سؤال واحد بيسأل عن مبادئ الرهبنة للقبطية؟
سؤال:
واحد بيسأل عن مبادئ الرهبنة للقبطية؟ [1]
الإجابة:
في الحقيقة الرهبنة في أساسها كما وضعها الآباء الأُول كانت حياة خلوة ووحدة، وحياة صلاة دائمة. لأن كل ما يعمله الراهب يمكن أن يعمله العلماني ما عدا الصلاة الدائمة باستثناء البتولية يعني، فيه علمانيين بتوليين برضو.
من هنا كان الآباء يصرون على حياة الوحدة لكي يصلوا إلى الصلاة الدائمة. وحياة الوحدة مش معناها إن الواحد يقعد لوحده بس؛ حياة الوحدة يعني يقعد لوحده مع ربنا. يقعد لوحده ممكن أي واحد يقعد لوحده لكن يقعد لوحده مع ربنا يشغل الوقت بالتأمل، وبالصلاة، وبالقراءة الروحية، وبالترتيل، وبالتسبيح، وبالفكر الإلهي. ولكي يصل إلى هذا الفكر لا بُد من ضبط الحواس فالحواس هي أبواب للفكر، ما يراه الإنسان يفكر فيه، ما يسمعه يفكر فيه، فيبقى عشان ما يفكرش في حاجة غير ربنا يبقى ما يقعدش يسرح بنظره، بأفكار، بودانه، بلسانه، بحواسه وإلا يبقى عمله ضايع.
لذلك مرة القديس يوحنا القصير كان قاعد وسط ناس وبعدين راح قلايته مكان سكناه يعني، بص لقاه تلميذه بيلف حوالين القلاية ٣ مرات. قال له: بتعمل إيه يا أبانا؟ قال له: أنا كنت موجود وسط ناس يتناقشوا وصوت المناقشة في أذني، فقلت أفرغ وداني من المناقشة قبل ما أخش القلاية، عشان لا يوجد شيء من المناقشة يشغله عن عمل الصلاة، لا يوجد شيء من المناقشة يشغله عن إيه؟ عن عمل الصلاة. لكن واحد يقعد وسط الناس وها وحصل إيه وجرى إيه وفلان عمل وفلان سوى يجي يصلي يلاقي فلان عمل إيه جه في عقله أثناء الصلاة وفلان سوى جه في عقله أثناء الصلاة، وفلان قال جه عمله وتبقى صلاته طائشة يسرح فيما سمعه ويسرح فيما رآه؛ دي مش رهبنة.
الرهبنة الحقيقية إن الواحد زي ما قال مار إسحاق: “ينحل من الكل لكي يرتبط بالواحد” ينحل من كل شيء، من كل شخص، من كل حديث، من كل مناقشات، من كل الأخبار لكي يرتبط بواحد فقط هو ربنا. مش كل واحد يقدر على كده. من هنا كان عند الآباء إلى جوار تدريب ضبط الحواس هناك تدريب صلب الفكر يعني إيه يصلب الفكر؟ يعني كل فكر مش متعلق بربنا يدق فيه مسمار لا يستبقيه ولا يستبقي إلا فكرًا واحدًا هو الله فقط، دي خلت الآباء مش يعيشوا في الأديرة؛ يعيشوا في البراري من جوه، لأن بيترك العالم ويروح في الدير يلاقي برضو في الدير أخبار وأفكار وكلام ومقابلات وتشغله. فبقوا يخرجوا أيضًا من الدير يقعدوا لوحدهم كل هدفهم إن ما يكونش في عقله غير ربنا بس.
من الحاجات العجيبة في هذا المجال إن مار إسحاق كان عايش في وحدة كاملة، وكان ليه أخ اسمه متى كان رئيس دير في “طور سيناء” فدعاه أخوه رئيس الدير وقال له: تعالى قابل الرهبان؛ يقعد مع الرهبان. فرد عليه مار إسحاق يعاتبه وقال له: يا أخي أما يهمك خلاص نفسي لما أجي الدير كم من الوجوه سأرى، كم من الحديث سأسمع، كم من الأخبار سأعرف؟ ويبقى الوحدة إللي أنا قضيتها ضاعت بالأخبار والأفكار إللي هتيجي في دماغي.
قال له: طيب لعلك تقول إن بولس كان بيحيا حياة التأمل وحياة الخدمة لكني أقول لك: إن العالم لم يرَّ غير بولس واحد أما نحن (مار إسحاق بيقول) أما نحن فلم نصل إلى صحة النفس هذه، ولنا جراحاتٌ إن خُليت يومًا من الرباطات والمراهم أنفثت دودًا. فإذا كان بيقول كده على مجيئه للدير أومال بقى إللي يسرح في العالم؟ وفلان جيه وفلان راح وفلان عمل وفلان سوى عقله هيكون مع ربنا؟! ممكن يخدم كويس، ممكن يعلّم كويس، ممكن يهتم بالفقراء، ممكن يعمل أعمال طيبة ولكن حياة السكون، حياة الهدوء، حياة الصلاة الدائمة لن يجدها.
الرهبنة دلوقتي غير الرهبنة أيام القديس الأنبا أنطونيوس سواء من جهة النُسك مش زي زمان أو من جهة الوحدة أو الصلاة الدائمة مش زي زمان. يا ريت يوجد عندنا ولو واحد ولو اثنين ولو ثلاثة ولو أي عدد يتعد على الصوابع يعيشوا حياة الصلاة الكاملة الدائمة يا ريت.
ده ربنا في قصة سدوم وعمورة في (سفر التكوين إصحاح ١٨) قال: “لو في عشرة بس في المدينة أرحم المدينة من أجل العشرة”. إن وجد عشرة يحيون حياة الصلاة الكاملة ممكن ربنا يرحم المدينة من أجل العشرة… لكن فين؟ كل واحد عايز يتكلم، كل واحد يشوف سياسة الكنيسة، سياسة البلد، سياسة الدير، سياسة… إللي بيدور على الأخبار والسياسات ما يعرفش يبقى راهب بطريقة الآباء. ما يعرفش ويتعب نفسه ويتعب إللي حواليه.
طبعًا مبادئ الرهبنة القبطية مش هننتهي فيها دي عايزة كلام وكتب ومُجلدات وممكن صاحب السؤال ده أبقى أبعت له كتاب ولا حاجة عشان الموضوع ده.
[1] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده في عظة بعنوان ” معرفة الله جـ1″ بتاريخ 22 يناير 1992م


