القديس سيداروس المتوحد

القديس سيداروس المتوحد
قال أبونا البطريرك البابا بنيامين 38: فيما كنت هارباً من سطوة هرقل، ذهبت إلى بعض أديرة الصعيد، وسألت رهبان الدير، هل يوجد بينهم مريض أو غريب افتقده، فقالوا: “عندنا راهب له 25 سنة في الدير، وقد أغلق على نفسه. وقال إن بابي لا يفتحه إلا البابا بنيامين”.
فلما سمعت، داخلني العجب، وأتيت معهم إلى مسكن هذا الراهب، وناديته باسمه الذي عرفوني به، فأجابني “هذا صوت البابا البطريرك الأنبا بنيامين” فزاد تعجبي وجعلت يدي على الباب فانفتح أيضاً. فتعجبت أكثر وسبحت الله. ودخلت فقابلني أحسن مقابلة. وسألني الصلاة عليه، وكانت نفسي راغبة إليه أن يصلى على، لأنه كان ناسكاً متوحداً عابداً، فصليت عليه وتميزت وجهه فرأيت عليه نوراً ساطعاً، وسألته عن أمره.
فذكر كيف توفى والده وأخوته، فأشتغل أجيراً عند رجل صاحب مركب، وكان عليها قوم مؤمنون يتحدثون في أخبار الرهبان وفضائلهم، فاشتاقت نفسه إلى حياة الرهبنة. ولما رست المركب عند الإسكندرية، دخل إلى بيعة مارمرقس وحضر القداس وصلى، وهناك تقابل مع أحد الآباء الرهبان وقص عليه قصته ورغبته. فنصحه أن يستأذن من صاحب المركب ويأتي إليه.
وبعد ذلك أوصله إلى هذا الدير، وألبسه الإسكيم، وأدخله إلى هذه القلاية، وأغلق عليه. وقال له: هذا الباب لا يفتحه عليك أحد إلا البابا الأنبا بنيامين. ويكون ذلك يوم وفاتك.
ثم قال لي هذا الراهب: لقد علمت بما يأتي عليك من الروم، وسيأتي بعد هذا قوم من العرب فيخرجونهم ويملكون مكانهم، ويطلبك مقدمهم وتكون مكرماً عنده، وتبنى في عهدك بيعة عظيمة، وأنت تكرسها، ويبقى ذكرك عليها.
يقول البابا بنيامين فصرت متعجباً من هذا الكلام كله. ثم نهضت من عنده، وقمت إلى المكان الذي كنت فيه.. وبعد قليل أتأنى رئيس الدير وهو يبكي ويقول “لن يغمض عيني إلا البابا البطريرك”.
فزاد تعجبي وقمت مسرعاً، فوجدته قد قارب الوفاة. فأدار وجهه وسألني الصلاة عليه. فصليت عليه صلاة التحليل وطلبت صلاته.. ومد يده وجذبني إليه، حتى صرت إلى وجهه، فقبلني وقبلته، وفارق الدنيا مثل نائم.
فوصدته، وأمرت من حفر له في مسكنه حتى أدفنه، فلما كشف الرهبان الأرض وجدوا قبراً فارغاً لم يدفن فيه أحد، وفيه تابوت من الصوان بمقدار طوله.. فزاد تجبى أكثر.
ففتحوه فوجدت حوله كتابة باليونانية هي: “أنا الضعيف سمعان الراهب، لما كنت ساكناً في المنزل، إذا بي أرى شبه ملاك في قدمي، وهو يقول لي سيأتيك أحد أثرياء الفرس ومعه هدية، فخذها منه، واطلب منه تابوتاً من الحجارة، لتكون مدفناً لرجل من القديسين، يسكن هذا المكان.
يقول البابا بنيامين: فزاد تعجبي. ودفنا هذا القديس، وأقمت على قبره ثلاثة أيام، وحدثت معجزات كثيرة من جسده. ثم مضيت من هذا الدير، إلى دير آخر من أديرة الصعيد.
هذه سيرة القديس سيداروس المتوحد الذي عاش في القرن السابع، وكان ولد في نواحي الأشمونين بالصعيد.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الثاني والخمسون) 30-12-1977م



