تأملات في سفر نشيد الأناشيد – إجعلني كخاتم على قلبك

تأملات في سفر نشيد الأناشيد
إجعلني كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك
نتأمل اليوم عبارة: “إجعلني كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك” (نش 8: 6)، وهي عبارة مزدوجة:
يمكن أن توجه من الإنسان إلى الله، ويمكن أن توجه من الله إلى الإنسان، ولها معان أخر
الخاتم، والقلب، والساعد:
هنا نجد النفس البشرية، بينها وبين الله دالة …
في بعض الأوقات يكون الإنسان في حالة مذلة وانسحاق، يقول للرب: “لست مستحقًا أن أدعى لك إبنًا، إجعلني كأحد أجرائك”. أما هنا فيقول له: “إجعلني كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك”، مطبوعًا على قلبك وعلى ساعدك ..
يجب أن نعرف أولًا ما معنى (الخاتم)، وما مدلول كلمة (قلب) وكلمة (ساعد)، حتى يمكننا متابعة تأملنا.
الخاتم هو بمعنى الختم، وليس هو الخاتم الذي يلبس في الأصبع
إذن مفهوم العبارة هو: إجعلني كختم، مختوم به قلبك، ومختوم به ساعدك، ملتصقًا بهما تمامًا.
والقلب رمز للحب والعاطفة والمشاعر والأحاسيس …
أما الساعد، فهو رمز للقوة، وللعمل، والمعونة …
ولعل الساعد هو أصل الاشتقاق من المساعدة، واليد هي مصدر التأييد … فلان وضع يده في الموضوع، أي اشترك في العمل. يقول الكتاب إن الله أخرج الشعب من أرض مصر بيد قوية وذراع حصينة. ويقول الكتاب: “يمين الرب صنعت قوة”.!
تقول النفس البشرية للرب: “إجعلني كخاتم على قلبك” أي أريد أن أشعر بعاطفتك من نحوي، أرني محبتك. أعطني صدرك الحنون أتكئ عليه كيوحنا. أعطني محبتك على الرغم من عدم استحقاقي.
أنا إنسان خاطئ، ولكن محبتك أكبر من خطيتي. إنك لو كنت تحب الأبرار فقط، لهلكنا جميعًا. إجعلني كخاتم على قلبك، لأنني محتاج إلى محبتك، يا من نقشتنا على كفك.
وإجعلني كخاتم على ساعدك. لا تتخل عني.
خيل لداود النبي في بعض الأوقات أنه ليس خاتمًا على قلب الله ولا على ساعده، فصرخ قائلًا: “إلى متى يارب تنساني؟ إلى الانقضاء”، “لماذا تقف بعيدًا في أزمنة الضيق”؟!
“لماذا يعيروننا قائلين: “أين الرب إلهكم؟”، “يارب أسرع وأعني” إستخدم يارب قوتك. إستخدم ساعدك.
ومن الجائز أن يقول الرب هذا الكلام للإنسان:
“اجعلني كخاتم على قلبك”،”يا إبني أعطني قلبك”، “أنا واقف على الباب وأقرع”. أنت تقول: “خبأت كلامك في قلبي”، ليته لا يكون كلامي فقط، بل أنا نفسي. إنني أسعى إلى هذا القلب بنفسي وبرسلي وأنبيائي .. يقول الرب هكذا لأنه أحيانًا يكون على شفاهنا فقط .. لا قلوبنا ..!
إنني منذهل، كيف أن الرب مالك الكل، يطلب طلبًا، ويطلبه من صنعة يديه!! “أعطني قلبك”، “إجعلني كخاتم على قلبك”!
إنه يطلب هذا القلب، لأنه يحبه، ولكي يملأه حبًا .. يطلبه ليطهره ويقدسه، ويجعله صورة له، وأهلًا لسكناه فيه.
إجعلني كخاتم على قلبك، كالدمغة التي يختم بها الذهب، فيصبح رسميًا، معترفًا به.
هكذا اجعل خاتمي عليك، ليعترف بك كإبن للملكوت، تأخذ إسمي، وتوسم بهذه السمة الإلهية.
تقول له ياربي، أنا إسمي ميخائيل أو روفائيل، يقول: “لا أريد أن أكون خاتمًا على اسمك فقط، بل على قلبك كذلك” …
يقول أيضًا: “اجعلني كخاتم على ساعدك” أظهر محبتك بعملك. لأن كثيرين يتكاسلون قائلين: يكفي أن القلب فيه محبة الله!!
إن كنت تحب الله، إتعب من أجله، والله “لا ينسى تعب المحبة”
“لا نحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق”. إن أبانا إبراهيم كان يحب إبن أخيه لوطًا. فهل كان فقط خاتمًا على قلبه؟ كلا، بل يقول الكتاب: “ولما علم إبرام أن أخاه لوطًا قد سبي، جمع رجاله المدربين” (تك 14)، وأنقذه من السبي. وهكذا كان أيضًا خاتمًا على ساعده.
يعقوب أحب راحيل، كانت خاتمًا على قلبه. ولكنه لم يكتف بالقلب فقط، بل تعب من أجلها 20 عامًا، كان يأكله الحر بالنهار والبرد بالليل .. كانت خاتمًا على ساعده.
إن كنت تحب الله، إتعب في خدمة الكنيسة، وفي سهر الليل وتعب الصوم والمطانيات. إجعله كخاتم على ساعدك.
أجهله كخاتم على قلبك، بالإيمان، وكخاتم على ساعدك، بالأعمال، هل صار الله خاتمًا على ساعدك؟ هل عندما تختبر محبة قلبك، تنجح في الاختبار؟ سأضرب لكم مثلا:
بطرس الرسول جعل الرب خاتمًا على قلبه. قال له: لو أنكرك الجميع أنا لا انكرك ن ولو أدي الأمر أن أموت معك. فلما حل الاختبار أنكره ثلاث مرات..
في أنكار بطرس، كان الرب عليه وليس على ساعده.
لذلك قال للرب بعد القيامة “أنت تعلم يا رب كل شيء، انت تعلم أني احبك”. عم، أنا أعلم أننني خاتم على قلبك، ولكنني لست خاتمًا على ساعدك واستمر بطرس هكذا وهو مختبئ في العلية، وهو خائف..
ولكن متي صار بطرس خاتمًا على ساعد الرب..
صار هكذا عندما جلد من اجل الرب، وسجن، وقال “ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس “. وجاهد لأجل الانجيل، واخيرًا علق منكسًا على الصليب. فصار خاتمًا على ساعده.
هذه هي المحبة العاملة التي يطلبها منا الرب، نحوه ونحو الناس: أن يشترك الساعد مع القلب في عمل المحبة.
ابنة تقول لأمها انها تحبها من كل قلبها، كخاتم على قلبها. ثم تترك أمها تتعب في اعمال البيت، دون أن تمد يدها لمساعدتها. هذه ليست خاتمًا على ساعدها.
ابن يقول إنه يحب اباه كخاتم على قلبه. ويهمل دروسه، ويكلف أباه مصروفات باهظة في دروس خصوصية، وفي تكرار السنة بالرسوب: هذا ليس خاتمًا على ساعد ابيه.
يجب أن تبرهن اليد على محبة القلب …
تحب الفقير بقلبك، دون ان تحبه بيدك، تكون محبتك زائفة…
“اجعلني كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك “. ليت هذه الآية تدخل عمليًا في صميم حياتنا.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العددالسابع عشر) 23-4-1976م



