حنان المسيح وشعبيته

حنان المسيح وشعبيته1
أولا: أحب أن أهنئكم يا أخوتي وأبنائي بعيد الميلاد المجيد وببدء عام جديد، راجيًا فيه للعالم كله سلامًا واطمئنانًا، وبخاصة لبلادنا مصر، وللشرق الأوسط، عسى الله أن يبسط رحمته على هذه الأراضي المقدسة، ويمنح عزاء من عنده لعائلات ضحايا زلزال إيران، وضحايا الطائرة في كل من لبنان وشرم الشيخ. ويحل مشاكل بلادنا الاقتصادية، ويوقف القتال في كل من فلسطين والعراق. ويسود الحب والسلام في العالم أجمع. ويعم الفرح بعيد ميلاد السيد المسيح له المجد…
كان السيد المسيح مصدرًا للحب في كل مكان، ومع كل أحد…
وما أجمل ما قيل عنه إنه كان يجول يصنع خيرًا (أع10: 38). وأنه “كان يطوف كل الجليل، يعلم في مجامعهم، ويكرز ببشارة الملكوت، ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب. فذاع خبره في جميع سورية، فأحضروا إليه جميع السقماء المصابين بأمراض وأوجاع متنوعة، والمجانين والمصروعين والمفلوجين، فشفاهم. فتبعته جموع كثيرة من الجليل والعشر المدن وأورشليم واليهودية ومن عبر الأردن”(مت4: 23- 25).
هكذا كانت شعبيته: هو يذهب إلى الناس، والجموع تأتي إليه
كان يدخل بيوت الناس ويختلط: دخل بيت سمعان بطرس، وبيت متى، وبيت سمعان الفريسي، وبيت زكا العشار، وبيت مريم ومرثا، وبيت مار مرقس، وبيوت أخرى. وتحدث وحاور…
وكان يقابل الناس ويكلمهم: في الطريق، وعلى شاطئ البحيرة، ومن سفينة في البحر، وفي الزروع، وفي مواضع خلاء، وعلى الجبل، وعند بئر يعقوب… ومجامع اليهود أيضًا دخلها وعلم الناس فيها… كان للكل. لقد جاء من أجل الجميع، ليخلص من قد هلك…
وكان الجماهير تتبعه بالآلاف، وكانت تزحمه أحيانًا، حتى أنه في معجزة شفائه للمفلوج، لم يستطع حاملو المفلوج أن يدخلوا البيت – من شدة الزحام – ليقدموه إليه ليشفيه، فنقبوا سقف البيت ودلوه (مر 2).
وفي معجزة إشباع الجموع من الخمس خبزات والسمكتين، كان عدد الرجال الذين يستمعون لوعظه خمسة آلاف رجل غير النساء والأطفال (مت14: 21) أي نحو عشرة آلاف، على الرغم من أنهم كانوا في موضع خلاء.
وفي عظته على الجبل، كانت التي تسمعه جموع من الناس… (مت5: 1)
وبعد معجزة إقامة لعازر من الموت، تشاور ضده الفريسيون ورؤساء الكهنة، حانقين وقائلين هوذا العالم قد ذهب وراءه (يو12: 19)
كان المسيح قلبًا كبيرًا عطوفًا، يعطي من حنانه للكل…
كان قلبًا مفتوحًا للجميع. كل شخص يجد له نصيبًا فيه، مهما كانت نوعية من يقابله، ومهما كان سنه، ومهما كانت حالته الاجتماعية أو ثقافته أو جهله… إنه للكل، قلبًا محبًا محبوبًا، يفيض حنانًا وتعليمًا على من يتصل به، حتى لمعارضيه، كما فعل مع سمعان الفريسي لما زاره في بيته(لو7)، وكما قابل بكل عطف المرأة الخاطئة لما غسلت قدميه بدموعها في بيت ذلك الفريسي. وكما صلى من أجل صالبيه قائلًا اغفر لهم يا أبتاه، لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون (لو23: 34)
كان رجاء لمن ليس له رجاء، ومعينًا لمن ليس له معين
أصحاب الأمراض المستعصية كانوا يجدون فيه أملهم في الشفاء. مثال ذلك العميان، وذلك الرجل المولود أعمى، فشفاه (يو9). وكذلك الأبرص والمفلوج. ومريض بيت حسدا الذي قضى في مرضه ثمانية وثلاثين سنة لا يجد من يساعده على الشفاء. هذا جاء إليه السيد المسيح بنفسه، بقلبه وحنانه، وبإدراكه لاحتياجات الإنسان… وشفاه وجعله يحمل سريره ويمشي (يو5: 1- 9). يضاف إلى أولئك الخرس والصم.
وما أكثر حالات شفائه للمصدوعين من الشياطين. ولعل من أشهرهم لجئون إذ كانت فيه فرقة من الشياطين مسيطرة عليه (لو8: 26- 33). وكذلك مريم المجدلية التي كان عليها سبعة شياطين فأخرجهم منها، فتبعته كتلميذة (لو8: 3).
بل كان قلبًا عطوفًا على الخطاة أيضًا يعتبرهم كمرضى يحتاجون إلى علاج
فكان يترفق عليهم ليقتادهم إلى التوبة. وقد قال في ذلك لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى... إني لم آت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة (مت9: 12، 13). وقال أيضًا إنه يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب، أكثر من تسعة وتسعين بارًا لا يحتاجون إلى توبة (لو15: 7).
وهكذا غفر للخاطئة التائبة الباكية في بيت سمعان الفريسي (لو7). وأنقذ من الرجم الخاطئة التي ضبطت في ذات الفعل. ولما سأله الكتبة والفريسيون في أمر رجمها، قال لهم عبارته المشهورة من كان منكم بلا خطية، فليرمها أولاً بحجر (يو8: 7). ولما أنقذها منهم وذهبوا، قال لها… وأنا أيضًا لا أدينك. اذهبي ولا تخطئي أيضًا...
وبنفس القلب الشفوق، قاد المرأة السامرية إلى التوبة، دون أن يجرح شعورها، فآمنت وذهبت تبشر به أهل السامرة (يو4)
وقص على الناس قصة الابن الضال، وفرح الأب بعودته وتوبته، وقوله: ينبغي أن نفرح ونسر، لأن ابني هذا كان ميتًا فعاش، وكان ضالًا فوجد (لو15: 24- 32)
الخطاة الذين لم يحتملهم أحد، احتملهم السيد المسيح…
وفي حنوه أيضًا أشفق على النساء والأطفال الذين لم ينالوا تقديرًا كافيًا في المجتمع اليهودي…
لقد رفع من معنويات المرأة بدرجة لم تعرفها من قبل. وبعد أن شفى مريم المجدلية، جعلها كواحدة من تلاميذه. وأقام الفصح في بيت مريم أم يوحنا الملقب مرقس التي صار بيتها فيما بعد أول كنيسة (أع12: 12). وكان يذهب أحيانًا إلى بيت مريم ومرثا (لو10: 28). ولما مات أخوهما لعازر، ذهب إلى قبره وأقامه، بل بكى أيضًا حتى قالوا انظروا كيف كان يحبه (يو11: 35، 36).
ومن رفعه لقيمة النساء، كانت نساء كثيرات يتبعنه وكن يخدمنه من أموالهن (لو8: 3)
أما الأطفال فكان المسيح يحبهم ويدافع عنهم. ويعلق إعجابه بنقاوة قلوبهم. ولكي يعطي درسًا لتلاميذه، دعا طفلًا وأقامه في وسطهم، وقال لهم إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تدخلوا ملكوت السموات (مت18: 3).
وقال: من أعثر أحد هؤلاء الصغار. فخير له أن يعلق في عنقه حجر الرحى ويغرق في لجة البحر (مت18: 6).
وفي إحدى المرات، انتهر تلاميذه بعض الأطفال عن أن يأتوا إليه. فوبخهم على ذلك بقوله دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم. لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات (مت19: 14)
وفي حنو المسيح على الكل، دافع عن الأمميين (غير اليهود) وامتدحهم
فلما رأى إيمان قائد المائة الأممي في شفاء غلامه بكلمة من المسيح، قال للذين يتبعونه “الحق أقول لكم إني لم أجد ولا في إسرائيل إيمانًا بمقدار هذا. وأقول لكم إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب، ويتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب في ملكوت السموات، وأما بنو الملكوت فيطرحون في الظلمة الخارجية (مت8: 10- 12)
كذلك امتدح المرأة الكنعانية في اتضاعها. وقال لها: “يا امرأة، عظيم هو إيمانك” (مت15: 28) وشفى لها ابنتها…
كان السيد المسيح يحب الشعب، وهم يحبونه. لكن رؤساء الشعب كانوا يحسدونه ويتآمرون عليه
وكانوا لا يهتمون برعاية الشعب وقيادته. وإن قادوه يقودونه في ضلالة! ولذلك قيل عن السيد المسيح ولما رأى الجموع تحنن عليهم، إذ كانوا منزعجين ومنطرحين كغنم لا راعي لها (مت9: 36).
وكان في حنوه مستعدًا أن يحمل أثقال هؤلاء الناس ويعينهم. لذلك فإنه قال لهم تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم (مت11: 28).
إن السيد المسيح درس عملي في حنانه وشعبيته، وفي سعيه وراء كل إنسان في ضيقة، لكي يريحه من ضيقته…
وفيما نحن نحتفل بميلاده، نسأله البركة لبلادنا وشعبنا ونصلي أن يحفظ الله مصر، ورئيسها الذي يتعب كثيرًا لأجلها مع كل العاملين معه.
وكل عام وجميعكم بخير
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة الأهرام بتاريخ 7-1-2004م




