الكآبة والفرح

كثيرون يسيرون في طريقهم الروحي، بأسلوب يجعل الكآبة تملك على قلوبهم، وقد فهموا خطأ الآية التي تقول: “بكآبة الوجه يصلح القلب”( الجامعة 7 : 3 )
وفي هذا المقال سنعرض لموضوع الكآبة، ونرى الصالح منها والرديء…
هناك أنواع من الكآبة المقدسة، لها أسباب روحية:
مثال ذلك نحميا في اكتئابه وبكائه وتذللـه أمام الله، لما سمع أن أسوار أورشليم قد هدمت، وأبوابها محروقة بالنار. وظل حتى عاد فبنى أسوار أورشليم.
ومثل كآبة عزرا لما رأى الشعب قد كسر الشريعة، فصام وبكى، ولم يأكل لحماً ولم يشرب خمراً، ولم يدهن، حتى أنقذ الشعب من ذلك الضياع الروحي..
ومن أمثلة هذا الحزن المقدس أيضًا، دموع القديسين. بل مثاله أيضاً السيد المسيح في بستان جثسيماني، لما حزن واكتأب، وقال: “نفسي حزينة جدًا حتى الموت”،
نسمع أيضًا عن داود النبي، الذي بلل فراشه بدموعه.
هناك كآبة روحية تصحب التوبة، وأخرى تصحب الصوم…
مثلما ورد عن الصوم في سفر يوئيل النبي ( يوئيل 2 : 12–17 )، ومثلما ورد في سفر يونان النبي عن صوم نينوى.
وهناك كآبة مقدسة أخرى في الخدمة لأجل خلاص الناس:
كبكاء إرميا النبي من أجل “سحقي بنت شعبه” ومثل كآبة بولس على شعب كورنثوس، وقوله: “مكتئبين في كل شيء، لكن غير متضايقين” (2كو 4).
ولكن الحزن المقدس مصحوب دائماً بالعزاء وبالرجاء…
لذلك يقول بولس الرسول: “الذي يعزينا في كل ضيفتنا، حتى نستطيع أن نعزي الذين هم في كل ضيقة” ( كورنثوس الثانية 1 : 4 )، ويقول: “كحزانى ونحن دائمًا فرحون”( كورنثوس الثانية 6 : 10 )،
ويقول أيضًا: “كما تكثر آلام المسيح فينا، كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضًا”( كورنثوس الثانية 1 : 5 ).
إنه يتكلم عن الكآبة المصحوبة بالعزاء والرجاء، وبها يعزي الآخرين.
بالإضافة إلى الكآبة المقدسة، هناك كآبة طبيعية:
كحزن أم على موت ابنها، أو حزن مريم ومرثا على موت لعازر، أو حزن يعقوب لما سمع من أبنائه عن افتراس ذئب ليوسف، وكحزن أيوب الصديق لما سمع بسقوط البيت على أبنائه وبناته.. وفي كل هذا الحزن يقول الكتاب:
“لا تحزنوا كالباقين، الذين لا رجاء لهم”.
بالإضافة إلى الكآبة المقدسة، والكآبة الطبيعية، هناك كآبة خاطئة:
مثل كآبة آخاب الملك، لما فشل أولًا في الاستيلاء على حقل نابوت اليزرعيلي، ومثل كآبة الابن الكبير لما ذبحوا العجل المثمن لأخيه الصغير فحزن، ومثل الكآبة بسبب أية رغبة لم تتحقق.
وهناك كآبة نتيجة للحسد، فيحزن الإنسان لأن غيره نال ما لم ينله هو، وكآبة أخرى سببها التعب لعدم الاتكال على الله.
كآبة من يشعر أنه وحيد بلا أنيس ولا معين..
وكآبة من يجمع المشاكل والمتاعب أمامه، فيتعب وييأس…
الروحي يكتئب لأمور ضد خلاص نفسه أو ضد خلاص غيره، أما علماني الميول فيكتئب لأمور مادية أو زائلة.
هناك كآبة أخرى غير هذه، هي الكآبة المرضية، هي نوع من الأمراض النفسانية، يسمونه depression، ومن أسباب هذه الكآبة، الوسوسة..
الموسوس يحكم أحكامًا خاطئة، ويتخيل متاعب غير موجودة، فتلعب به الأفكار وتتعبه. كأم يتأخر ابنها في الرجوع إلى البيت، فتظل تفكر أفكارًا سوداء خيالية عن موته أو خطفه، أو حادثة ربما حدثت له، وتتعبها الأفكار..
ومن أسباب هذه الكآبة أيضًا، الشك:
كشخص يغلق على امرأته الأبواب بالمفاتيح، ويأخذها ويخرج، يشك في أنها تفتح لأحد. ويغلق عليها النوافذ. ويشك في كل ابتسامة لها، وكل كلمة مديح لأحد. ويعذبه الشك، ويكون هذا الشك لونًا من الوسوسة بعيدًا عن طباع امرأته وتصرفاتها.
أو امرأة تقول لأب اعترافها: “حياتي في جحيم”، لأنها تشك في رجلها. في كل زيارة يذهب إليها، وفي كل تأخير في مواعيده، وتود لو تطلع على خطاباته وخصوصياته.. إنها وسوسة تجلب الكآبة…
يوحنا كاسيان، ومار أوغريس، وضعا الكآبة ضمن الثمانية أفكار، التي هي من حروب الشياطين…
فقد تكون الكآبة فعلًا من حروب الشيطان، بها يضيع روحيات الإنسان، ويتلف أعصابه، ويتعب نفسيته، بل يضيع عقله أيضًا:
يوهمه أن خطيته لم تغفر، وأن الله لن يقبله، وأنه وقع في “التجديف على الروح القدس”، وينطبق عليه ما ورد في (عب 6) عن الذين “لا يمكن تجديدهم أيضًا للتوبة”… وأنه كالذي “طلب التوبة بدموع ولم تعط له”..
إنها ليست كآبة الوجه التي بها يصلح القلب، وإنما هي كآبة تتلف القلب كله، ومعه الفكر والأعصاب.
ومن أسباب هذه الكآبة، عقدة الذنب، أو الإحساس بالذنب أو ما يسمونه sense of guilt.
إنسان يموت له أب أو ابن، يقول أنا السبب في موته، لو كنت اهتممت به أكثر ما مات، لو أحضرت له الدكتور فلان كان يشفى، لو.. لو.. وتظل أفكار الوسوسة تعصف به في شعور بالإثم.
ليست هذه الكآبة توبة أو اتضاعًا، إنما هي مرض نفساني.
تستمر مع الإنسان، وتلاحقه الأفكار في خروجه ودخوله، وفي صحوه ونومه، وتلح عليه، لا تفارقه، فتحطم أعصابه.
فكرة واحدة تجول في الذهن ضاغطة عليه، تجلب له الحزن، والتعب، والدموع، بلا منفذ، بلا حل، بلا رجاء:
هذه الكآبة تسبب تعبًا للأعصاب، وتعبًا للنفس، وتعبًا للآخرين. يحتار فيها المرشد والطبيب وأب الاعتراف، ويحتار الشخص نفسه. ولابد لها من العلاج.
أصعب ما في العلاج، أن يلجأ المريض بالكآبة إلى المسكنات:
يتعاطاها. فيتعودها الجسم، فيلجأ إلى أنواع أشد، وكميات أكثر، وفي بعض المستشفيات يعالجون بالمنومات، وربما بمواد مخدرة. لكي يبعد الإنسان بالنوم عن التفكير المركز الذي يضره، فتستريح الأعصاب أثناء النوم..
أحيانًا يكون سبب الكآبة، حساسية زائدة في النفس:
إنسان حساس نحو مشاعر غيره، يظن أن هذه العبارة أتعبت فلانًا. يظن أن فلانًا تأثر، أو تضايق منه، أو أنه قاطعه أو ابتعد عنه.. وكلها وسوسة… ويقابل فلانًا فيقول له:” أنت زعلان مني؟ هل أنت متضايق؟ قل بصراحة.. أنا آسف، أنا لا أقصد”…
ويعتذر عن أمور لم يخطئ فيها، وبنفسية ممزقة..
وربما يحب أن يطمئن، بمزيد من الأسئلة، ومن الإلحاح، تسبب تعبًا لسامعه. وهذا التعب يعمق ظنه الأول وشكه!
من أسباب هذه الوسوسة الحكم غير السليم على الأمور:
إنها فهم غير سليم للاتضاع ولعبارة “أنا أخطأت”…
ولهذا كثير من الذين يدخلون في حياة التدين، بطريقة غير متزنة، تملكهم الكآبة، وتتعبهم جلسة محاسبة النفس، وتتعبهم حياة التدقيق، وتقودهم إلى عقدة الذنب والكآبة.. لأن محاسبة هؤلاء لأنفسهم ليست سليمة، تحمل تضخيمًا للأخطاء..
نريد محاسبة كميزان الصيدلي، الزيادة في أي صنف تضر، والتقليل من أي صنف يضر. محاسبة لا تبرر، ولا تذنب..
“مبرئ المذنب، ومذنب البريء، كلاهما مكرهة الرب”..
أما إن ظن أن الاتضاع هو أن يقول في كل شيء أنه مخطئ، حينئذ سيفقد سلامة الحكم على الأمور، وقد يقع في اليأس وفي الكآبة، وفي الصراع الداخلي: يريد أن يسلك في الفضيلة، ويرى الفضيلة مستحيلة!
ولكن ليس معنى هذا، أن يقع في العكس، في اللامبالاة. إنما عليه أن يحزن على الخطية، ويربط الحزن بالرجاء، والتعزية والمغفرة، ومحبة الله، ولا يسلك بأنصاف الحقائق.
أولاد الله دائمًا فرحون. وإن اكتأبوا بسبب الخطية، يتحولون إلى التوبة، والتعزية، ويتحول حزنهم إلى فرح. في كل مرة تحاول الكآبة أن تحطمك، قل لنفسك:
أين الفرح المقدس الذي من ثمار الروح القدس؟ أين قول الرسول “افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضًا افرحوا”؟ وقول الرب “أراكم فتفرح قلوبكم، ولا يستطيع أحد أن ينزع فرحكم منكم”؟
اجعل الكآبة شيئًا عارضًا سطحيًا في حياتك، وليس شيئاً دائمًا، ولا عميقًا. وافرح بالرب فرحًا روحيًا:
الله الذي يغفر، الذي يقبل توبة التائب، الذي يحمل أثقالنا ويحمل خطايانا، الذي يمسح كل دمعة من عيوننا، الذي يقول: “تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال، وأنا أريحكم”. الذي يقول “من يقبل إلي، لا أخرجه خارجًا”.. الله الذي أعد لنا نعيمًا أبديًا، وسمى روحه (الروح المعزي)، وجعل إنجيله بشارة مفرحة.
الذي يعيش في الدين بكآبة دائمة أو مرضية، يصير عثرة تمنع غير المتدينين من التدين.
إن حاربتك خطية، قل: إن الله سينقذني منها، لأنه يريد أن الجميع يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون.. وإن أتتك تجربة، قل: كله للخير، وربنا موجود..
حول حزنك إلى فرح، ولا تكوم المشاكل حولك بل فرقها..
الإنسان الكئيب يكوم حوله المشاكل، مشاكل البيت ومشاكل العمل، مشاكل الغريب والقريب، مشاكل أمس واليوم والمشاكل التي قد تحدث غدًا، وإن لم يجد مشكلة، يقول ربما تحدث..
عيشوا في فرح دائم وفي رجاء، وعالجوا الكآبة في حياتكم وفي حياة الناس. إن مزمور التوبة (مز 50) نقول فيه: “أمنحني بهجة خلاصك“. فليعطنا الرب هذه البهجة.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الثالث والثلاثون) 19-8-1977م




