العمل الفردي

العمل الفردي[1]
ليست الخدمة مجرد لقاء بجماعات، أو إلقاء دروس بفصول، وإنما هناك العمل الفردي، الذي له أهميته وخطورته.
والسيد المسيح كان يلتقي بالجموع، وكان له أيضًا عمله الفردي.
عندما ألقى العظة على الجبل، ألقاها على الجموع. كذلك كلماته على الخمسة الآلاف رجلًا غير النساء والأطفال، الذين استضافهم. وفي معجزة شفاء المفلوج كان البيت مزدحمًا لا يسع.. وكذلك كانت الجموع تزحمه في وقت لقائه بزكا، وعندما لمسته النازفة الدم، وعندما كان يعظ في السفينة…
كل هذا الزحام، لم يمنع السيد من العمل الفردي..
كان له عمله الفردي مع نيقوديموس سرًا وليلًا. وكان له عمله الفردي مع زكا، ومع مريم المجدلية، ومع مريم ومرثا أختي لعازر، ومع سمعان الفريسي والمرأة التي بللت قدميه بدموعها: وكذلك عمله الفردي مع المرأة السامرية عند بئر يعقوب. ويدخل في هذا أيضًا لقاؤه مع المولود الأعمى لما طردوه من المجمع، ولقاؤه مع مريض بيت حسدا، وبحثه عن الخروف الضال.
ويدخل في عمله الفردي أيضًا لقاؤه مع كل واحد من الآباء الرسل، سواء في الدعوة أو في أحاديث خاصة.
وبعد القيامة كما ظهر لأكثر من 500 أخ، ظهر بصفة فردية لبطرس لأنه كان محتاجًا لهذا اللقاء، وظهر لمريم المجدلية، ولتلميذي عمواس. كما ظهر لشاول الطرسوسي في عمل فردي…
وكذلك الآباء الرسل كان لهم عملهم العام وعملهم الفردي.
وحتى الرسائل التي كتبوها، كان بعضها لعامة المؤمنين كلهم، وكان بعضها لأفراد، مثل الرسالة إلى فليمون، والرسالتين إلى تيموثاؤس. وهذه الرسائل كان لها أيضًا عملها العام.
وأنت أيضًا في عملك الروحي والكرازي، لك عملك العام، وعليك واجب هام في خدمة فردية تؤديها نحو أشخاص…
فما هي أهمية هذا العمل الفردي في الخدمة؟
العمل العام، فيه كلام عام للكل، لا تدري مدى تأثيره.
أما العمل الفردي، فهو عمل خاص، يمس حالات خاصة، يمس مشكلة بالذات، ويجاهد لحلها. فهو إذن عمل مركز.
العمل الفردي غالبًا ما يكون جلسة صريحة واقعية، أكثر تأثيرًا من الكلام العام. وهناك فائدة أخرى عظيمة:
في المحاضرات العامة يأتي الناس إلى الكنيسة. أما في العمل الفردي فتذهب الكنيسة إليهم، وبخاصة الذين لا يذهبون.
ومن هنا يبدو العمل الفردي دليلًا على الحب وعلى الاهتمام، سواء بحثت أنت عن الشخص، أم ألقاه الله في طريقك، أم أتى هو إليك. مجرد اهتمامك به، ومحاولة حل مشاكله، وقيادته إلى الله، دليل على العناية والحب…
كما أنه دليل على تقديرك لقيمة النفس الواحدة.
والعمل الفردي فيه اتضاع، لأنه عمل غير ظاهر.
العظات العامة ظاهرة يعرفها الكل، أما العمل الفردي ففيه اختفاء، وفيه اتضاع، لأنه إعطاء كمية من الوقت ومن الاهتمام لحالة فردية، والرضاء بها دون البحث عن الثمر المتكاثر الذي يبدو في الاجتماعات الكبيرة.
على أن العمل الفردي قد يقود إلى العمل العام…
فالذي تنجح معه في العمل الفردي، سيدخل في نطاق الكنيسة واجتماعاتها، بل ربما يعمل في أنشطتها.
وربما عمل فردي تكون له نتيجة جبارة جدًا…
أنه عمل فردي عمله السيد المسيح مع شاول الطرسوسي، حينما قابله مقابلة خاصة في طريق دمشق. ولكن هذه المقابلة كان لها أثرها العميق جدًا في تاريخ الكنيسة، لأنها أوجدت بولس الرسول الذي تعب في الكرازة أكثر من جميع الرسل، وانتشر الإنجيل على يديه بأوفر قوة.
والعمل الفردي قد تكون له أحيانًا مكافأة أكثر نظرًا لصعوبته.
سهل جدًا أن يلقي إنسان عظة أو درسًا، ولكن الصعب هو أن يتقابل في العمل الفردي مع نفس لها ظروفها الخاصة ولها عوائقها العملية في طريق الرب، وقد يقضي وقتًا طويلًا مع هذه النفس يناقش ويبحث، ويرد على أفكار، ويفتش عن حلول، ويصطدم بمشاكل… لهذا فإن صبره في هذا العمل، له أجره، لأن الحل لم يتم بسهولة..
وقد لا يجد حلًا، فتتضع نفسه التي ربما كانت واثقة بذاتها، أو قد يقوده الإشكال إلى مزيد من الصلوات.
وهكذا نرى العمل الفردي مدرسة يتدرب فيها الإنسان على فضائل كثيرة، لأنها تدخله في صميم الحياة العملية، البعيدة عن الكلام النظري، والمثاليات المجردة..
وقد يكون العمل الفردي مع شخص واحد أو أسرة واحدة، أو مع صديقين، أو (شلة) من الأصدقاء، أو أية مجموعة بسيطة، ولكن تضم الكل حالة واحدة…
وأنت أيها الابن المبارك، هل لك خبرة بالعمل الفردي؟
هل مارست هذه الخدمة مع قريب لك، أو صديق، أو زميل لك في العمل أو الدراسة، أو إنسان قابلك؟
[1] ملخص للمحاضرة التي ألقاها قداسة البابا شنوده الثالث في دراسات إعداد الخدام (الخميس 22 يوينة 1978م) عن: “العمل الفردي”، ونُشرن في مجلة الكرازة بتاريخ 7 يوليو 1978م.




