سر الكهنوت

سر الكهنوت[1]
وجود رتب الكهنوت الثلاثة من عهد الرسل.
ما معنى كلمة “أخوة”؟ هل تعني مساواة مطلقة بدون رئاسات؟
رجال الكهنوت رعاة، وسفراء للمسيح، وملائكة للكنائس،
وخدام عهد جديد. وهم أيضًا آباء ومعلمون ومدبرون ومرشدون.
شرحنا في العدد الماضي، كيف أن الكهنوت ليس لجميع الناس، بل إنه لفئة معينة، الرب يختار، ويرسل، ويحدد مكان الإرسالية، وعملها. ولا يأخذ أحد هذه الوظيفة من ذاته بل المدعو من الله كما هارون. هكذا كان في العهد القديم والعهد الجديد أيضًا. كان الكهنوت إرسالية ومسحة، ووضع اليد. نتابع بحث هذا الموضوع.
11- درجات الكهنوت الثلاث، وذكرها في الكتاب:
وردت في الكتاب درجات الأسقف والقس والشماس…
من جهة الأسقف قيل: “يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ كَوَكِيلِ اللهِ” (تي1: 7) “يَجِبُ أنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ، بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ” (1تي3 :2) “لترعوا كنيسة الله التي أقامكم فيها أساقفة”، “اِحْتَرِزُوا إذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً لِتَرْعُوا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ” (أع20: 28). واستهل القديس بولس رسالته إلى فيلبي بقوله: “بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ عَبْدَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ… مَعَ أَسَاقِفَةٍ وَشَمَامِسَةٍ” (في1: 1).
وردت درجة القسوس فيما قيل عن بولس وبرنابا: “وَانْتَخَبَا لَهُمْ قُسُوسًا فِي كُلِّ كَنِيسَةٍ ثُمَّ صَلَّيَا بِأَصْوَامٍ وَاسْتَوْدَعَاهُمْ لِلرَّبِّ” (أع14: 23). وقد وردت هذه الدرجة مترجمة في الترجمة البيروتيـة إلى كلمة شيوخ: أنظر (تي1: 5)، (يع5: 14)، (1تي5: 17، 19).
*أما درجة الشمامسة، فقد ذكرت في (فيلبي1: 1)، (1تي3: 8) وسيامـة الشمامسة السبعة (أع 6).
12- اشتراطات هذه الدرجات:
لو كان هذا العمل لجميع الناس، ما كان الكتاب يشترط له اشتراطات معينة، مثل “يكون صالحًا للتعليم”، “بعل امرأة واحدة”، “له أولاد في الخضوع”، “شهادة حسنة من الذين من خارج”.. إلخ..
ليس الجميع إذن أساقفة وقسوسًا وشمامسة. بل إن الرسول في بداية رسالته إلى فيلبي، يرسلها “إِلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِينَ فِي فِيلِبِّي، مَعَ أَسَاقِفَةٍ وَشَمَامِسَةٍ” (في1: 1)، وهكذا ميز الأساقفة والشمامسة عن باقي المؤمنين…
13- البعض يقول أن الكل أخوة (أي متساوون فلا رئاسات)!!
وهنا نسأل هل الأخوة تعني المساواة بمعناها المطلق، أم مساواة في شيء معين، مع وجود درجات متفاوته.
*المسيح نفسه دعانا أخوة، وقيل إنه: “لاَ يَسْتَحِي أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً” (عب2: 11)، فهل معنى هذا أن جميع الناس مساوون للمسيح؟ حاشا. فقد قال المسيح: “أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا وَحَسَنًا تَقُولُونَ لأَنِّي أَنَا كَذَلِكَ” (يو13: 13)، هم أخوة المسيح لأنه شابههم في الطبيعة البشرية، ولكنه مع ذلك معلم وسيد. ولا تعني الأخوة هنا المساواة المطلقة.
*المؤمنون كلهم أخوة، ومع ذلك يقول الكتاب: “فَوَضَعَ اللهُ أُنَاسًا فِي الْكَنِيسَةِ: أَوَّلًا رُسُلًا ثَانِيًا أَنْبِيَاءَ ثَالِثًا مُعَلِّمِينَ ثُمَّ قُوَّاتٍ… أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ رُسُلٌ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ أَنْبِيَاءُ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ مُعَلِّمُونَ؟ ……” (1كو12: 28، 29).
ما دام هناك رسل، إذن هناك من أرسلوا إليهم. وما دام هناك معلمون، إذن هناك من تتلمذوا عليهم. هناك إذن رئاسات وقيادات.
وورد شبه هذا الكلام في (أف4: 11) “وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ، لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ”.
وطبعًا ما دام هناك رعاة، إذن فهناك رعية. وليست الرعية في مستوى الرعاة. وهل المتعلمون في مستوى المعلمين؟ إذن هناك قيادات.
قيل: “الرَّجُلَ لَيْسَ مِنْ دُونِ الْمَرْأَةِ وَلاَ الْمَرْأَةُ مِنْ دُونِ الرَّجُلِ فِي الرَّبِّ” (1كو11: 11). فهل معنى هذا أن هذه الأخوة أمام الله في المسئولية الأدبية هي مساواة؟! كلا، إن الكتاب يقول في نفس الإصحاح: “رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ” (1كو11: 3).
كلنا أمام الله أخوة. كلنا معًا أبناء آدم وحواء، وأبناء الكنيسة، وأبناء الله. كلنا متساوون فيما نلناه من تبرير، وتجديد لطبيعتنا، وبنوة، وعضوية في جسد المسيح. ولكننا كأعضاء نختلف في عملنا ومسئولياتنا، حسبما قسم الله لكل واحد نصيبًا من الإيمان (رو12، 1كو12).
*يقول الكتاب: “لْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ بِلِيَاقَةٍ وَبِحَسَبِ تَرْتِيبٍ” (1كو14: 40). وإن لم تكن هناك في الكنيسة درجات وقيادات ورئاسات، تحولت الكنيسة إلى فوضى. ويذكرنا هذا بقول الكتاب: “فِي تِلْكَ الأَيَّامِ لَمْ يَكُنْ مَلِكٌ فِي إِسْرَائِيلَ. كُلُّ وَاحِدٍ عَمِلَ مَا حَسُنَ فِي عَيْنَيْهِ” (قض21: 25).
إن الرئاسة في الكنيسة ليست سلطة كسلطة الملوك، ولكنها سلطان للترتيب وتنفيذ مشيئة الله، كما سنشرح فيما بعد.
14- رجال الكهنوت هم وكلاء الرب:
*لما سأل بطرس الرب: “أَلَنَا تَقُولُ هَذَا الْمَثَلَ أَمْ لِلْجَمِيعِ أَيْضاً؟”، أجابه الرب: “فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟” (لو12: 41، 42).
إذن هنا وكيل يقدم الطعام الروحي لعبيد الرب، وطبعًا هو طعام مستمر، لأنه لا يوجد جيل يستغني عن الطعام الروحي.
وقطعًا ليس جميع الناس وكلاء! وإلا على من يقامون!
*قال الرسول: “فَلْيَحْسِبْنَا الإِنْسَانُ كَخُدَّامِ الْمَسِيحِ وَوُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ” (1كو4: 1).
هنا أيضًا عبارة (وكلاء) وعبارة (سرائر الله).
*وقال الرسول أيضًا عن كرازته: “إِنْ كُنْتُ أُبَشِّرُ فَلَيْسَ لِي فَخْرٌ إِذِ الضَّرُورَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَيَّ… فَقَدِ اسْتُؤْمِنْتُ عَلَى وَكَالَةٍ”(1كو9: 16، 17). فهل أنت كـــــــ بولس قد استؤمنت على وكالة؟
*وهكذا كل الخدام، الذين أخذوا موهبة للخدمة، يقول عنهم الكتاب: “لِيَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ مَا أَخَذَ مَوْهِبَةً يَخْدِمُ بِهَا بَعْضُكُمْ بَعْضًا، كَوُكَلاَءَ صَالِحِينَ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ” (1بط4: 10).
*ومن أيضًا قيل عنه في العهد الجديد إنه وكيل؟ قيل ذلك عن الأسقف، فيقول الرسول: “يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ كَوَكِيلِ اللهِ” (تي1: 7).
15- رجال الكهنوت هم خدام المسيح، خدام عهد جديد:
قال بولس الرسول: “فَلْيَحْسِبْنَا الإِنْسَانُ كَخُدَّامِ الْمَسِيحِ وَوُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ” (1كو4: 1). وقال إن لهم “خِدْمَةُ الرُّوحِ” (2كو3: 8)، وأعطاهم “خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ” (2كو5: 18) وقال الرسول أيضًا: “الَّذِي جَعَلَنَا كُفَاةً لأَنْ نَكُونَ خُدَّامَ عَهْدٍ جَدِيدٍ” (2كو3: 6).
16– ورجال أيضًا هم رعاة:
مع أن المسيح قال عن نفسه إنه: “الرَّاعِي الصَّالِحُ” (يو10: 11)، إلا أنه دعا البعض رعاة. فقال لبطرس: “اِرْعَ خِرَافِي… اِرْعَ غَنَمِي” (يو21: 15– 17).
وأيضًا قال الرسول: “وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا… وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ” (أف4: 11).
وقال بولس الرسول لأساقفة أفسس: “اِحْتَرِزُوا إذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً لِتَرْعُوا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ” (أع20: 28).
وقال بطرس الرسول للشيوخ رفقائه: “ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ الَّتِي بَيْنَكُمْ نُظَّاراً (أي أساقفة) لاَ عَنِ اضْطِرَارٍ بَلْ بِالاِخْتِيَارِ” (1بط5: 2).
17- رجال الكهنوت سفراء للمسيح:
قال بولس الرسول: “إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ” (2كو5: 20). وقال هذا الرسول أيضًا عن نفسه: “… الإِنْجِيلِ، الَّذِي لأَجْلِهِ أَنَا سَفِيرٌ فِي سَلاَسِلَ” (أف6: 19، 20).
18- رجال الكهنوت هم ملائكة الكنائس:
هكذا دعا المسيح رعاة الكنائس السبع في آسيا، وقال عنهم إنهم: “مَلاَئِكَةُ السَّبْعِ الْكَنَائِسِ” (رؤ1: 20). وبالتفصيل قال: “اُكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ أَفَسُسَ… إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ سِمِيرْنَا… إِلَى مَلاَكِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَرْغَامُسَ… إلخ” (رؤ2: 1، 8، 12).
ويوحنا المعمدان، الكاهن، آخر كاهن في العهد القديم، قيل عنه إنه ملاك (مر1: 2)
19- الكهنوت سلطان من الله:
منذ البدء دعا المسيح تلاميذه: “وَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا” (مت10: 1)، ثم أعطاهم سلطان الحل والربط (مت18: 18)، وكان قد أعطاه لهم قبلًا (مت16: 19)، وسلطان غفران الخطايا (يو20: 23).
وكلنا نعلم سلطان بطرس الرسول بالنسبة إلى حنانيا وسفيرا (أع5: 1– 11)، وسلطان بولس الرسول مع عليم الساحر (أع13: 11)، وسلطانه في حرم خاطئ كورنثوس (1كو5: 5)، وفي محاللته (2كو2: 7– 10)، وكان الشعب منفذًا لأوامر بولس.
ووضح السلطان الكهنوتي لبولس الرسول في إصدار الأناثيمات (الحروم)، على بشر أو ملائكة (غل1: 8، 9). وقال لأهل كورنثوس: “بِسُلْطَانِنَا الَّذِي أَعْطَانَا إِيَّاهُ الرَّبُّ لِبُنْيَانِكُمْ لاَ لِهَدْمِكُمْ” (2كو10: 8)، (2كو13: 10). وقال لهم: “لاَ أُشْفِقُ” (2كو13: 2).
20- رجال الكهنوت مدبرون ومرشدون ومعلمون وأباء.
[1] مختصر من محاضرات أيام الأربعاء التي يلقيها قداسة البابا شنوده الثالث في القاعة المرقسية بالقاهرة “سر الكهنوت 2″، الكرازة: 15 فبراير 1980م.



