تأملات في فضائل الشهداء

تأملات في فضائل الشهداء
باكر إن شاء الله عيد النيروز، أو عيد الشهداء، وبداية سنة جديدة من تقويمنا القبطي. ويهمنا أن نقف لحظات، لنتأمل في سير آبائنا القديسين الشهداء.
الكنيسة تضع الشهداء في رتبة أعظم من جميع القديسين:
أعظم من الآباء البطاركة والأساقفة، وأعظم من آباء الرهبنة، أي أعظم من الآباء الذين يعملون في حياة الخدمة، وأعظم من الآباء الذين يحيون حياة التأمل.
أي أن الشهداء أعظم من قديسي التأمل وقديسي الخدمة.
ذلك لأنهم وصلوا إلى البذل النابع من عمق الحب وكما قال الكتاب: “ليس حب أعظم من هذا، أن يضع أحد نفسه عن أحبائه”
أحبوا الله أكثر من كل شيء، وقبلوا أن يفارقوا كل شيء، وكل أحد، من أجل محبته.
في قبولهم للموت، لون من الزهد الكامل. لأنه لو كانت في قلوبهم شهوة لشيء، ما قبلوا الموت، لئلا يحرمهم الموت من شهواتهم. إذن هم في عمق الزهد..
حقًا ينطبق عليهم قول الكتاب إنهم لا يحبون العالم ولا الأشياء التي في العالم. وفي ساعة الموت، لا شك أن قلوبهم كانت قد ماتت عن كل شهوات العالم. لم تعد لهم في العالم رغبة يحرصون عليها، وتجذبهم إلى حياة الأرض..
كانوا في عمق الزهد، وكانوا أيضًا في قمة الشجاعة.
كانوا لا يخافون الموت، ولا يخافون العذاب، ولا يخافون الألم، ولا يهابون المحاكمات، ولا تزعجهم الإهانات. لم يكن يرعبهم شيء على الإطلاق. بل تقدموا إلى كل ذلك بشجاعة نادرة أذهلت الحكام، وأذهلت الناس.
وعندما كانوا يلقون في السجون، كانوا يملأون السجون تسبيحًا وترتيلًا وتهليلًا وصلاة، وكأنهم في أفراح…
وكان السجانون يعجبون منهم. ما هذا الفرح الذي يقابلون به الموت: لا اضطراب ولا قلق ولا تعب ولا انزعاج. بل ابتهاج بالموت أكثر مما بالحياة.
القديس أبا فام لما ذهب إلى الاستشهاد، فرح جدًا، وارتدى أفخر ثيابه، وقال: “هذا هو يوم عرسي”.
بعض الشهداء كانوا يقبلون السلاسل التي يقيدون بها…
كانوا مملوئين من الثقة، لذلك قابلوا الموت بفرح وابتهاج. أعطوا حياتهم، كما يقول الكتاب: ” المعطي بسرور، يحبه الرب”.
أعظم عطية يقدمها الإنسان، هي أن يقدم حياته. وقد قدموا هذه الحياة، بغير تردد، بغير ندم، بكل فرح، بكل شجاعة…
وكان الملوك والولاة يعجبون من شجاعتهم وصلابتهم وصمودهم.
لم يرهبوا كل وسائل التعذيب، بل قابلوها ببسالة ورباطة جأش. لم تقدر جميع صنوف الآلام أن تزعزع إيمانهم. ولم يتفاوضوا ولو لحيظة مع كل ألوان الإغراء العجيبة…
إيمانهم العجيب وشجاعتهم وثباتهم، كل ذلك كان يذهل الحاضرين من غير المؤمنين، فيؤمنون ويتقدمون للاستشهاد…
والذين استشهدوا من هؤلاء قبل عمادهم، اعتبر استشهادهم معمودية.
فالمعمودية هي موت مع المسيح. هؤلاء ماتوا مع المسيح ميتة فعلية، كاللص اليمين، فحسبوا معمدين بمعمودية الدم. ومن أمثلة هؤلاء أيضًا من استشهدوا وهم في صفوف الموعوظين.
ما أعجب شجاعة الشهداء، ليس الرجال فقط، بل النساء أيضًا والأطفال. مثل قرياقوص الطفل، والقديسات دميانة ورفقة والأم دولاجي.
كانوا شهداء، وشهدوا للرب. شهدوا له، للاهوته وصلبه وقيامته، واعترفوا بالإيمان، وكانوا سببًا في إيمان الكثيرين…
لذلك نعتبر الشهداء من أبطال الإيمان. الذين حفظوه بدمائهم..
لقد باعوا كل شيء، من أجل إيمانهم، الذي كان لهم كل شيء.
لم يخافوا قط من الموت، وليس هذا فحسب بل كانوا بالأكثر يسعون إليه:
كانوا في عمق فترات الاستشهاد، يخرجون إلى الطرقات مسبحين الرب، يهتفون أمام مواكب الولاة والحكام “نحن ميسحيون، نحن مسيحيون”. وكانوا يذهبون إلى ساحات القضاء، حيث يحاكم المسيحيون. ويهتفون قائلين “نحن مسيحون”، ويشجعون أخوتهم. كما كانوا يذهبون إلى السجون، يعتنون بأخوتهم، ويعلنون مسيحيتهم.
نقول هذا ليخجل الذين ينكرون دينهم، وربما لأسباب تافهة…
عجيب من يترك دينه لأجل امرأة، أو وظيفة، أو مال، أو أي غرض دنيوي!! كيف يكون مثل هذا من أبناء الشهداء؟!
أما الشهداء، فإنهم لم يبالوا بكل إغراء، وبكل تعذيب… كانوا أقوى من الإمبراطورية الرومانية بكل أسلحتها وكل قوتها، كانوا أكبر من قسوة المعذبين ومن آلات العذاب… كانوا أعظم من الألم، انتصروا عليه، دون أن ينتصر عليهم…
كانوا رجال إيمان: آمنوا بالمسيح، وبالأبدية، وبغربتهم على الأرض. لم يخافوا الموت، إذ آمنوا بالحياة التي بعد الموت، وأحبوها..
أقروا أنهم غرباء على الأرض، ولم يتمسكوا بشيء في أرض غربتهم، بل نظروا إلى “المدينة التي لها الأساسات، التي صانعها وبارئها الرب”. وإذ أقروا بغربتهم، اشتهوا أن ينطلقوا ويكونوا مع المسيح، فذلك أفضل جدًا…
كان المسيح بالنسبة إليهم هدفًا وليس وسيلة، بل الهدف الوحيد
هناك أشخاص في العالم، يحبون الرب لأنه مصدر الخير والبركة، ولأنه المعطي الذي لم يدعهم معوزين شيئًا من أعمال كرامه أما هؤلاء فلم يأخذوا من المسيح سوى الألم والتعب والضيق والاضطهاد والعذاب والسجن والموت والتشهير…
ومع أنهم لم ينالوا منه سوى الألم، إلا أنهم أحبوه، وأحبوا الألم من أجله. وفي حبه استعذبوا حتى العذاب…
كثيرون كلما يلاقون الضيق في طريق الرب، يشكون في محبته، ويتذمرون، ويقولون ” أين هو الرب إلهنا؟!”، وقد يجدفون…
أما الشهداء فلم يشكوا اطلاقًا في محبة الله، على الرغم مما لاقوه من عذابات. كان هدفهم هو الله، وليس الراحة..
لقد سبق الرب فأنبأنا عن الباب الضيق والطريق الكرب، وقال: “في العالم سيكون لكم ضيق”. فإن كان الضيق هو الطريق المؤدي إليه، فمرحبًا بهذا الضيق. ما أجمل الباب الذي ندخل منه إلى الله، مهما كان مؤلمًا…
إن جدعون، عندما قال له ملاك الرب: “الرب معك يا جبار البأس” أجاب: “إن كان الرب معنا، فلماذا أصابتنا كل هذه؟” (قض6: 13). أما الشهداء، فقد رأوا الرب في الآلام. وما كانوا محتاجين أن يرددوا سؤال جدعون.
لولا أن الرب كان معهم في آلامهم، ما احتملوا تلك الآلام.
كانت عذابات فوق طاقة البشر، ولكن الله الذي معهم منحهم قوة فوق قوة البشر، استطاعوا بها أن يحتملوا. بل أعطاهم أيضًا آيات وعجائب تثبت إيمانهم وإيمان الناس.
ما أجمل أن تختبر حلاوة الرب في وقت الألم.
حينئذ تغني وتقول: ” الرب عن يميني، فلا أتزعزع”. هكذا كان الشهداء. في فترات آلامهم، كان الرب معهم، وكانت ملائكته وأرواح قديسيه، تمنحهم عزاءًا وصبرًا، وشجاعةً وصمودًا
وكانت الكنيسة تلقي على المؤمنين محاضرات وعظات في (الحث على الاستشهاد)، حتى صار الاستشهاد شهوة في القلوب..
كانت الأم تشجع أبناءها على الاستشهاد. وكان الطفل ينشأ محبًا للموت لكي ما يلاقي به المسيح، لا يخاف ولا يرهب. كانت الأسرة تربي أولادها على التمسك بالإيمان، والدفاع عنه حتى الموت، فنشأ في الكنيسة جيل قوي، مستعد للشهادة، مستعد للملكوت ولملاقاة الرب في كل حين.
وهؤلاء المستعدون للموت، لا شك أنهم كانوا تائبين وانقياء، يستعدون لأبديتهم بالطهارة والقداسة التي بدونها لا يعاين أحد الرب.
جيل الشهداء الذي اتصف بالزهد والشجاعة والإيمان، والذي استعد للأبدية بالطهارة والقداسة، كان جيلًا محبًا للبتولية والنسك، محبًا للعبادة والهدوء، كان جيل صلاة وتأمل. مات عن العالم وشهواته، لذلك سهل عليه الأستشهاد.
كان جيلًا مستعدًا، ترك العالم بالقلب، قبل تركه بالجسد… لقد خرج العالم من قلوبهم، قبل أن يخرجوا عن العالم.
أترانا مثل هؤلاء في استعدادهم؟ هل أستطاعت الكنيسة، وهل استطاعت الأسرة أن تدرب أولادها على الاستشهاد؟:
إن الاستشهاد لم يكن مجرد قبول الموت حفاظًا على الإيمان، إنما كان قمة لمجموعة من الفضائل مهدت لقبول الاستشهاد، منها الزهد، والنسك، والشجاعة، والغربة، والإيمان والقداسة، وشهوة الانطلاق.
ومحبة الله التي تفوق كل حب، ومحبة الأبدية والملكوت.
سؤال وجهه أحد المؤمنين إلى القديس أوغسطينوس، وهو:
هل نحرم من أكاليل الشهداء، إن عشنا في عصر ليس فيه استشهاد؟
وأجاب القديس بأن الاستشهاد هو استعداد في القلب، قبل ملاقاة الموت.
فإن كانت لك نفسية الشهيد، وإن كان لك استعداده القلبي، فإنك تحسب مع الشهداء، حتى لو لم يسفك دمك.
ونفسية الشهداء كانت طابع ذلك الجيل، لذلك كان الاستشهاد أحيانًا جماعيًا، تستشهد فيه مدن بأسرها، مثلما حدث في إسنا، وفي أخميم، وغيرهما من البلاد…
هؤلاء الشهداء لهم فضل علينا، إذ حفظوا لنا الإيمان سليمًا، وسلموه لنا. لذلك نحن نعيد لهم اليوم.
إن يوم استشهاد القديس، هو يوم عيد تحتفل به الكنيسة، وتذكره في السنكسار، إذ ختم به حياته في قدسية، واستحق الإكليل، وفتحت له الأحضان الأبوية.
نذكرهم، فنتذكر فضائلهم، وندرب أنفسنا لكي يكون لنا ما كان لهم من نفسية ومن استعداد، ولكي نربي جيلنا على روح الاستشهاد، وليس على مجرد الافتخار بأننا أبناء الشهداء.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الثامن والثلاثون) 17-9-1976م





