تسلسل عجيب

تسلسل عجيب
الفضائل يرتبط بعضها بالبعض الآخر، وتؤدى الواحدة إلى الأخرى في تسلسل عجيب…
وكذلك الخطايا يرتبط بعضها بالبعض الآخر، وتؤدى الواحدة إلى الأخرى، بنفس التسلسل.
فما هو هذا التسلسل العجيب؟
قد يقول إنسان إن طريق الكمال طويل، والفضائل كثيرة، فبأيها أبدأ؟ نقول له: أبدأ بأيها، فكل واحدة منها تؤدي إلى الأخرى… أية فضيلة تدرب نفسك عليها، ستوصلك إلى الكل…
هناك (فضائل أمهات) يمكن أن تلد فضائل عديدة:
من بينها الفضائل العظمى الثلاث، الإيمان والرجاء والمحبة (1كو 13) التي إن استقرت واحدة منها في قلب إنسان، امتلأ كله من ثمر البر ومن العمل الصالح.
فضيلة المحبة، قال السيد المسيح عنها أنه “يتعلق بها الناموس كله والأنبياء”.
لنفرض أن إنسانًا بدأ بفضيلة الصمت، على اعتبار أن “كثرة الكلام لا تخلو من معصية”. فحتمًا سيجد أن كثرة الخلطة ستقوده إلى كثرة الكلام، فيلجأ إلى الخلوة. وفي الخلوة سيجد وقتًا للقراءة، والقراءة تقوده إلى التأمل، وإلى الصلاة، كما تؤثر فيه تأثيرًا روحيًا يقوده إلى الحياة الفاضلة. وفي الخلوة لا يبذل الإنسان جهدًا جسمانيا، فلا يحتاج إلى غذاء كثير، فيصل إلى الصوم.
وها قد رأينا كم من الفضائل نتجت عن الصمت.
ونفس هذا التسلسل العجيب، تقودنا إليه فضيلة التواضع:
تدخل في التواضع، فتجد نفسك قد وصلت إلى الهدوء والوداعة. والسلام مع الناس، وانسحاق النفس، واحترام الغير، ومحبة المتكأ الأخير، وعدم إدانة الآخرين،
وعدم الانتهار والتوبيخ، وقبول كل اساءة بشكر واحتمال. كما تصل إلى انخفاض الصوت، والبعد عن الافتخار وعن محبة المديح. ويمكنك بالاتضاع أيضًا ان تصل إلى السلام مع الناس…
وهكذا تجد أن فضيلة واحدة قادتك إلى مجموعة كبيرة.
عمومًا، كل فضيلة تتقنها – أيًا كانت – تنمي فيك محبة الخير، ومحبة الخير توصلك إلى فضائل أخرى.
المهم أن تبدأ بدءًا حسنًا، وتكون مخلصًا وأمينًا في تدريبك. وإن أتقنت هذا العمل الروحي، ستقف الشياطين لتحاربك. فكن صامدًا. وحارب بقوة، ولا تتزعزع.
وهذه الحرب الروحية ستمنحك الشجاعة وعدم الخوف، والفرح الروحي، والايمان بقوة الله المعاضدة لك. وتعطيك رجاءًا في حياة النصرة، وتنمي فيك روح الصلاة، وتجد أن فضائل كثيرة قد حصلت عليها تلقائيًا، دون أن تقصد…
والممارسات الروحية مع الحرب الروحية تعطيان الإنسان خبرة روحية، وقدرة على الإرشاد، وعلى تفهم الطريق الروحي، ويقظة وانتباهًا ومعرفة بحيل العدو، وامكانية الانتصار عليها.
ولكن يلزم في بداية العمل الروحي، السلوك بتدرج حكيم.
كثيرون تتعبهم محبة السرعة والقفزات الفجائية التي لا يستطيعون الثبات فيها، فتدركهم الكآبة، والكآبة تقودهم إلى اليأس وعدم الثقة في إمكانية الحياة الروحية. وهكذا يدخلون في تسلسل سلبي، قد يقودهم إلى الاستسلام وإلى الخطية.
أما الذي يثبت أقدامه في كل خطوة روحية، قبل أن يتعداها إلى غيرها، فهذا يصل إلى تدرج وثبات وتسلسل إلى قمة الحياة الروحية.
إن التدرج السهل الثابت، أفضل من القفزات المنتكسة وكلما ينجح الإنسان في مستوى روحي – ولو بسيط – يتشجع ويطمئن، وينال قوة على التقدم. مثل الطالب الذي يدخل امتحانًا فيبدأ أولًا بالأسئلة السهلة، فإذا أجاب عليها حسنًا، يتشجع ويقترب إلى الأسئلة الصعبة بقلب مستريح…
ومثلما يحدث تسلسل في اكتساب الفضائل، كذلك أيضًا بالنسبة إلى الخطايا. ولنبدأ بما حدث للإنسان الأول:
أول خطية وقع فيها الإنسان، هي المعاشرات الرديئة.. الجلوس مع الحية التي هي أحيل حيوانات البرية. هذا الجلوس قاد إلى العثرة، وإلى الشك “أحقًا قال لكما الله..” “كلا، لن تموتا..” كما قاد أيضًا إلى الأغراء “تصيران مثل الله عارفين الخير والشر”.. وهكذا قل الإيمان، وتغيرت النظرة البريئة، ودخلت الشهوة ” فإذا الشجرة شهية للنظر: وبهجة للعيون” ونسيت الوصية ووقع العصيان… واعثرت حواء آدم فسقط مثلها.
وبسقوط الإنسان – الذي سار في تسلسل عجيب – تدرج أيضًا إلى سلسلة طويلة أخرى من السقوط كما سنرى:
الخطية قادتهما إلى التغطية، إلى فقد البراءة واللجوء إلى أوراق التين، ثم إلى الخوف والهروب من الله والاختباء وراء الشجر. ثم إلى تبرير الذات وإلقاء التبعة على الآخرين، ثم الخروج من الجنة والمعيشة في الحياة المادية الجسدية… كان الإنسان كمن وقع من سلم، وظل يتدحرج درجة درجة حتى وصل إلى أسفل الدرج.
هذا التسلسل في السقوط، حدث أيضًا مع داود النبي:
أول درجة له في السقوط كانت حياة الرفاهية. بعد أن كان يخرج ليحارب بنفسه، جلس في قصره، وترك الجيش يحارب. ثم صعد إلى السطح ليتفرج، فرأى امرأة عارية تستحم، فلم يمنع عينيه عن النظر.
والنظر قاده إلى الشهوة. والشهوة قادته إلى الزنا. والزنا أوصله إلى محاولة خداع الزوج، ثم إلى قتل الرجل… وهكذا انهار هذا البناء الكبير، وسقط النبي العظيم.
إن الشياطين تعمل بتكتيك عجيب، بتخطيط متقن. كل شيطان يمرر الضحية إلى شيطان آخر، فيتلقفها هذا ليسلمها إلى شيطان زميل. وهكذا تقود سقطة إلى سقطة.
والذين سقطوا، لم يسقطوا كلهم مرة واحدة. وإنما ما أسهل ما خدع الكثيرون بخطوات ربما كانت تبدو بريئة أو قليلة الأهمية، تطوروا منها شيئًا فشيئًا إلى أبشع السقطات.
إن الخطوة الأولى إلى الخطية، قد لا تكون خطية…
كم من خطايا في عمق الإثم، بدأت بعلاقات عادية لا تشوبها شائبة. لذلك ينبغي أن يسلك الإنسان في حياة الحرص والتدقيق. كما قالت القديسة سارة: “إن فمًا تمنع عنه الماء، لا يطلب خمرًا. وبطنًا تمنع عنها الخبز، لا تطلب لحمًا…”
وهكذا أبعدنا الرب عن الخطوة الأولى، عن النظرة التي تقود إلى الزنا، وعن مجرد كلمة “رقًا”…
الخطوة الأولى التي هي أخف ما في الخطية، قد تكون صعبة جدًا.
فاذا اجتازها الإنسان سهل عليه كل شيء.
آخر خطوة في الخطية، قد يخطوها الإنسان، دون مشقة ودون صعوبة، إذ تكون روحياته قد انهارت طوال الطريق السابق، وأصبح سقوطه شيئًا طبيعيًا..
شمشون الجبار كانت أول خطوة في سقوطه ذهابه إلى غزة.
مجرد الذهاب إلى غزة، لا يبدو في حد ذاته خطية. ولكنه في غزة رأى امرأة، ثم أحبها، ثم أولاها ثقته.. ثم أسلمها قياده. وأخيرًا باح بسره لها، وكسر نذره، وضاعت قوته وفقأوا عينيه، وجر الطاحون كحيوان…! من كان يظن أن كل تلك الخطايا والكوارث، نتجت عن الذهاب إلى غزة.
لوط أيضًا كان بدء ضياعه، محبة الأرض المعشبة.
هذه المحبة جعلته ينفصل عن عمه ابراهيم أبى الأنبياء، ثم يسكن في سادوم، ثم يتصاهر مع أهلها، ويعذب نفسه يومًا بعد يوم. وأخيرًا يفقد كل شيء، حتى زوجته…
انه تسلسل قد يكون تدريجيًا جدًا، حتى إن الإنسان لا يشعر به، ولا يدرك مدى تطوره…
احترسوا إذن من الخطوة الأولى. لا تقل سأحترس من الوقوع في الفعل الخاطئ، بل احترس من مجرد الشهوة، بل من مجرد الفكر، بل من الأسباب التي تؤدى إلى الفكر.
وإذا وقعت في درجة من درجات الخطية، فلا تفقد الأمل وتستمر حتى النهاية، بل تخلص مما أنت فيه…
حاذر من التدرج إلى أسوأ، إن الشيطان قد لا يحاربك بأعماق الخطية، وإنما قد يجس نبضك بشيء بسيط، فإن طاوعته يتدرج بك في تسلسله الخطير..
الشيطان حكيم في الشر، وذكي، وخبير…
إنه يعرف كيف يدبر أموره في اسقاط الناس. لا يشاء أحيانًا أن يوقعك دفعة واحدة، أو أن يكشف أوراقه لك. وإنما يأخذك بلباقة وسياسة دون أن تحس، ويتدرج بك حتى يوصلك إلى أعماقه!!
لهذا أمر الرب الشعب في العهد القديم ألا يختلطوا بالأمم، ولا يتزاوجوا معهم، ولا يدخلوا معهم في معاهدات، حتى لا يختلطوا بطرقهم وعباداتهم، وحتى لا يدخلوا تحت تأثيرهم وغوايتهم.
وهنا نتذكر في عجب شديد، كيف سقط سليمان الحكيم!!
سليمان، أحكم إنسان في جيله، الذي أخذ الحكمة من الله مباشرة الذي ظهر له الله وكلمه وباركه… كيف سقط هذا الجبار، في سقطة قد لا يقع فيها المبتدئون؟! بدأ بأن صاهر ملوكًا أجانب، وتزوج نساء غريبات. ثم تدرج إلى مجاملة نسائه، فسمح ببناء معابد لآلهتهن وتطورت المجاملة حتى سقط الجبار، في تسلسل عجيب، أحس به أو لم يحس.
احترس إذن من هذا التسلسل، وإذا ارتبطت بأول حلقة من حلقات الخطية، حاول أن تخرج منها. اعترف أنك أخطأت، ولا تجادل ولا تلاجج.
إذا وقعت في خطية، فلا تحاول أن تغطيها بخطية أخرى.
إن الكذب مثلاً غالبًا ما يكون مجرد غطاء لخطية أو خطايا.
وكذلك تبرير الذات ومحاولة الدفاع عن النفس، كثيرًا ما تكون مجرد غطاء. وتغطية لخطية هي في حد ذاتها خطية أخرى، وقد تدفع إليها الكبرياء وهي خطية ثالثة.
ابحث عن الجذور العميقة في نفسك، التي تقودك إلى الخطية، وحاول أن تتفاداها.
ولا تظن أن خطية ما عاقرًا، فغالبًا ما تلد الخطية خطايا، في تسلسل عجيب.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الحادي والعشرون) 21-5-1976م




