عمل الروح فينا

عمل الروح فينا[1]
منذ أيام كنا نحتفل بعيد حلول الروح القدس. ونود أن تكون محاضرتنا اليوم عن الروح القدس وعلاقتنا به. قال الكتاب إننا هياكل الروح القدس، والروح القدس يحل فينا. وقد أخذنا الروح القدس في سر الميرون، وأصبح الروح هو الذي يقود حياتنا، كنيسة وأفرادًا. فهل نحن كذلك؟ أم أن الذي يقودنا هو فكرنا البشري وشهواتنا البشرية. ما هو مقياس عمل الروح فينا؟
عمل الروح فينا
روح الله عندما يحل فينا تكون له مظاهر وثمار وعلامات تدل على عمله. فما هي؟ إنها:
1- حرارة الروح:
يطلب منا الرسول أن نكون: “حَارِّينَ فِي الرُّوحِ” (رو12: 11) لأن روح الله عندما يحل في الإنسان يشعله بالحرارة.
لقد حل روح الله في يوم الخمسين، على هيئة “أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ” (أع2: 3). وفعلًا ألهب الرسل، وتحول العالم المسيحي كله إلى شعلة من نار، في الخدمة، في الكرازة، في الغيرة والحماس، في المحبة التي شبهها الكتاب بالنار، وقال إن: “مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْفِئَ الْمَحَبَّةَ” (نش8: 7).
– في قصة إشعياء النبي، أخذ السارافيم جمرة نار من على المذبح، ومسح شفتيه، فتطهر، والتهب قلبه بالنار.
وفي قصة إرميا النبي، صارت كلمة الرب في قلبه مثل النار، فلم يستطع أن يصمت على الرغم من الضيقات التي قابلها.
إذا دخل روح الله في قلبك، ينطبق عليك قول المرنم: “غَيْرَةُ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي” (يو2: 17). وإذا ضعف عمل الروح فيك، تصاب حياتك “بالفتور” أي تقل حرارتك.
لهذا يقول الكتاب: “لاَ تُطْفِئُوا الرُّوحَ” (1تس5: 19)، أي احتفظوا بحرارته عاملة فيكم على الدوام. كونوا كذبيحة المحرقة تشتعل فيها النار على الدوام، لا تطفأ…
“إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ” (عب12: 29). ولهذا قال المعمدان عن السيد المسيح، إنه “يُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ” (مت3: 11). وبهذا فإن الشخص الذي يعمل فيه الروح القدس يكون ملتهبًا باستمرار.
داود الذي حل عليه روح الرب، اشتعل قلبه بالنار لما سمع جليات يعير صفوف الله الحي، وبينما صمت الجميع، لم يستطع هو أن يهدأ حتى أراح الشعب من تعييراته. وبطرس الرسول الذي كان خائفًا من قبل، لما حل عليه روح الرب، ملأ الدنيا تبشيرًا، وقال لرؤساء اليهود الذين يهددونه: “نحن لا نستطيع ألا نتكلم” (أع4: 20).
هل هذه الحرارة موجودة في قلبك أم لا؟ هل تسلمت من الروح القدس هذه النار المقدسة تشعل قلبك؟
في البرية، في خيمة الاجتماع، كانوا يحملون معهم باستمرار النار المقدسة، التي نزلت قبلًا من السماء… هذه النار صاحبت الكنيسة في عصر الرسل، وفي عصور القديسين، ولكنها كانت نارًا غير مادية، نار الروح في قلوبهم…
الشخص الذي فيه روح الله: إذا صلى تكون صلاته حارة، وإذا خدم تكون خدمته بكل حرارة. هو شخص ملتهب القلب في كل عمل يعمله.
أنت هيكل الله، وينبغي أن تكون النار المقدسة في الهيكل باستمرار. السيدة العذراء شُبهت بمجمرة من ذهب “بشورية هارون” لأن الروح القدس حل عليها كجمر النار.
فهل الروح القدس أشعل فحماتك السوداء، فالتهبت، وصاحت في فرح: “أَنَا سَوْدَاءُ وَجَمِيلَةٌ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ” (نش1: 5). إن النار أعطت الفحم توهجًا، فنسى طبيعته، وصار نارًا…
إن كان الروح القدس يعمل فيك، فأنت شعلة من نار… تصير كُلك نارًا، وهذه النار تأكل كل شهوة ورغبة عالمية… كما أن هذه النار تشعل محبة الله في قلبك…
أول مظهر إذن لعمل الروح فينا هو الحرارة. فماذا أيضًا؟
2- روح القداسة:
بروح الله، تعيش إنسانًا روحانيًا، تسلك حسب الروح، وتحيا حياة روحية، مقدسة. ماذا إذن عن الشخص الخاطئ؟
الخاطئ هو إنسان يحزن روح الله الذي فيه…
لذلك يقول الكتاب: “لاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ” (أف4: 30). إن حياتك الروحية لها معنيان:
1- أن روحك تقود جسدك، فتسلك حسب الروح وليس حسب الجسد.
2- أن روح الله يقود روحك، وتستسلم أنت لقيادة روح الله.
عليك في عيد حلول الروح القدس، أن تسأل نفسك: هل أنا أحيا حياة روحية؟ أم حياة عالمية؟ أم حياة جسدية؟ أم نفسية أم اجتماعية؟ هل روح الله له السلطة في حياتي، أم أنا أقاوم الروح؟
أصعب ما في الحياة الروحية، أنه إذا استمرت مقاومتنا للروح، ينزع الله روحه منا. كما قيل عن شاول الملك؛ وفارق “رُوحُ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ شَاوُلَ، وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ” (اصم16: 14). وهذا ما خافه داود فقال في المزمور: “رُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي” (مز51: 11). وهكذا يصل الإنسان إلى التجديف على الروح القدس.
والتجديف على الروح هو الرفض الكامل الدائم لكل عمل للروح القدس في القلب. وبهذا لا يمكن أن يصل الإنسان للتوبة. وبعدم التوبة لا تكون له مغفرة…
قل له: يا رب، الأعمال التي لا تشترك معي فيها، أعطيني القوة لكي لا أعملها. أنا أريد أن أعمل معك على الدوام، وأفرح بأن أدخل في شركة الروح القدس…
ما أجمل قول الصلاة “اشترك في العمل معنا”، “اشترك مع عبيدك في كل عمل صالح”… نعم، ما فائدة أن أكون هيكلًا للروح القدس، إن كنت لا أشترك معه في العمل…
من الأسباب الرئيسية لعدم اشراكنا للروح معنا، اعتدادنا الكبير بشخصيتنا، وثقتنا الكبيرة بتدبيرنا وتفكيرنا، بينما يقول الكتاب: “وعلى فهمك لا تعتمد”.
مثال لذلك: كثيرون يريدون أن يتوبوا، معتمدين على قوتهم وعزيمتهم دون أن يشركوا روح الله معهم. فيقول الواحد منهم: سأترك الخطية الفلانية… قررت كذا… عزمت على كذا… لن أفعل كذا في المستقبل… ونحن نسأل هذا الإنسان:
كيف ستتوب؟ هل بذراعك البشرى؟ أم بالشركة مع الروح القدس؟ ما أجمل قول المرنم “توبني يا رب فأتوب” (إر31: 18).
فلننظر إلى داود النبي وكيف تاب: إنه يصرخ إلى الله ويقول: “طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ” (مز51: 7)، “اغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي، وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي” (مز51: 2).
إنه يطلب من الله أن يغسله، وأن يطهره، وأن يتوبه. يطلب من الله أن يدخل في حياته، لأن كل عطية صالحة هي من عنده، نازلة من فوق، من عند أبي الأنوار (يع1: 17).
أنا يا رب عاجز عن أن أطهر نفسي. لو كانت لي هذه القدرة على الطهارة، ما كنت قد وقعت في الخطية. “أَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي، وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ” (رو7: 18)، “الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ لست أفعل… لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ…. لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ” (رو7: 19- 20)
فإن كنت أنا هكذا، إنسانًا عاجزًا، “مبيعًا تحت الخطية”، فإليك ألجأ أن تنقذني من “جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ” (رو7: 24)، “اغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي، وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي”، “اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ” (مز51: 2، 7)….
أنا لا أريد أن أعمل وحدي، أريد أن أدخل في شركة الروح القدس، أريد من روحك القدوس أن يهبني القداسة من عنده…
روحك هو الذي “يبكتني على خطية”، وروحك هو الذي يحيني في الحياة الروحية، وروحك هو الذي يقود ويرشد… أنا مثل الرجل المريض الذي ليس له إنسان يلقيه في البركة. ومثل بطرس الذي عندما امسكت بيده، استطاع أن يمشي فوق الماء.
ليس في التوبة فقط، أطلب عمل روحك، وإنما في الخدمة أيضًا…
روحك القدوس هو الذي يعمل العمل كله، هو “الناطق في الأنبياء” وهو الذي “يعطي كلمة للمبشرين”.
لذلك حسنًا قال لتلاميذه: ” لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ”، وحينئذٍ “تَكُونُونَ لِي شُهُودًا” (أع1: 18)، “لا تبرحوا أورشليم حتى تلبسوا قوة من الأعالي” (لو24: 49). من أجل هذا اشترط الآباء الرسل حتى بالنسبة إلى الشماس أن يكونوا “مَمْلُوِّينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (أع6: 3)، لأن الروح الذي سيعمل فيه ومعه.
إن الخدمة ليست ذراعًا بشريًا، ولا مجهودًا بشريًا. ليست حكمة بشرية… وإلا كان الفضل فيها يرجع إلى الناس وليس إلى الله.
نعود فنتذكر قول المزمور: “إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ، فَبَاطِلاً يَتْعَبُ الْبَنَّاؤُونَ” (مز127: 1)، وأيضًا قول الرب: “بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا” (يو15: 5).
اسكب نفسك إذن أمام الله، وخذ منه قوة للخدمة، واطلب من روحه القدوس أن يعمل معك.
كل خدمة فاشلة، سببها أن الخادم لم يأخذ روح الله معه في الخدمة، بل خدمه بمفرده. لذلك لم يختر الله “حكماء العالم” ولا “الأقوياء”، المعتمدين على حكمتهم وقوتهم…
إن الخدام الذين يسكبون أنفسهم كل يوم أمام الله من أجل الخدمة، ويطلبون من روح الله أن يعمل، هؤلاء ينجحون. أما الذراع البشرية فقد “طرحت كثيرين جرحى، وكل قتلاها أقوياء”.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “عمل الروح فينا”، الكرازة: 4 يوليو 1975م.



