العقوبة- بحثها من الناحيتين الروحية والكنسية

[1]العقوبة- بحثها من الناحيتين الروحية والكنسية
إن الذين سمعوا كثيرًا عن الوداعة، ربما يظنون أن العقوبة تتنافى مع الوداعة، أو يظنونها تتعارض مع مبادئ التسامح، أو تتعارض مع الرحمة والشفقة.
ونود أن نشرح في هذا المقال وما يليه، تقييم العقوبة من الناحية الروحية، وكيف أنها تكون واجبة ولازمة أحيانًا، وكيف أن الله نفسه مارس العقوبة، حتى مع قديسيه، ومارسها أيضًا الرسل والقديسون.
الله الرحوم كان يعاقب.
مهما كان الإنسان حنونًا أو عطوفًا أو رحومًا، فلن يكون في حنانه أو عطفه أو رحمته مثل الله… ومع ذلك فإن الله كلي الرحمة كان يعاقب أحيانًا…
منذ بدء الخليقة، والله يمارس العقوبة: عاقب آدم وحواء وقايين واعتمد عقوبة كنعان.
وبلغ من شدة العقوبة أن أغرق الله العالم بالطوفان، وحرق مدينة سادوم وعمورة. وحول امرأة لوط إلى لوح ملح، وجعل الأرض تفتح فاها لتبتلع قورح وداثان وأبيرام.. وأرسل ملاكًا فضرب كل أبكار مصر في ليلة واحدة.
بل أن أول ملاك سمعنا في الكتاب المقدس كله، كان ملاك عقوبة، واحد من الكاروبيم وقف بلهيب سيف متقلب يحرس الطريق إلى شجرة الحياة (تك3: 24).
أننا نسمع كثيرًا عن ملائكة الرحمة، ولكن ما أكثر ملائكة العقوبة الذين ورد ذكرهم في الكتاب: يكفي أن نقول إن الملاكين اللذين أنقذا لوطًا وأسرته من سدوم، هما بذاتهما اللذان ضربَّا أهل سدوم بالعمى.
ملاك آخر ضرب من جيش سنحارب 180 ألفا فماتوا… وأكثر ما ورد عن ملائكة العقوبة، أولئك الملائكة أصحاب الأبواق الذين تحدث عنهم سفر الرؤيا، فأصابوا الأرض بويلات خطيرة ومهالك مرعبة حين بوقوا. فلما انتهى الأربعة الأول من أبواقهم، يقول يوحنا الرائي “ثُمَّ نَظَرْتُ وَسَمِعْتُ مَلاَكًا طَائِرًا فِي وَسَطِ السَّمَاءِ قَائِلاً بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: وَيْلٌ! وَيْلٌ! وَيْلٌ لِلسَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ مِنْ أَجْلِ بَقِيَّةِ أَصْوَاتِ أَبْوَاقِ الثَّلاَثَةِ الْمَلاَئِكَةِ الْمُزْمِعِينَ أَنْ يُبَوِّقُوا!” (رؤ8: 13).
ولا يظن أحد أن عقوبات الله قاصرة على العهد القديم، بينما العهد الجديدهو عهد النعمة، أي بلا عقوبة!!
كلا، فالله هو هو، أمس واليوم وإلى الأبد، ليس عنده تغيير ولا ظل دوران…
إن المسيح الوديع المتواضع، هو نفسه الذي قال ” لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ” (متى 23). وهو الذي تحدث عن “البكاء وصرير الأسنان”. وهو الذي عندما استحى بطرس واعتفى من غسل رجليه قال له “إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ” (يو13: 8)، أي إنه يحرم بطرس الرسول من الملكوت بسبب ذنب يبدو بسيطًا كهذا!
بنفس الأسلوب قال السيد المسيح “وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ.” (مت5: 22) … وأمر أن الغصن الذي لا يصنع ثمرًا يقطع ويلقى في النار (يو 15) … المسيح الحنون الطيب الذي في طيبة قلبه ترك إحدى الأشجار سنة ريثما تصنع ثمرًا، هو نفسه الذي- في العهد الجديد- لعن شجرة التين غير المثمرة. وقال للكهنة المخطئين “إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ” (مت21: 43).
في العهد الجديد، عهد النعمة، حكم الرب على حنانيا وسفيرة بالموت، من فم عبده بطرس الرسول، ولم يترك لهما فرصة أخرى للتوبة.
وفي العهد الجديد أعطى الرب الأمر بالعقوبة حيثما قال لتلاميذه القديسين “اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاءِ” (مت18: 18). وقال لهم أيضًا “مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ” (يو20: 23). وفي ذلك تقول الدسقولية للأسقف.
“كما أعطيت سلطانًا أن تحل، كذلك أعطيت سلطانًا أن تربط”. في بعض الأوقات لا يكون فقط من حق الأسقف أن يربط، بل يكون من واجبه أن يفعل ذلك… إن عالي الكاهن عوقب من الله، لأنه لم يعاقب أولاده كما ينبغي.
وبولس الرسول يأمر الأسقف قائلًا “وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ” (2تي4: 2). بل يقول عن الذين أخطأوا خطايا علنية “وَبِّخْهُمْ أَمَامَ الْجَمِيعِ، لِكَيْ يَكُونَ عِنْدَ الْبَاقِينَ خَوْفٌ” (1تي5: 20).
وموسى النبي الذي “كَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ” (عد12: 3) حينما أخطأ الشعب وعبد العجل، غضب جدًا، وألقى لوحي الشريعة فكسرهما، وحطم التمثال، وذرى ترابه، وانتهر رئيس الكهنة انتهارًا شديدًا، وأمر بالقتل حتى قتل في ذلك اليوم ثلاث آلاف (خر 32).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة – العدد الاول 3 – 1- 1975م




