الروح الوديع الهادئ

الروح الوديع الهادئ
بمناسبة احتفالنا بعيد حلول الروح القدس، نود أن نتكلم قليلاً عن الروح القدس. وأحب أن أبدأ بعبارة: “الروح الوديع الهادىء”.
إن كان الرب يطلب منا هذه الصفة، فلأنها قبل كل شيء صفة من صفاته هو، وينبغي أن نكون نحن على صورته ومثاله، ويكون لنا:
الروح الــــــــــــــوديع الهادئ
نطلب من الرب الروح القدس الذي يعمل فينا بوداعة وهدوء.
الإنسان الذى يمتليء من روح الله، يمتليء أيضاً من الوداعة والهدوء. كان الروح القدس يظهر أحياناً على هيئة حمامة، لأن الحمامة تتصف بالوداعة والبساطة والهدوء…
إيليا عندما كان هارباً من إيزابيل، لم يكلمه الله في العاصفة، ولا في الزلزلة، ولا في النار… ثم إذا “بصوت منخفض خفيف” يقول له: “مالك ههنا يا إيليا؟” وكان صوت الله.
السيد المسيح، كان له هذا الروح الوديع الهادئ. فقيل عنه:
“لا يخاصم، ولا يصيح، ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ”.
وهو نفسه قال لتلاميذه: “تعلموا مني، فإني وديع ومتواضع القلب… تجدوا راحة لنفوسكم”.
وفي مقدمة التطوبيات، اهتم الرب بالتواضع والوداعة…
“طــــــــــوبى للودعاء، لأنهم يرثون الأرض”. هذه الأرض، وأيضاً أرض الأحياء…
الشخص الوديع الهادئ، يكسب محبة الناس هنا، على هذه الأرض، كما يكسب أرض الأحياء أيضاً في العالم الآخر: ومن جهة الوداعة والهدوء. يفرق الرب بين الأنهار والبحار.
البحار العنيفة الزاخرة بالأمواج والعواصف والضجيج، ترمز للعالم في ضوضائه العالم المضطرب الخالي من الهدوء.
لذلك قيل للرب: “أنت متسلط على كبرياء البحر. عند ارتفاع لججه، أنت تسكتها”(مز89: 9)
أما الأنهار، فتمثل الهدوء والعذوبة، ولذلك شبهها بالروح القدس
لهذا قال السيد المسيح: “من آمن بي، تجري من بطنه أنهار ماء حي”، “قال هذا عن الروح الذى كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه” (يو7: 38، 39). وشبه التلاميذ الممتلئين بالروح القدس بالأنهار أيضاً. فقيل في المزمور: “رفعت الأنهار يارب. رفعت الأنهار صوتها. ترفع الأنهار صوتها من صوت مياه كثيرة عجيبة هي أهوال البحر. الساكن في الأعالي هو أقدر” (مز93: 3، 4).
والمسيح في وداعته وهدوئه، شبه أيضاً بالحمل الوديع الهادي.
وقيل عنه في آلامه: “كشاة تساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازيها، هكذا لم يفتح فاه..” (أش52: 7)
الله كائن منذ الأزل، في هدوء وفي سكون، يعمل…
“أبي يعمل حتى الآن، وأنا أيضاً أعمل” العمل الوديع الهادئ، البعيد عن المظهرية وعن الضجيج… هكذا جاء المسيح إلى الأرض في هدوء، لم يشعر به أحد من سكانها، ولم تسبقه مركبات الكاروبيم.
تلميذا يوحنا، المدعوان بوانرجس، أي إبني الرعد…هذان اللذان قالا للمسيح: “أتشاء أن تنزل نار من السماء وتحرق المدينة” فوبخهما الرب…
من إبني الرعد هذين، صار يوحنا الحبيب، الذي تغيرت طبيعته إلى العكس عندما تتلمذ على المسيح الوديع الهادئ…
تعلم الحب، وتعلم الهدوء، وقال: “الله محبة. من يثبت في المحبة، يثبت في الله، والله فيه”.
لهذا كله دعانا الله أن نحل مشاكلنا “بروح الوداعة”. وقال رسوله يعقوب: “من هو حكيم وعالم بينكم، فلير أعماله بالتصرف الحسن، في وداعة الحكمة” (يع3: 13).
وقد وجدنا في الكتاب المقدس أمثلة كثيرة لصفة الوداعة والهدوء في أبناء الله:
هابيل كان وديعاً هادئاً، بعكس أخيه قايين.
ويعقوب البار الوديع، كان يختلف عن عيسو الشرير العنيف. داود في كل دعته، كان بعكس شاول الجبار الذي فارقه روح الرب…
أولاد الله لهم الروح الوديع الهادئ. والإنسان الروحاني، إنسان بطيء الغضب. لإن “غضب الإنسان لا يصنع بر الله” (يع1: 20). هو نوع من الصخب والثورة في الداخل والخارج .
أولاد الله دائماً هادئون، يتميزون بالهدوء والسلام والطيبة، وعدم الاضطراب. يحلون كل مشكلة في هدوء، وربما في صمت. يمر الشخص منهم كالنسيم الهادئ، وليس كالعاصفة المدمرة.
منذ بدء الخليقة نرى روح الله كالحمامة، “يرف على وجه المياه”… وهكذا كون الخليقة في هدوء، ورعاها في هدوء.
من جهة الضجيج: كل إنسان يستطيع أن يضج وأن يغضب وأن يثور. لكن قليلون يستطيعون أن يملكوا أنفسهم ويهدأوا.
الهدوء أصعب، لذلك فالهادئون هم الأقوياء، الذين يستطيعون أن يضبطوا أعصابهم وألسنتهم وملامحهم…
قال أحد الأدباء: عندما رمى بي الله حصاة على بحيرة الحياة. أحدثت فقاقيع على سطحها، ودوائر لاحصر لها ولكن ما أن وصلت إلى القاع، حتى صرت هادئاً.
دائماً الذين وصلوا إلى القاع، يصيرون هادئين. أما الصغار فتعجبهم الفقاقيع التي يحدثونها على سطح الحياة، السطحيون كثيرو الضوضاء.
الإنسان الهاديء، له سلام في قلبه من الداخل والسلام من ثماره الهدوء. أما الذى ليس له سلام داخلى، بالتالي ليس له هدوء. ومن ثمار الروح السلام.
في أعماق البرية، كان الآباء يعيشون في هدوء وسلام… قال القديس أثناسيوس: “من من الناس كان مضطرباً أو مر النفس، ويري وجه الأنبا أنطونيوس، إلا ويمتليء سلاماً!”.
إنه يمتص السلام الذي في قلبه، وفي ملامحه، وفي تصرفاته…
الإنسان الهاديء مهما صادمته الأحداث، يظل هادئاً…
إنه هدوء الصمود والسلام، وليس هدوء السلبية…
ولكن هناك، من يضطرب وينزعج، ويثور، ولا يهدأ في مكان. واضطراب العالم الخارجي، يفقده هدوءه الداخلي.
لذلك كان أب الإعتراف هو الواحة الهادئة التي يستريح عندها كل مضطرب تائه في بيداء الحياة.
الهادئون يستطيعون أن يملأوا الدنيا هدوءاً. أما المضطربون والثائرون فإنهم ينقلون عدوى الاضطراب إلى غيرهم ويفقدونهم سلامهم. إن أتاك واحد من هؤلاء، فلا تنجرف في تياره…
الهادئ هادئ في كل شئ، ليس فقط في مشاعره وتصرفاته، إنما أيضاً في صوته، وفي صلاته.
حنه أم صموئيل صلت صلاة قوية عميقة، ومع ذلك يقول عنها الكتاب إنها: “كانت تتكلم في قلبها، وشفتاها فقط تتحركان، وصوتها لم يسمع”…
صلاة حنة كانت في منتهي العمق، وفي منتهي الإيمان والانسحاق والاستجابة. ومع ذلك في هدوء، بلا صخب.
الروح الوديع الهادئ، يجري معجزاته أيضاً في هدوء.
في كل سر من أسرار الكنيسة، يعمل الروح القدس عملاً عميقاً هائلاً، في صمت، وفي هدوء، وفي وداعة…
أما إذا تحولت المعجزات إلى ضجيج، فإنها تكون قد فقدت طابع الروح الوديع الهادئ.
الذين حل فيهم الروح الوديع الهادئ، تصير أرواحهم أيضاً وديعة وهادئة، هى عند الله كثيرة الثمن (1بط 3: 4).
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الخامس والعشرون) 18-6-1976م


