تأملات في المزمورين الأخيرين من صلاة التاسعة أحببت وآمنت – ج2

أولًا: «أحببت» كاستجابة لعمل الله
كلمة «أحببت» هي استجابة النفس لعمل الله معها. فالله سمع صوت التضرع، وكانت النتيجة أن امتلأ القلب بالمحبة. الله لا يريد من الإنسان مجرد كلمات شكر أو فرح، بل يريد قلبًا يحبه. فالمحبة هي أعمق ما يصل إليه الإنسان في علاقته بالله.
ثانيًا: المحبة أعظم من الشكر والإيمان والخوف
المحبة أوسع من الشكر، لأن الذي يحب يشكر، لكن ليس كل من يشكر يحب. وهي أعظم من الإيمان والرجاء، إذ قيل إن أعظمهن المحبة. وهي أيضًا أسمى من الخوف، لأن المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج. فغاية الحياة الروحية ليست مجرد استجابة صلاة، بل الدخول في علاقة حب حيّ مع الله.
ثالثًا: هل محبتنا عملية؟
عندما نقول «أحببت لأن الرب سمع صوت تضرعي» يجب أن نسأل أنفسنا: هل هذه المحبة عملية؟ هل تظهر في الطاعة؟ هل نحفظ الوصايا؟ هل نتعب من أجل الله ونلتصق به؟ فالمحبة الحقيقية تُقاس بالسلوك والثبات، لا بمجرد المشاعر أو الألفاظ.
رابعًا: الفرق بين الفرح والحب
كثيرون يفرحون عندما تُستجاب صلواتهم، لكنهم لا يصلون إلى الحب. قد يفرح الإنسان بنجاح أو وظيفة أو منفعة، لكنه لا يترجم ذلك إلى علاقة أعمق مع الله. أما المرتل فلم يقل «فرحت» بل قال «أحببت»، أي أن استجابة الصلاة تحولت إلى ارتباط دائم بالله.
خامسًا: مجرد أن الله يسمع يكفي
القديسون لا يطلبون فقط أن تُستجاب الصلاة، بل أن تُقبل. يكفيهم أن تدخل الطلبة إلى حضرة الله، وأن يميل أذنه ويصغي. فمجرد الإصغاء الإلهي علامة اهتمام ومحبة، ويمنح النفس طمأنينة وثقة في عناية الله.
سادسًا: الله لا يتركنا في الزحام
رغم انشغال العالم وكثرة البشر، إلا أن الله لا يجعل الإنسان يضيع في الزحام. كما حدث مع زكا العشار حين دعاه الرب باسمه وسط الجمع، وسمع حتى رغبته الداخلية قبل أن ينطق بها. هكذا يشعر المؤمن أن الله يعرفه شخصيًا ويهتم به.
سابعًا: فضيلة حسن الإصغاء
كما أن الله يميل أذنه ويسمع، هكذا يُدعى الإنسان إلى فضيلة حسن الإصغاء. فهناك نفوس متعبة لا تطلب حلولًا بقدر ما تطلب من يسمعها بمحبة. الإصغاء في ذاته تعبير عن اهتمام ورحمة، وهو انعكاس لصورة الله الذي يسمع صوت تضرع أولاده.
الرسالة الروحية
الرسالة الأساسية هي أن استجابة الله للصلاة يجب أن تقود إلى محبة عملية وثابتة، لا إلى فرح وقتي. النفس التي تختبر أن الله يسمعها وتدخل طلبتها إلى حضرته، ترتبط به برباط حب عميق، وتعيش مطمئنة في رعايته.




