تأملات في سفر نشيد الأناشيد – جنة مغلقة

تأملات في سفر نشيد الأناشيد
جنة مغلقة…ينبوع مختوم
أعاود معكم تأملاتنا في سفر نشيد الأناشيد. وليكن موضوعنا هذه الليلة هو قول الرب عن العروس:
“أختي العروس جنة مغلقة، عين مقفلة، ينبوع مختوم…” (نش 4: 12)
جنة مغلقة… ينبوع مختوم
أختي العروس:
تواضع كبير أن يقول الرب عن الكنيسة، أو عن النفس البشرية أنها أخت له… يقولها كإبن للإنسان – لأنه أخلى ذاته، وصار في الهيئة كإنسان، وصار بكرًا وسط أخوة كثيرين، وشابه أخوته في كل شئ ما عدا الخطية.. تنازل من رب المجد أن يدعو عبيده أخوة!!
ودعاها العروس رمزًا للحب، والحب الروحي الذي يجعل الإثنين واحدًا. كما قال بولس الرسول:”خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح”. لذلك قيل: “يشبه ملكوت السموات خمس عذارى أخذن مصابيحهن، وخرجن للقاء العريس”.
لذلك يدعى المسيح بالختن السماوي، ويتحدث عن هذا الزواج الروحي بين الله والكنيسة في الرسالة إلى أفسس.
جنة مغلقة:
جميل أن الرب يحب النفوس البشرية، ويمتدحها:
الإنسان منا يتحدث عن خطاياه، ويرى أن نفسه مدنسة بكل أنواع الخطية. ولكن فيما نحن بالإتضاع نرى أنفسنا في عمق الإثم، يرانا الرب في صورة بهية. يلقي علينا بره الإلهي، فنصير كاملين ببهاء الرب. ببره الذي يلقيه علينا. كما يقول بولس الرسول: “أما نحن فلنا بر المسيح”.
عجيب أن يمتدح الرب نفوس البشر وهو يعرف مقدار نجاستها.
يعرف أن الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الله، وأن كل بر الإنسان مثل خرقة الطامث… يعرف الخفيات والظاهرات، ويقرأ الأفكار. ويفحص أعماق القلوب. يعرف الشرور التي نعرفها عن أنفسنا، ويعرف ما لا نعرفه أيضًا من شرورنا…
ومع كل معرفته لخطايانا، يقول: “أختي العروس جنة مغلقة”
لقد مدح الرب أيوب الصديق، وقال عنه إنه رجل كامل ومستقيم يفعل الخير ويحيد عن الشر، وليس مثله. ونحن نسأل: أحقًا يارب ترى إنسانًا كاملًا ومستقيمًا، بينما أن الجميع زاغوا وفسدوا. وليس أحد كاملًا إلاك؟!
ولكن الله يرى الخير الذي صنعه فينا، وينسبه إلينا، ويكبره، وينسى خطايانا، ولا يعود يذكرها، تبارك اسمه..
إن مدح الله للنفس البشرية، هو مظهر لتواضعه ولمحبته.
والعجيب هنا أنه يرى العروس جنة. كان قديمًا يدعوها: “نرجس شارون.” “سوسنة الأودية”. أما الآن فهى جنة كاملة. جنة بكل ما فيها من ثمار وأزهار وظلال.
أما تواضع الرب في مديح النفس، تنحني النفس في إنسحاق لتقول: كل ما فينا من خير هو عمل نعمتك، ليس لنا فضل فيه، لأننا بدونك لا نستطيع أن نعمل شيئًا. ليس لنا يارب ليس لنا، لكن لإسمك القدوس أعط مجدًا.
إن افتخرنا فلنفتخر بالرب، الرب الساكن فينا، العامل فينا، العامل بنا، العامل معنا، بقوته، بروحه القدوس.
أختي العروس جنة مغلقة. ما هى هذه الجنة؟
البعض أشجار مثمرة، تعطي ثلاثين وستين ومائة، وثمارهم حلوة لحلقه. هؤلاء مثمرون في الخدمة، أو مثمرون في الفضيلة.
والبعض أشجار أزهار، هم خمائل الطيب في كنيسة الرب، هم رائحة المسيح الذكية بقدوتهم الصالحة.
والبعض أشجار ظلال، يأتي إليهم الناس فيستريحون، وتمتلئ قلوبهم سلامًا. ومن هذه الأنواع الثلاثة تتكون الكنيسة، حسبما وهب الله لكل واحد نصيبًا من الإيمان.
فإن لم تكن مثمرًا في الخدمة، فكن خميلة طيب في جنة الرب.
لأن عروس النشيد تقول: “حَبِيبِي نَزَلَ إِلَى جَنَّتِهِ، إِلَى خَمَائِلِ الطِّيبِ، لِيَرْعَى فِي الْجَنَّاتِ، وَيَجْمَعَ السَّوْسَنَ.”(6: 2). وهو نفسه يقول: “قَدْ دَخَلْتُ جَنَّتِي يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ. قَطَفْتُ مُرِّي مَعَ طِيبِي. “(5: 1). وكلاهما من العطور. فكن رائحة عطرة في بيت الرب.”رائحة سرور للرب يتنسم منك رائحة الرضى. وكل من يراك يحب الدين من أجلك.
أي نوع من الأشجار، تراك في جنة الرب: ثمار أم أزهار أم ظلال، أم تراك كل هذه الأنواع معًا!
يدخل الرب إلى قلبك، فيجد ثمار الروح: “محبة وفرح وسلام، وطول أناة ولطف وصلاح وإيمان ووداعة وتعفف” (غل:22:5) ويجد فيك الرائحة العطرة في البشاشة والمعاملة الطيبة والسماحة والإتضاع والبركة، ويجدك بالنسبة إلى جميع الناس سلامًا وظلًا.
تصور عندما يراك الرب جنة، وليس مجرد شجرة.. وهذه الجنة ترويها الأنهار كما في عدن، والأنهار ترمز إلى الروح..
روح الرب الذي يفيض مثل أنهار ماء حي، ينبوع ماء حي. كل شجرة ترتوي منه لا تعود تعطش.
ولكن إحترس من أن يجد الرب في جنتك شيئًا ضارًا.. !
لقد استطاعت الحية أن تدخل إلى الجنة، وتغوي البشرية. وهي أيضًا مهددة بالثعالب الصغار المفسدة للكروم.
كيف يمكن أن تحمي جنتك من كل هؤلاء؟ يقول الرب عن هذا: “أختي العروس جنة مغلقة، عين مقفلة”.
مغلقة.. مقفلة:
لا تستطيع غير الروحيات أن تدخل إليها، لا فكر ردئ، ولا حواس خاطئة ولا عواطف شريرة… هي كما قال داود النبي: “سبحي الرب يا أورشليم، سبحي إلهك يا صهيون.. لأنه قوي مغاليق أبوابك، وبارك بنيك فيك”.
ماهي هذه الأبواب التي قوي الرب مغاليقها؟
الحواس مثلا التي هي أبواب للفكر. من الحواس النظر والسمع واللمس، تدخل إلى قلبك أفكار وعواطف. باب آخر هو القراءة، باب ثالث هو المعرفة، باب رابع هو القلب.
اسأل نفسك: هل أنت جنة مغلقة، وينبوع مختوم؟
أم أن أبوابك مفتحة، يدخل منها كل ما يريد؟! خذ مثلًا، أحد الأبواب وقد أمر الرب بإغلاقه، كما قال داود النبي: “ضع يارب حافظًا لفمي، بابًا حصينًا لشفتي”. يمكن لهذا الباب إذا إنفتح، أن تخرج منه شرور عديدة، وبكلامك تدان، وما يخرج من الفم ينجس الإنسان.
كانت العذراء جنة مغلقة، أمينة على أسرار الرب، على كل ما رأته من معجزات وآيات، لم تتحدث عنها، وإنما كانت تحفظ كل هذه الأمور متأملة بها في قلبها.
وبولس الرسول الذي صعد إلى السماء الثالثة كان جنة مغلقة إحتفظ بتلك الأسرار في سر، إذ لا يسوغ لإنسان أن يتحدث عنها. وهكذا كان كل الآباء الذين عاشوا في عمق النعمة، في سر، لا يتحدثون عما في السموات التي صعدوا إليها، ولا عن الأعماق التي سبروا أغوارها…
حياتنا الروحية هي سر”ادخل مخدعك، وأغلق بابك”..
هي سر مع أبينا السماوي الذي يرى في الخفاء. إن تحدثنا عن هذا السر، قد يأتي شيطان المجد الباطل ويختطف ثماره، أو قد تتخلى عنا القوة التي بهذا السر فينا…
لذلك من الخطر أن يقف أناس، ويتحدثون عن إختباراتهم الروحية، أمام الناس، ومن الخطر والخطأ أن يقف أناس ويصلون علانية كاشفين أسرارهم الروحية الخاصة أمام الناس، خارجين من المخدع المغلق…
وهكذا نسمع من يقول: من يوم أن دخلت النعمة قلبي، صرت إنسانًا جديدًا، ملأ الفرح قلبي، صارت صلواتي حارة، صارت تأملاتي كلها عمق، أصبحت روحي منطلقة. ما أن أتكلم حتى يختطف عقلي!.
ليس هذا يا ابني هو اللاهوت الأرثوذكسي!!
إن آباءنا القديسين وصلوا إلى درجات عجيبة في حياة النعمة، وما كانوا يتحدثون عن أنفسهم. ولما اضطر بولس الرسول تحت ضغط قهري جدًا أن يحكي شيئًا، حسب نفسه غبيًا ومختل العقل!.
وقد يحتج أحدهم بأن الرب قال للبعض: “إذهب وحدث بكم صنع الرب بك! لقد قال الرب هذا عن المعجزات، وليس عن العمل الروحي الداخلي، والنمو في النعمة..
هذا العمل الروحي، هو جنة مغلقة، ومخدع مقفول. أما الذين يصلون في وقت واحد، معلنين كل واحد أسراره أمام الآخرين، أو يعترفون اعترافات جماعية، فهؤلاء ليسوا جنات مغلقة، وليست لهم روح الآباء، ولا الطريقة الأرثوذكسية.
الله في الخفاء، يرى دموعك وتأملاتك وخشوعك ومقدار حبك وعمقك في الصلاة، ولكن لا يصح أن يراها الناس.
حياتنا مع الله هي قدس أقداس، هي سر مثل سر الشركة بين العروس والعريس. انه ينبوع مختوم…
إنها جنة مغلقة بالنسبة إلى الآخرين، ومفتوحة للرب وحده. إن الينبوع المختوم لا يتلوث من الخارج.
احتفظ بالرب داخلك في سر، واحتفظ بخبراتك الروحية. لا تحدث عنها أحدًا. هكذا فعل القديسون!…
يوحنا الحبيب كان يتكئ على صدر المسيح، ما أعمق أسراره. ولكن لم يقلها لأحد.
قلب الانسان جنة مغلقة. من الخارج يشم الناس عبيرها، ولكنهم لا يرون ما بالداخل. ربما من الثمرة تعرف الشجرة. ولكن العمليات التي تجرى داخل الشجرة، وفي جذورها، هي قدس أقداس، لا ترى.
عشرات السنوات قضاها آباؤنا السواح في خلوة مع الرب. كيف كانت حياتهم وأسرارهم الروحية؟ كانت قدس أقداس، في سر..
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الثلاثون) 23-7-1976م



