السيد المسيح يدعو إلى الكمال

السيد المسيح يدعو إلى الكمال[1]
السيد المسيح له المجد كان يعلّم باستمرار، في كل مكان وفي كل وقت. وكانوا يدعونه “يا معلم” أو “أيها المعلم الصالح”. وهو كمثالي في كل شيء، كان يدعو إلى المثاليات. وفي مقدمة ذلك كان يدعو إلى الكمال، إذ يقول: “فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ” (مت5: 48).
*وطبعًا الكمال الذي يدعو إليه السيد المسيح هو الكمال النسبي، لأن الكمال المطلق هو لله وحده لا غير..
والكمال النسبي نسميه كذلك، نسبة إلى ما عند الإنسان من مقدرة وإمكانيات، ونسبة لما يمنحه الله من معونة ومن قوة للسير في الطريق الروحي، وما يعطيه أيضًا من نعمة تساعده، وتقويه. وكذلك نسبة إلى مدى تجاوب الإنسان مع عمل الله فيه، ومع عمل الله معه.
*وحياة الكمال الروح تمثل علاقة الإنسان بالله – تبارك اسمه – وعلاقته بالناس، وعلاقته بنفسه أو بذاته.
أما عن علاقة الإنسان بالله، فقد لخصها بقوله: “تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ” (مت22: 37) وعبارة: “مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ”. تعني أنه لا يكون في قلبك أي منافس لله. فلا تحب شيئًا ولا شخصًا ضد محبتك لله، ولا أزيد من محبتك لله. وفي ذلك يقول السيد الرب: “مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي” (مت10: 37).
*ومحبتنا لله تعني أن نطيعه في كل شيء. فهو يقول: “من يحبني، يحفظ وصاياي”. وإن حدث وكسرنا إحدى وصاياه، فعلينا بالتوبة سريعًا فالتوبة هي شرط لازم لمغفرة الله لنا. فهو يقول: “إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ” (لو13: 3، 5).
ولكي ننال مغفرة الله لنا، علينا أن نغفر أيضًا لمن أذنب إلينا. ونحن نقول في صلواتنا اليومية باستمرار: “أغفر لنا ذنوبنا، كما نغفر نحن أيضًا لمن أذنب إلينا”. وعلمنا السيد المسيح قائلًا: “إِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَّلاَتِكُمْ” (مت6: 15).
*وفي محبتنا لله علينا أن نطلب في كل حين ملكوته. والسيد المسيح قد تحدث كثيرًا عن ملكوت الله، وملكوت السموات. وعلمنا في صلواتنا اليومية – التي نرددها مرات عديدة كل يوم – أن نقول لله باستمرار: “لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ” (مت6: 10). وهذه الطلبة تعني العديد من المعاني: منها أن يأتي ملكوتك علينا، على قلوبنا وأفكارنا ومشاعرنا وحواسنا. فتملك أنت يا رب كل ما فينا. وتملك إرادتنا ونكون كلنا لك، نفعل في كل حين ما يرضيك حسبما نقول هذه الطلبة دومًا في صلاة باكر.
وكلمة “ليأت ملكوتك تعني أيضًا أن يملك الله على العالم وما فيه. فلا يملك الشيطان وينشر الفساد واللهو والحروب والكروب والعداوات. بل هو الذي يملك، فينشر في العالم السلام والمحبة والرخاء. وكلمة “لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ” تعني أن يملك الله على سائر الناس. ويقودهم إلى حياة البر والفضلية.
* ومن كمال محبتنا لله الصلاة الحقيقية، التي ليست من الشفتين، بل من القلب. فإن الله وبخ الشعب قديمًا قائلًا: “هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا” (مر7: 6). لذلك ليس كل من يقول “لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مت7: 21).
وفي كمال الصلاة، قال السيد المسيح: “صلوا كل حين ولا تملوا” (لو18: 1)، “صلوا بلا انقطاع”. ومعنى ذلك أنه لا يقتصر الإنسان على صلوات معينة، ويكتفي بذلك! بل في كل حين يمكنه أن يرفع قلبه لله ويصلي..
*ومن كمال محبتنا لله، أن نؤمن به، ونؤمن بعنايته بنا، واهتمامه بكل أمورنا. فقال السيد المسيح له المجد: “لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ…. اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟ …. وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ.. وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا”.. “لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ” (مت6: 25- 33).
*أما الكلام المطلوب من الإنسان. فيقول السيد المسيح: “طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ” (مت5: 8)، “طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ” (مت5: 9). والقلب النقي لا يوجد فيه شر أبدًا، بل لا توجد فيه سوى محبة الله، ومحبة الناس جميعهم. والقلب النقي لا تخرج من فمه كلمة خاطئة. وفي ذلك يقول السيد المسيح: “اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّلاَحَ، وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشَّرَّور” (لو6: 45).
إذًا فالكلمة الشريرة، كلمة الإهانة والشتيمة، أو كلمة القسوة، أو كلمة التحقير، وما إلى ذلك.. كل هذه مصدرها القلب، فهي خطية مزدوجة: خطية قلب ثم خطية لسان..
والسيد المسيح يحذر من خطايا اللسان، فيقول: “بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ” (مت12: 37). ويقول أيضًا: “كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّينِ” (مت12: 36)، وعبارة “كلمة بطالة” لا تعني فقط الكلمة الشريرة، بل تعني أيضًا كل كلمة ليست للبنيان، أي لا تنفع بشيء.
*أما قول السيد المسيح: “طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ” (مت5: 9). فتعني أن يكون بيننا وبين الآخرين سلام. وأيضًا أن نصنع سلامًا بين الآخرين بعضهم بعضًا. وأتذكر أنني كلما كنت أزور بيتًا من بيوت أبنائنا في الغرب، كانت أول كلمة لي، وأنا أخطو أول خطوة، هي: قال ربنا يسوع المسيح: “وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلاً: سَلاَمٌ لِهذَا الْبَيْتِ” (لو10: 5).
ولكي نصل إلى كما السلام مع الناس، وضع لنا السيد المسيح قاعدتين: أولهما الاحتمال والتسامح، والثانية هي المغفرة للمسيئين. وفي ذلك قال لنا: “سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ” (مت5: 38- 41).
*ولعل من أكمل الوصايا التي قدمها السيد المسيح من جهة التعامل مع الأعداء أو المسيئين، هي قوله: “أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، …. لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا؟” (مت5: 44، 46).
إن المسيحية تعتبر أن عدونا الحقيقي هو الشيطان أما الأعداء من البشر، فهم ضحايا للشيطان يحتاجون أن نصلي من أجلهم، ونحتملهم ونغفر لهم..
* ومن كمال الوصايا التي وضعها السيد المسيح في التعامل مع البشر، هي وصية العطاء، التي تُسمى أحيانًا بالصدقة. فقال: “مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ” (مت5: 42). وهكذا رفع الناس من مستوى دفع العشور، الذي كان في العهد القديم، واعتبره السيد المسيح مجرد الحد الأدني للعطاء. وأمر بوصية الاهتمام بالجائع والعطشان والعريان، والغريب والمسجون. وقال: “بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ” (مت25: 40).
ورفع مستوى العطاء إلى الكمال في قوله: “لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ” (يو15: 13).
*ومن أجل تعاليم السيد المسيح في العلاقات مع الناس. هي قوله: “كَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ هكَذَا” (لو6: 31). وقوله أيضًا: “بِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ” (مت7: 2). فهذا هو الوضع الأصيل والكامل في التعامل: أن نعمل مع الناس ما نشتهي أن يعملوه معنا..
*ومن كمال ما يريده السيد المسيح في علاقاتنا مع الأمور العالمية والمادية، هي قوله: “مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟” (مت16: 26).
إن العالم كله. لا شيء بالنسبة إلى مصيرنا في الأبدية.
ختامًا أهنئكم بهذا العيد، راجيًا لكم فيه حياة روحية سعيدة، وراجيًا لبلادنا الخير والرخاء والسلام. وراجيًا أن يوفق الله السيد الرئيس مبارك في كل اتصالاته وأسفاره، وتعبه من أجل مصر ومن أجل قضية السلام عامة.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “السيد المسيح يدعو إلى الكمال”، مجلة الكرازة 22 يناير 2010م.


