تأملات في سفر نشيد الأناشيد – “أحبتك العذارى “

تأملات في سفر نشيد الأناشيد
“أحبتك العذارى … بالحق يحبونك”
موضوعنا هذه الليلة هو قول العروس
“اسمك طيب مسكوب، لذلك أحبتك العذارى. اجذبني وراءك فنجري… نبتهج ونفرح بك.
نذكر حبك أكثر من الخمر. بالحق يحبونك” (نش1: 2– 4)
أحبتك العذارى … بالحق يحبونك
العبارة الأولى يقولها الكاهن للرب في رفع بخور عشية:
“طيب مسكوب هو اسمك القدوس “… وفي كل مكان يقدمون بخورا لاسمك القدوس وذبيحة طاهرة”. كل هذا يرينا أهمية اسم الرب في حياة المؤمن، فصلي في التسبحة:
“اسمك حلو ومبارك في أفواه قديسيك”. ونقول في المزمور “اسم الرب برج حصين، يركض اليه الصديق ويتمنع”
الإنسان الذي يحب الرب، يحب اسمه، ويردده باستمرار..
يلهج به نهارًا وليلًا، يتحدث عنه مع الناس، ويتغنى به في وحدته. اسم الرب عنده كالطيب المسكوب، تنتشر رائحته زكية في كل موضع. وكثيرون يتأملون في أسماء الله وفي صفاته. وترديدهم لاسم الله دليل على الحب والتعلق.
أحبتك العذارى:
بهذا تفتخر عروس النشيد. وهو دليل على روحانية الحب. لأن حب الجسد أناني واحتكاري. أما حب الروح فيشمل الكل.
لو كان سفر النشيد عبارة عن أنشودة حب جسدي بين فتاة وحبيبها، – كما يظن البعض من أعداء الكتاب ـــــــــ ما كانت تفتخر قائلة: “أحبتك العذارى” إنما كانت تملكها الغيرة الشديدة من حب العذارى له، ولا تستطيع أن تقول “نبتهج ونفرح بك”.
إن ليئه لم تستطع أن تحتمل أختها وشقيقتها راحيل، لما كانت ضرة لها، بل قالت “مصارعات الله صارعت مع أختي”
صدقوني أنا متعجب كيف كان سليمان يعيش مع الألف!!
أترى كل واحدة منهن كانت تغضب عليه من محبته للأخرى، ولا يرى منهن إلا النكد، وهكذا قال “بين الألف لم أجد واحدة؟! لأنه هكذا الحب الجسدي كله غيرة.
إنما في نشيد الأناشيد نرى حبًا، تفرح فيه العروس وتبتهج، لأن عريسها محاط بحب العذارى، وبالحق يحبونه…!
إذا أحب إنسان الله، يريد أن الكل يحبونه. يدعو الكل إلى محبته، ويفرح بمحبة الرب لكل أحد. وهكذا أيضًا إذا أحب إنسان قديسًا، يفرح كلما يجد الكثيرين يحبون هذا القديس. هكذا طابع المحبة الإلهية، والمحبة الروحية.
أما المحبة الجسدية، ففيها احتواء. واحتكار، وفيها غيرة. وهي ليست إطلاقًا محبة سفر النشيد “نبتهج ونفرح بك” بأسلوب الجمع.
” طيب مسكوب هو أسمك.. لذلك أحبتك العذارى …
ليتنا نتأمل في أسماء الله التي جعلت القلوب تحبه…
اسمك رؤوف ومتحنن، طويل الروح، كثير الرأفة، لذلك أحبتك العذارى. اسمك غفور ورحيم، اسمك محبة… حقا كما قال داود “من يشبهك في الآلهة يا رب؟! يا رب من مثلك؟!
ليتنا نتأمل كيف أحب القديسون الرب، وجروا وراءه …
تركوا الأهل والأصدقاء، والوطن والعلم كله، وتركوا كل شهوات العالم وإغراءاته، وساروا وراء الرب، في البراري وشقوق الجبال، واحتملوا حتى الموت من أجله…
ومن أجله نسوا كل شيء، حتى أنفسهم، وصار الله لهم هو الكل في الكل” أحبتك العذارى، بالحق يحبونك”.
ولكن ما معنى كلمة العذارى، أتعني البتوليين، أم الكل؟
المتزوجة وهبت ذاتها لآخر، أما العذراء، فليس لها هذا الآخر الذي تهبه ذاتها، فهي تهب ذاتها للرب.
والمقصود هنا: العذارى بالمعنى الروحي وليس الجسدي، أي النفس العذراء التي لم تهب ذاتها لآخر، حتى إن كان جسدها تحت سلطان إنسان ما، ولكن روحها ليست لآخر.
ومن هنا كانت كلمة العذارى، تعني كل أعضاء الكنيسة: وفي هذا المعنى قال بولس الرسول “خطبتكم لأقدم عذراء عفيفة للمسيح” (2كو11: 2). ووصف الرب كل النفوس التي ستخلص بأنها “خمس عذارى حكيمات” (مت25: 1) وتشمل عبارة العذارى هنا الرجال والنساء، المتزوجين منهم، وغير المتزوجين، والمترملين.
النفوس العذارى هي التي لم تهب حبها لآخر غير الله.
فاسأل ذاتك “هل نفسك عذراء” أم لها آخر تهبه حبها. وقد يكون هذا الآخر هو المال أو الجسد أو العالم أو الشهرة أو الجمال… إلخ
هنا نضع الجسد جانبًا “متزوجًا كان أو أعزب أو أرمل” ونتكلم عن الروح في حبها وعواطفها وانشغالها.
أن النفس المنشغلة بآخر، لا تستطيع أن تحب الله.
ولذلك قال الكتاب “محبة العالم عداوة لله. إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب” وقال السيد المسيح “من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني، فلا يستحقني”.
إنه يريد نفوسًا عذارى لا يشغلها شيء، ولا شخص… النفوس العذارى لا يوجد في قلوبها منافس لله ولا عائق.
إنها نفوس قد انحلت من الكل، لترتبط بالواحد…
“لذلك أحبتك العذارى” لم تعط قلبها ولا فكرها لآخر، ولم تعط وقتها ولا مشغوليتها لآخر. تستطيع أن تنفذ وصية الكتاب “تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل فكرك” (تث6: 5).
النفوس العذارى هي التي اكتشفت جمال الله، فصار كل شيء في نظرها نفاية، وهكذا زهدت كل شيء، وتفرغت لله وحده.
إن كانت هناك أشياء تشغلنا عن الله، فنفوسنا ليست عذارى. النفوس العذارى كل طاقتها الروحية والعاطفية والفكرية، كلها بكر، كلها للرب. لا يوجد ما يشدها بعيدا عنه…
أما أنا يا رب فلست هكذا، يوجد ما يشدني بعيدًا عنك. لذلك لكي أتي اليك، اجذبني وراءك فنجرى.
اجذبنى وراءك، فنجرى
إنك جذبت كثيرين اليك من قبل… كانت المبادرة منك. أنت الذي بدأت معهم. فاجذبني وراءك كما جذبتهم…
كان بطرس وأندراوس يصيدان السمك، فقلت لهما “هلما ورائي، فأجعلكما صيادي الناس”. وكان متى في مكان الجباية، فقلت له “اتبعني”، وجذبته وراءك. وشاول الطرسوسي كان يقتاد رجالًا ونساًء إلى السجن، فظهرت له في الطريق، وقلت له “صعب عليك أن ترفس مناخس” وجذبته وراءك.
اجعلني كواحد من هؤلاء، واجذبني وراءك ولو بالقوة!
ولو بغير إرادتي. كإنسان وقع في بئر، وليس باستطاعته أن يخرج نفسه، ويحتاج إلى من يجذبه، أو كالمريض الذي لم يكن له إنسان ليلقيه في البركة.
كقطعة حديد، في مجال مغناطيس، لا تستطيع أن تخرج منه، وتحتاج إلى قوة تخرجها من هذا المجال المسيطر.
قيل عن هوشع أنه “شعلة منتشله من النار” (زك3: 2).
أي قطعة من الخشب، وقعت في النار، واشتعلت، ولم تعد لها قدرة أن تخلص نفسها. سوى أن تصرخ وتقول “اجذبني وراءك”. ليست لي قدرة على الخروج من هذه النيران. فأمدد يدك وانتشلني.
بنفس الوضع مد واحد من السارافيم يده، وأخذ جمرة من على المذبح، ومسح شفتي أشعياء، فتطهر (أش 6).
إن أكبر عقبة في طريق توبتنا، هي قلة صلواتنا، وسلوكنا بمفردنا دون معونة إلهية. لذلك صدق مار اسحق في قوله.
“من يظن أن له طريقًا آخر للتوبة غير الصلاة، هو مخدوع من الشياطين، فاصرخ إذن “اجذبني وراءك”.
لا تتركني يا رب إلى ذراعي البشري، إلى عزيمتي وذكائي و حيلتي، انتشلني كشعلة من النار، اجذبني وراءك.
كان اسحق مربوطًا فوق الحطب، والسكين فوقه. لا قدرة له على تخليص نفسه، ولا قدرة لأحب الناس إليه، أبيه إبراهيم. ليس سوى صلاة “اجذبني وراءك” وجذبه الرب فخلص…
هناك خطايا تقف أمامنا، “الله يغلبها لا الإنسان”.
أحيانًا ترفض الإرادة أن تتحرك، فيتدخل الله ويجذب الإنسان، ولو بالقوة، ليخرجه من الهلاك، كما فعل مع لوط وأسرته.
ما أكثر الوسائل التي استخدمها الرب لجذب الناس إليه:
الأنبا أنطونيوس جذبه الرب بآية من الكتاب، والأنبا بولا اول السواح جذبه بمنظر جنازة والأنبا بولس البسيط جذبه بمشكلة عائلية، والأنبا باخوميوس جذبه بالمحبة والقدوة الصالحة. فاجذبني يا رب بأية الطرق… اجذبني وراءك فنجري.
فنجرى:
الحياة الروحية لا تعرف الأبطاء. إنها جري متواصل نحو الهدف. وفي ذلك يقول الرسول “اركضوا لكي تنالوا”.
وهكذا تقول عذراء النشيد “اجذبني وراءك فنجري أجري أنا، ويجري معي كل الذين يعرفونني سآخذ معي كل العذارى ونجري في طريق الروح لندرك الجعالة…
القديس أوغسطينوس كان مثالًا لأولئك الذين جروا…
بدأ حياته مع الرب متأخرًا، ولكنه بقفزات متتابعة تحول من حياة التوبة، إلى القداسة، إلى الخدمة، وصار قدوة لكثيرين ومرشدًا روحيًا لأجيال وأجيال.
تأكد أنك لو جريت العمر كله، لما كان هذا كافيًا لإدراك حياة الكمال التي يطلبها منك الرب.
صلِ إذن وقل “اجذبني وراءك فنجري”… ضع يدك في يد الرب، واجر مع هذا “القافز على الجبال، الطافر على التلال”…
اجذبني وراءك فنجري. يقول الرب “وأنا إن ارتفعت، اجذب الي الجميع” حينئذ سنجري مع الرب فوق السحاب، تحقيقًا لوعده الطاهر “وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا، أتي أيضًا وأخذكم إليَّ. حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا.”
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد التاسع والعشرون) 16-7-1976م



