقة روتينية، وليس في ذهنك شيء تطلب من الله أن يغفره؟! أم أنك – في محاسبتك لنفسك – تعرف تمامًا ما تصلي لأجل مغفرته.. وتذكره أمام الله، من عمق قلبك وفكرك.
إن القديسين كانوا يذكرون خطاياهم حتى بعد مغفرتها.
القديس بولس الرسول الذي دعاه الرب بنفسه ليكرز للأمم، والذي تعب أكثر من جميع الرسل، نراه يقول: "أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً لأَنْ أُدْعَى رَسُولاً، لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ" (1كو 15: 9). ويكتب أيضًا إلى تلميذه تيموثاوس ويقول "أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلاً مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا. وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْل فِي عَدَمِ إِيمَانٍ" (1تي 1: 13). وعلى الرغم من أنه فعل ذلك بجهل وفي أيام عدم إيمانه، وعلى الرغم من رحمة الله له ومغفرته، ودعوته لأن يكون من أبطال الإيمان، إلا أنه ظل منسحقًا يتذكر خطاياه.
محاسبة النفس إذًا تقود إلى الانسحاق والاتضاع.
فإن لم يحاسب الإنسان نفسه، قد ينسى خطاياه، ويفقد اتضاعه.. أما داود النبي فإنه يقول في المزمور الخمسين: "وَخَطِيَّتِي أَمَامِي في كلّ حِين". قال هذا بعد مغفرة الرب له (2صم 12: 13). وظل هكذا في اتضاعه، حتى أنه حينما شتمه شمعي بن جيرا بشتائم موجعة، وأراد رجاله أن ينتقموا منه، منعهم قائلًا: "دَعُوهُ يَسُبَّ لأَنَّ الرَّبَّ قَالَ لَهُ: سُبَّ دَاوُدَ" (2صم 16: 10).
الذي يحاسب نفسه، لا يدين غيره، بل يركز على إدانة نفسه.
باستمرار ينظر إلى الخشبة التي في عينه، فلا يتفرغ لنظر القذى الذي في عين أخيه (مت 7: 1-3). إنه يخاف من قول الرب: "بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ" (مت 7: 2). وهكذا وبخ السيد المسيح الكتبة والفريسيين الذين أرادوا رجم المرأة المضبوطة في ذات الفعل. وقال لهم: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ" (يو 8: 7).
قطعًا أرادوا رجمها، لأنهم ما كانوا يحاسبون أنفسهم على خطاياهم! كما يقول المثل: من كان بيته من زجاج، لا يقذف الناس بالحجارة.
العشار كان يحاسب نفسه على خطاياه. لذلك وقف منسحقًا أمام الله يقول: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ" (لو 18: 13). وهكذا خرج مبررًا دون ذلك الفريسي، الذي نسى خطاياه، ووقف أمام الله مفتخرًا يدين غيره.
حقًا إن محاسبة الإنسان لنفسه، تمنعه من الافتخار والمجد الباطل.
لأنه كيف يفتخر، وخطيته أمامه، تسحق نفسه؟! لذلك فهو لا يمدح نفسه، ولا يقبل المديح من الآخرين. بل يسهل عليه الاعتراف بخطاياه. وهكذا فعل القديس موسى الأسود، الذي لما دُعيَ لإدانة راهب، حمل جوالًا مملوء بالرمل وبه ثقب. وقال لمن سألوه: "هذه خطاياي من وراء ظهري تجري، وقد جئت لإدانة أخي!". لذلك من يحاسب نفسه على خطاياه، يشفق على غيره، عارفًا أن الخطية "طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ" (أم 7: 26). وهكذا يضع أمامه قول الرسول: "اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ" (عب 13: 3).
وهكذا كان يفعل القديس يوحنا القصير. كان إذا رأى إنسانًا ساقطًا، يبكي ويقول: "الشيطان أسقط أخي اليوم، وقد يتوب غدًا. وربما يسقطني أنا أيضًا ولا أتوب" ويبكي!!
إن مَن يحاسب نفسه، يشعر بضعفه، ويصل إلى مخافة الله.
يكتسب هذه المخافة، ويقول كما نصلي في الأجبية في صلاة النوم: "هوذا أنا عتيد أن أقف أمام الديان العادل مرعوبًا ومرتعدًا من أجل كثرة ذنوبي". وكما نقول في صلاة نصف الليل: "إذا ما تفطنت في كثرة أعمالي الرديئة، ويأتي على قلبي فكر تلك الدينونة الرهيبة، تأخذني رعدة، فأهرب إليك يا الله محب البشر، فلا تصرف وجهك عنّي..".
إذًا محاسبة النفس تقود إلى الصلاة. لأن من يشعر بخطاياه، يصلّي طالبًا من الله المغفرة. لأن هذا هو الملجأ الوحيد له. كما قال داود في المزمور السادس: "يَا رَبُّ، لاَ تُوَبِّخْنِي بِغَضَبِكَ، وَلاَ تُؤَدِّبْنِي بِغَيْظِكَ" (مز 6: 1). بل تقود إلى الدموع أيضًا، كما قال داود في نفس المزمور السادس: "أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي" (مز 6: 6).
ومحاسبة النفس تقود أيضًا إلى التوبة وإلى التداريب الروحية.
فإذ يحاسب الإنسان نفسه وتتكشف له خطاياه، يدخل في تداريب روحية لكي يدرب نفسه على ترك تلك الخطايا. وهكذا تقوده المحاسبة إلى التوبة. كما تقوده أيضًا إلى النمو الروحي، حينما يتذكر نقائصه في محاسبته لنفسه. ويتعود الحرص في حياته الروحية.
أرجو لكم – في محاسبتكم لأنفسكم – أن تضعوا كل الخطايا والضعفات أمام الله وأنتم تصلون في ليلة رأس السنة.
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في جريدة وطني، بتاريخ 28 ديسمبر1997م


