انتظر الرب

انتظر الرب
في سلسلة أحاديثنا عن صوم ميلاد المسيح، الذي نستعد فيه لنعيد بميلاد المسيح، نتذكر أمرًا هامًا، وهو أن الرب قد وعد بأن يأتي من نسل المرأة لخلاصنا، ولكنه لم يأت إلا بعد آلاف من السنين، كانت في خلالها البشرية تنتظر الرب متى يجيء.
فليكن موضوعنا في هذه الليلة عن انتظار الرب.
انتظر الــــرب
قال الرب لآدم وحواء، إن نسل المرأة سيسحق رأس الحية، ومع ذلك بقيت الحية رافعة رأسها آلاف السنين، والبشرية تنتظر متى يأتي الرب ليسحق رأسها.
وقال الرب لإبراهيم: “بنسلك تتبارك جميع قبائل الأرض” وكرر هذا الوعد لأسحق ويعقوب. ومر أكثر من ألفي سنه، وأولاد إبراهيم ينتظرون تحقيق هذا الوعد. والرب صابر إلى أن يحل ملء الزمان.
وكانت البشرية تنتظر خلاص الرب طول ذلك الزمان، وهي واثقة أن الرب لابد سيأتي، ويخلص، ويحقق وعده…
أما متى يأتي، فلم يكن أحد يدري… وكثير من القديسين انتظروا طول عمرهم، “ولم ينالوا المواعيد، ولكنهم من بعيد نظروها، وصدقوها وحيوها” (عب11: 13). وتحقق مجيء الرب فعلًا، بعد طول هذا الانتظار. وأنا أريد أن أكلمكم الليلة عن انتظار الرب.
يقول المزمور: “انتظر الرب. تقو وليتشدد قلبك، وانتظر الرب” وهذا المزمور يعطينا معنى جميلًا عن طريقة انتظارنا للرب. وهي أننا لا ننتظر في يأس “أو في انهيار أو ضعف. بل ننتظر في قوة، وقد تشدد قلبنا بالإيمان… هذه القوة يشرحها لنا أشعياء النبي، حينما يقول عن انتظار الرب:
“وأما منتظرو الرب فيجددون قوة. يرفعون أجنحة كالنسور. يركضون ولا يتعبون، يمشون ولا يعيون” (إش40: 31).
الإنسان الذي لم يختبر انتظار الرب، تراه باستمرار في قلق واضطراب. يطلب، ويتضايق جدًا إذا لم يستجب الرب طلبته بسرعة. وكل تأخير في الاستجابة يزيده قلقًا ويفقده سلامه…
أما الذي ينتظر الرب، فلا يفقد سلامه أبدًا، ولا يقلق.
إيليا النبي، وعده الرب أن تمطر السماء، وصلى ولم تمطر، وصلى ثانية وثالثة ورابعة ولم تمطر. ولم يقلق إيليا، وانتظر الرب. وفي الصلاة السابعة، رأى غيمة في حجم قبضة اليد، فوثق بالرب وتشدد… وامطرت السماء،
إن انتظار الرب هو اختبار لإيماننا، هل يتزعزع إيماننا إن ابطأ الرب، أم يظل ثابتًا كما هو؟…
إن الذي يعيش في حياة الإيمان، يلقي أموره في يد الرب، ويتركها هناك. لا يقلق، ولا يضطرب، ولا يستعجل الرب. إنما يؤمن أن الله سيحل كل شيء، بالطريقة السليمة، وفي الوقت المناسب. حقًا ما أعمق قول الرب لتلاميذه:
“ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات، التي جعلها الآب في سلطانه” (أع1: 7).
نحن ننتظر الرب، وننتظر الرب في رجاء وفي ثقة، وفي فرح، ونحن متأكدون أنه سيأتي. لا نعلم متى يأتي، ولكننا متأكدون أنه سيأتي ويعمل لخلاصنا… صباحًا، أم ظهرًا، أم نصف الليل، أم في الهزيع الرابع؟ … لسنا ندري، ولكننا نترك تحديد الوقت لحكمته.
إن منتظر الرب، يثق بأمرين أساسيين يعتمد عليهما في انتظاره: وهما محبة الرب الفائقة للبشر، وحكمته التي لا تحد… وفي فترة الانتظار، لا نلجأ إلى الحلول البشرية.
لا نفعل مثل رفقة عندما يئست من انتظار الرب في منح البركة ليعقوب، فلجأت إلى الذكاء البشري في خداعه وحيله. ولا نفعل مثل إبراهيم، الذي يئس من انتظار الرب في ولادة إسحق، فأخذ هاجر… حقًا إن الطرق البشرية نتيجة مؤلمة لليأس في انتظار الرب، والقلق إذا طالت المدة. لذلك يقول المرتل في المزمور:
انتظرت نفسي الرب، من محرس الصبح حتى الليل…
لا تقلق وتظن أن الله يبطئ في قدومه. فالله لا يبطئ أبدًا، مهما ظننته قد تأخر في استجابته…
إن الله يعرف الموعد المناسب بكل دقة، ولا يتأخر عنه ولو لحيظة واحدة. وما تظنه إبطاءًا، إن هو إلا انتظار الوقت المناسب.
لتكن لك ثقة في حكمة الله، وفي حسن اختياره للمواعيد… ويعوزك أيضًا أن تثق بمحبة الله لك…
إن الله محب البشر، يحبك أكثر مما تحب نفسك، ويعمل من أجل منفعتك أكثر مما تعمل أنت…
إنه يعطيك دون أن تطلب، وقبل أن تطلب، فكيف بالحري إن طلبت. وهو يعطيك ما ينفعك، أكثر من إعطائك ما تطلبه.
ربما الذي تطلبه، لا يكون مناسبًا لك، ولا نافعًا لك. وربما الوقت الذي تحدده، يعرف الله تمامًا أنه غير صالح. لذلك تواضع، واترك لحكمة الله أن تتصرف، وانتظر الرب. أليس من المؤلم أننا نثق بذكائنا أكثر مما نثق بالله!!
إن الله- فيما نظنه قد تأخر- إنما يعمل بحكمة، لا ندرك أعماقها إلا فيما بعد، عندما تتضح أمامنا الرؤية بالأكثر…
إن الذي يتأمل قصة فرعون وموسى، يتعجب جدًا…
انتظر الرب على مذلة أولاده أكثر من 400 سنة، لأن كأس الخطاة الذين سيطردهم من أمامهم لم يكن كاملًا. وانتظر أيضًا على فرعون عشر مرات، في ضربات شديدة متلاحقة، لعله يتوب أو يلين. ولعل الذين ملوا الانتظار، كانوا متعجبين… ولكنهم عندما رأوا أعجوبة البحر الأحمر، لا شك أنهم أدركوا حينئذ حكمة الانتظار وأعماقه…
لو عمل الله من أول ضربة، ما بدا عمله قويًا كما حدث عند شق البحر، ولتساءلنا نحن: لماذا لم يمنح الرب فرصة لفرعون!
إن صبر الله أكثر من 400 سنة، لم يكن معناه أنه نسى، أو أنه قد أهمل. وإنما معناه أنه يدبر، ويتخير أحسن الأوقات. لذلك فلنثق بهذه الحكمة ونحن ننتظره…
قد يكون الانتظار أيضًا مدرسة للصلاة، نتعلم فيها اللجاجة، والتمسك بالرب، والاعتماد عليه، ونرتبط به في عمق…
ربما تأخر الرب علينا، يدفعنا أن نسكب أنفسنا أمامه متضرعين. وكلما طالت المدة تنضم إلى صلوتنا أصوام ومطانيات، وربما نذور. مثلما تأخر الرب على حنة زوجة القانة، فلم يفتح رحمها لتلد، حينئذ صلت صلاة، وبكت، ونذرت نذرًا، وصار ابنها ابنًا للهيكل من صغره.
سبب آخر، وهو أن الاستجابة عندما تأتي بسرعة، لا نشعر بقيمتها، ولا تمنحنا الحب والشكر والعرفان بالجميل، وقد نفقدها بسرعة بسبب عدم الحرص عليها وعدم التقدير.
إن عروس النشيد، عندما تعبت في العثور على عريسها، واحتملت من أجله، وطلبته فلم تجده، ودعته فما أجابها، وتشفعت ببنات أورشليم أن يخبرنه بأنها مريضة حبًا… حينئذ لما وجدته أخيرًا، قالت: “أمسكته، ولم أرخه”…
هكذا لكي يجعلك الرب تمسك به، وتشتاق إليه، وتقول له: “من كل قلبي طلبتك”، يتأخر عليك قليلًا، في حكمة وحب.
كل الذين انتظروا الرب، وصلوا إلى نتائج عجيبة. والأولاد الذين أعطاهم الرب لآبائهم بعد طول انتظار. كانوا بركة لآجيالهم.
المعمدان الذي ولدته أمه بعد طول انتظار، صار الملاك الذي يهييء الطريق أمام الرب. صموئيل الذي جاء بعد عقم وصلوات ونذور، صار النبي العظيم الذي يمسح الملوك. ويوسف الذي منحه الرب لراحيل بعد عقمها وشفاعة يعقوب، صار بركة لمصر ولوالده وإخوته…
لذلك انتظر الرب، وثق أن انتظارك ستعقبه بركة ونعمة.
نحن لا نقصد بانتظار الرب، أن تنتظر في ضجر وفي ضيق وتعب، وأنت تشك في محبة الرب وفي استجابته، أو تشك في الصلاة ومدى فاعليتها. كلا فهذا انتظار غير روحي…
إنما نقصد أن تنتظر الرب في ملء الرجاء، وملء الثقة والإيمان. تنتظره في حب. وأنت تصلي وتقول: “أنا متيقن يا رب من أعماقي، أنك ستحل هذا الموضوع. أؤمن بهذا. وإن حدث وتضجرت، فأعن ضعف إيماني.
أما الذي ييأس في انتظاره، وتنهار معنوياته، فإنه يسمع قول المزمور: “تقو، وليتشدد قلبك، وانتظر الرب”.
إن مواعيد الرب صادقة وأمينة، ونحن نثق بمواعيد الرب… ومهما كانت العوائق التي تحارب إيماننا، فإننا لا نشك…
” وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ.” (إش 40: 31). “.. لقد وعد الله بأن نسل المرأة ستتبارك به جميع قبائل الأرض. ومع ذلك لعنت الأرض: وغرق العالم بالطوفان. ولكننا لم نيأس. لقد أبقى الله لنا بقية في نوح وبنيه… ثم فسد أولاد نوح، فلم نيأس، لقد أبقى الله لنا رجاء في إبراهيم، ثم في يعقوب وبنيه… وفسد بنوه، ومع ذلك استمر نور الرب يشرق، حتى جاء ملء الزمان، وجاء معه المسيا المنتظر…
نحن لا نؤمن فقط أن الله سيعمل، بل نؤمن أنه يعمل فعلًا، وربما بدأ في عمله من أجلنا قبل أن نطلب بزمان…
وسأضرب لكم مثالًا: كنيسة تحتاج إلى خدمة عاجلة، وتطلب من الرب أن يسام لها كاهن قديس نشيط محب، على وجه السرعة، وربما تتأخر السيامة شهورًا، أو سنة أو أكثر. ويصرخ الشعب “لماذا يارب تأخرت؟!”. ويجيبهم الرب: أنا لم أتأخر. بل على العكس، فمنذ أربعين سنة أو ثلاثين، وأنا أعد لكم هذا الكاهن، وبقلب خاص، وروحيات خاصة، وبتجارب وخبرات، وبنوعية خاصة تناسب كنيستكم… قبل أن تطلبوا بزمان…
إن أولاد الله سعداء دائمًا ومطمئنون… كلما حاربهم الشك يقولون: “هوذا صوت حبيبي، طافرًا على الجبال، قافزًا على التلال”. يقينًا أن هذا الطافر على الجبال، لا يمكن أن يبطيء…
إن راكب الطائرة، يخيل له أحيانًا أنها واقفة، بينما تسير بأقصي سرعة. وأحيانًا تنظر إلى المروحة الكهربائية، فتظنها واقفة وهي في أقصى سرعتها… هكذا الله أحيانًا في عمله.
في انتظار الرب، لا تعتمد على العيان، ولا على الحواس، ولا على الفهم البشري، وإنما على الإيمان.
وهناك أعمال يعملها الرب معنا، لا نحس نتائجها إلا متأخرًا.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الحادي والخمسون) 17-12-1976م



