سر قوة الكنيسة أيام الرسل

سر قوة الكنيسة أيام الرسل[1]
† الكنيسة أيام الرسل، كانت قوية ونامية:
على الرغم من الاضطهادات العنيفة التي لاقتها الكنيسة من الدولة الرومانية، ومن اليهود، ومن فلاسفة الوثنية، فإن الكنيسة كانت قوية، وكانت تنمو بطريقة عجيبة ومذهلة.
“كَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ” (أع2: 47). “وَكَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ تَنْمُو، وَعَدَدُ التَّلاَمِيذِ يَتَكَاثَرُ جِدًّا فِي أُورُشَلِيمَ، وَجُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الْكَهَنَةِ يُطِيعُونَ الإِيمَانَ” (أع6: 7). “وَأَمَّا الْكَنَائِسُ فِي جَمِيعِ الْيَهُودِيَّةِ وَالْجَلِيلِ وَالسَّامِرَةِ فَكَانَ لَهَا سَلاَمٌ، وَكَانَتْ تُبْنَى وَتَسِيرُ فِي خَوْفِ الرَّبِّ، وَبِتَعْزِيَةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ كَانَتْ تَتَكَاثَرُ” (أع9: 31). “وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ” (أع4: 33)، وحتى الذين تشتتوا من جراء الاضطهاد، “جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ” (أع8: 4).
صورة جميلة ومشرفة لكنيسة نامية.. بعظة واحدة ألقاها بطرس تعمد ثلاثة آلاف (أع2: 41). ثم صار عدد الرجال خمسة آلاف (أع4: 4) غير النساء والأطفال.. ثم انضمت جماهير، ثم انضمت مدن، ثم دخلت الأمم في الإيمان (أع10)، “وَأَمَّا كَلِمَةُ اللهِ فَكَانَتْ تَنْمُو وَتَزِيدُ” (أع12: 24). وفي ثلاثين سنة، كانت المسيحية قد انتشرت في أشهر بلاد العالم كله…
وكان واضحًا أن الآباء الرسل نفذوا قول الرب “وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” (أع1: 8).
ووقف العالم مذهولاً أمام قوة الكلمة، وقوة المعجزة.
كانت المعجزات تؤيد كرازة الرسل “وَجَرَتْ عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّعْبِ…. وَكَانَ مُؤْمِنُونَ يَنْضَمُّونَ لِلرَّبِّ أَكْثَرَ، جَمَاهِيرُ مِنْ رِجَال وَنِسَاءٍ” (أع5: 12، 14).
فما السر العجيب الذي كان يكمن وراء هذه القوة؟
كان سر القوة بلا شك، هو الروح القدس…
لقد أمر السيد المسيح رسله “فَأَقِيمُوا فِي مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْ تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ الأَعَالِي” (لو24: 49). ومتى نالوا هذه القوة؟ لقد قال لهم: “لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ” (أع1: 8).
وفعلًا لم يبدأ الرسل عملهم الكرازي، إلا بعد حلول الروح القدس عليهم يوم الخمسين، وأخذوا منه قوة (أع2).
وأستمر عمل الروح القدس فيهم سر قوتهم…
كانت الكنيسة قوية، لأن الامتلاء بالروح، كان شرط الخدمة. بل كان الامتلاء بالروح وصية للمؤمنين جميعًا (أف5: 18).
بطرس الذي امتلأ من الروح القدس مع باقي الرسل في يوم الخمسين (أع2: 4)، قيل عنه لما كلم رؤساء الشعب بعد معجزة شفاء الأعرج “حِينَئِذٍ امْتَلأَ بُطْرُسُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (أع4: 8). واسطفانوس رئيس الشمامسة الذي كان مملوءًا من الروح القدس والحكمة والإيمان (أع6: 3، 5)، قيل عنه أيضًا في قصة استشهاده إنه “فَشَخَصَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (أع7: 55). هذا هو سر القوة إذن…
قيل عن برنابا إنه “كَانَ رَجُلاً صَالِحًا وَمُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَالإِيمَانِ. فَانْضَمَّ إِلَى الرَّبِّ جَمْعٌ غَفِيرٌ” (أع11: 24). بل قيل عن جماعة المؤمنين كلهم لما صلوا “امْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلاَمِ اللهِ بِمُجَاهَرَةٍ”، “وَلَمَّا صَلَّوْا تَزَعْزَعَ الْمَكَانُ الَّذِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهِ” (أع4: 31).
كنيسة الرسل كانت كنيسة الروح القدس. كانت جماعة من المؤمنين الروحيين الذين يقودهم الروح القدس…
وكان الروح القدس هو الذي يختار الخدام ويقودهم “وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ، قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ: أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ …. فَهذَانِ إِذْ أُرْسِلاَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ انْحَدَرَا إِلَى سَلُوكِيَةَ ….” (أع13: 2- 4).
قال الروح القدس لبطرس أن يذهب إلى كرنيليوس (أع10: 19) “فَبَيْنَمَا بُطْرُسُ يَتَكَلَّمُ بِهذِهِ الأُمُورِ حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا يَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ” (أع10: 44).
وقال الروح القدس لفيلبس أن يبشر الخصي الحبشي (أع8: 39). وبعد أن بشره وعمده “خَطِفَ رُوحُ الرَّبِّ فِيلُبُّسَ” (أع8: 29). والروح القدس كان يعين لبولس وسيلا أماكن خدمتهما (أع16: 6- 10).
كانوا يتكلمون بالروح، يعطيهم الروح ما يتكلمون به.
وكانوا “شركاء للروح القدس” كما كانوا “هياكل للروح القدس، والروح يحل فيهم”. لذلك نجحوا ككنيسة.
إن أردنا أن ننجح، فلنكن مثلهم، ممتلئين بالروح.
نأخذ من الروح ما نقوله للناس “مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ” (رؤ2: 11، 17، 29).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث بمناسبة عيد آبائنا الرسل “سر قوة الكنيسة أيام الرسل”، نُشر بمجلة الكرازة 18 يوليو 1980م.



