تأملات في المزمورين الأخيرين من صلاة التاسعة أحببت وآمنت – ج1

أولًا: خلفية المزمورين وروحهما
المزموران «أحببت» و«آمنت» هما في الأصل مزمور واحد (116)، من مزامير التهليل والتسبيح التي كانت تُقال في عيد الفصح. وقد رتل بهما السيد المسيح مع تلاميذه قبل خروجه إلى جبل الزيتون كما ورد في إنجيل متى. لذلك فلهما عمق خاص، إذ يحملان روح الشكر على الخلاص والعبور من العبودية إلى الحرية.
ثانيًا: الحب المبني على خبرة الخلاص
يبدأ المزمور بعبارة: «أحببت لأن الرب سمع صوت تضرعي». هنا الحب ليس عاطفة عمياء، بل هو استجابة لعمل الله وخبرته. النفس تحب لأنها اختبرت استجابة الصلاة ورأت خلاص الرب في حياتها. فالحب ثمرة لمعرفة عملية بالله، وليس مجرد وصية نظرية.
ثالثًا: الله الذي يميل أذنه للضعيف
قول المرتل «لأنه أمال أذنه إليّ» يعبّر عن حنان الله واهتمامه بالإنسان الضعيف. فالنفس تعترف بضعفها، والله في أبوّته ينحني ليسمع همساتها. هذه صورة جميلة لعلاقة شخصية مليئة بالرأفة، تجعل الإنسان يتمسك بالصلاة كل أيامه.
رابعًا: تذكّر الإحسان يولد الشكر والثبات
يشير التعليم الروحي هنا إلى أهمية تذكّر استجابات الله السابقة. كثيرًا ما ننسى صلوات استجابها الرب، فتبرد محبتنا. لكن عندما نستعرض إحسانات الله وخلاصه في الماضي، تتجدد فينا حياة الحب والشكر، ونزداد ثقة في عنايته.
خامسًا: الضيق كمدخل للخلاص
«أوجاع الموت اكتنفتني، وشدائد الجحيم أصابتني». سواء كان ذلك تاريخيًا في عبور الشعب من أرض العبودية، أو روحيًا في عبودية الخطية، فالإنسان حينما يُحاصر بالضيق من الخارج والحزن من الداخل، يصرخ إلى الرب. والصرخة الصادقة تقوده إلى اختبار الخلاص والنجاة.
سادسًا: من عبودية الخطية إلى حرية الحب
كما خلّص الرب شعبه من نير العبودية، هكذا يخلّص النفس من نير الخطية. فالخلاص ليس مجرد نجاة من خطر خارجي، بل هو قيامة من موت الخطية إلى حياة جديدة في المحبة. لذلك تتحول علاقة الإنسان بالله من علاقة خوف أو ناموس إلى علاقة حب حيّ وشكر دائم.
الرسالة الروحية للمزمور
الجوهر الروحي للمزمورين هو أن خبرة استجابة الله وخلاصه تولد في القلب حبًا ثابتًا وشكرًا دائمًا، وتجعل الصلاة أسلوب حياة. النفس التي تتذكر إحسانات الرب، وتعي ضعفها أمامه، تدخل في علاقة حب عميقة معه، وتردد بصدق: «أحببت… وآمنت».


