الروح القدس المعطى

نود في هذه الليلة أن نتكلم عن الروح القدس المعطى، المنعم، الذي باستمرار يعطى ويبذل. حتى نستطيع أن نقول إن الإعطاء صفة من صفات الله.
الروح القدس المعطى
منذ البدء، ظهر حنو الروح القدس. أعطى الطبيعة وجوداً “نرسل روحنا فتخلق”. وكان الروح القدس “يرف على وجه المياه”، حتى خلق من هذا الماء كل نفس حية (تك20،2:1)
روح الله هو الذي أعطانا الحياة، اذ نفخ الرب فينا نسمة حياة، فصرنا نفوسًا حية. أعطانا الوجود، وأعطانا الحياة، وأعطانا الخلود، وأعطانا ان نكون على صورته ومثاله. وأعطانا عقلا مفكرًا. ووهبنا مواهب لا نستطيع ان نحدها.
والروح القدس سخي في عطائه. عندما أعطى نسلا لإبراهيم، جعل عطيته مثل نجوم السماء ورمل البحر في الكثرة. وكما يقول الكتاب “ليس بكيل يعطى الروح” “يعطى بسخاء ولايعير””
الروح القدس المعطى، هو الذي يعطى المواهب الروحية …
هذه المواهب تحدث عنها بولس الرسول في رسالته الأولي إلى كورنثوس. فقال “أنواع مواهب موجودة، ولكن الروح واحد … لكل واحد يعطى إظهار الروح للمنفعة. فإنه لو أحد يعطى بالروح كلام حكمة، ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد، ولآخر إيمان بالروح الواحد، ولآخر مواهب شفاء بالروح الواحد، ولآخر عمل قوات، ولآخر نبوة …” (1كو 12) كل هذه يعملها الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكل واحد بمفرده، كما يشاء.”.
الروح القدس يجول يصنع خيراً، يمنح الناس عطايا ومواهب. بل كل خير لنا هو عطية لنا من الروح “كل عطية وموهبة صالحة هي نازلة من فوق، من عند ابى الأنوار””.
كل خير فينا هو هبة من عنده. إذن لا يحق لإنسان أن يفتخر بذاته. لأنه لم يصنع شيئًا بذاته، إنما أخذ … إن افتخر أحد إذن، فليفتخر بالرب..
الروح يعطى كل شيء، حتى الكلام الذي نقوله:
بولس الرسول يقول: صلوا لأجلي “لكي أعطى كلامًا عند افتتاح فمي” والرب يقول لنا “لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم”. ونقول عن هذا الروح في قانون الإيمان إنه “الناطق في الأنبياء”.
اسأل نفسك إذن: هل كل كلمة تنطق بها، هي من الروح، أم نطقت بها بطريقة بشرية
كل فضيلة لك، هي من ثمار الروح في حياتك:
وفي هذا يقول الرسول “وأما ثمر الروح فهو محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفف”. إنه الروح القدس الذي تنسكب مواهبه على أولاد الله. الروح الذي لم يستطع الرسل أن يبدأوا الكرازة، إلا بعد أن أعطاهم قوة من عنده.
ان كان الروح القدس هو الذي يعطى، فلا شك أن هذا يجعلنا نداوم الصلاة، لكي نأخذ مواهبه وثماره..
السيد المسيح عاتب تلاميذه وقال لهم “للآن لم تطلبوا … اطلبوا … لكي يكون فرحكم كاملا “اسألوا تعطوا”.
عطايا الروح عجيبة، في وفرتها، وفي نوعيتها …
يفتح لنا قوى السماء، حتى نقول “كفانا، كفانا”.
يعطينا كيلا ملبداً مهزوزاً، يلقيه في أحضاننا عطاياه لنا ليست في حياتنا فقط، بل قبل ميلادنا..
ان مولد انسان في العالم، هو عطية من الله:
في هذا يقول المزمور “البنون ميراث من الرب”. ويقول الكتاب “ففتح الرب رحم راحيل فولدت”. وحنة (أم صموئيل) صلت إلى الرب قائلة “إن أعطيتني يا رب زرع بشر…”
ما أجمل أن يشعر الأبوان ان أولادهما عطية من الله، كما يقول النبي “ها أنا والأولاد الذين أعطانيهم الرب”.
إن كان الأولاد عطية من الله، فلنشكر الرب لأجلهم. إنك قد أعطيت من الرب لأسرتك وللكنيسة. ونحن نبارك الزواج، شاعرين أن النسل عطية من الله، وليس من صنع إنسان.
إنك مدين لله بوجودك، بميلادك، بحياتك، بعقلك، بمواهبك، كلها عطايا من الروح، لا فضل لك فيها …
حياتك الروحية – كحياتك ألجسدية – هي أيضاً عطية من الله.
الروح هو الذي يعطيك التوبة، لأنه “يبكتك على خطية”. وهو الذي يحثك على طريق البر. لا يوجد بر فينا، إلا ونكون قد أخذناه. وما دمنا أخذناه فلا نفتخر.
الروح القدس هو الذي يعطيك الميلاد الثاني في المعمودية.
إذ تولد من الماء والروح. وطوال حياتك تعيش روحيا بالنعمة المعطاة لك من الروح. كما يقول بولس الرسول “حسب النعمة المعطاة لي”
آبائونا كانوا يشعرون بعطية الروح، فلا يمجدون ذراعهم البشري، إنما يمجدون عطية الله.
ان الروح القدس هو الذي يعطى القوة، والسلطان، والمواهب، وثمار الروح. يعطى التقديس، وكل عطية صالحة.
إنه يعطى لكل إنسان الوزنات التي يتاجر بها. فلا يفتخر من أخذ خمس وزنات على من أخذ وزنتين. لأن كليهما سمع من الرب نفس الطوبى
كل شيء نأخذه من الروح، حتى الصلاة التي نصلي بها، إذا لا نعرف ما نصلي لآجله، وهو يشفع فينا بأنات لا ينطق بها.
إننا في صلاة نصف الليل نطلب الدموع والتوبة كعطية من الله، فنقول: “أعطني يا رب ينابيع دموع كثيرة، كما أعطيت في القديم للمرأة الخاطئة”. فلنطلب إذن.
ان كنا لا نأخذ، فذلك لأننا مقصرون في الطلب. ومع ذلك، فانه يعطى أحياناً دون أن نطلب، لأنه يعرف احتياجاتنا.
ولكن إن كان عدم طلبنا، سببه هو الاعتماد على الذات دون الله، فقد يتركنا الروح حتى نتأكد من فشل هذه الذات، ونلجأ إلى الروح.
إنسان يذهب لمقابلة شخص هام، فيظل يفكر” سأقول له كذا، وأرد على كذا”. وإنسان آخر يصلي في الطريق قائلا” أعطني يا رب نعمة في عيني هذا الشخص، وأعطني الكلام الذي أقوله له، …لذلك إن تم له ما يريد يشكر الرب.
ان عطايا الروح: كما تعلمنا الصلاة، تعلمنا الشكر أيضاً وشعورنا أن كل ما لدينا هو عطية من الله، يدخلنا كذلك في حياة الحب، وليس فقط في حياة الصلاة والشكر.
ما أجمل أن ندخل إلى الكنيسة، أو إلى بيوتنا، فنشعر أن كل ما فيها عطية من الله: البناء، والأثاث، والناس.
ان شعورنا بعطية الله، يدخلنا أيضاً في سلام القلب، وفي حياة الايمان وحياة الاطمئنان والثقة.
نثق أن الله الذي أعطى في القديم، هو أيضاً سيعطى الآن وفي ألمستقبل. نثق أن الإعطاء جزء من طبيعته. ولابد سيعطى. يعطى خيرات، ويعطى حلولا لكل إشكال. يعطى الصالحين والطالحين.
إذا عرفنا ان الله يعطي، ويعطى باستمرار، فلنتعلم نحن أيضاً حياة العطاء، لأن الكتاب يقول” مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ”.
هناك أشخاص، لهم موهبة العطاء. يجدون لذة في العطاء، ويسعون إليه. وإذا لم يعطوا، تتعب قلوبهم.
وهم أيضاً يعطون دون أن يطلب منهم. هم هواة الأعطاء.
انهم يبحثون ما هي احتياجات الناس، ويقدمونها لهم، دون ان يطلبوا. لهم حساسية خاصة في فهم احتياجات الآخرين.
إنسان لا يكتفي في المناسبات بمشاركة الناس في أحزانهم وفي مشاكلهم بل يساهم عملياً – وربما مادياً أيضاً في حل تلك المشاكل. بحساسيته في الخدمة يدرك ما يحتاجون اليه، ويقدم لهم العطاء – دون أن يطلبوا – في محبة وفي سر.
شخص آخر يجلس إلى المائدة، فيحس حاجة كل من يجلس معه، في الطعام والشراب والراحة، فيعطى ويقدم ويخدم، بروح اجتماعية، وبروح العطاء، كإنسان خدوم…
وليس في المسائل الشخصية فقط، بل في الكنيسية أيضاً.
يجدون الكنيسة قد قامت بمشروع، فيتقدمون بسرعة للمساهمة فيه. لا يكتفون بمجرد امتداح المشروع، أو بالتشجيع الأدبي، وإنما يعطون لنجاحه كل ما يستطيعون. تشعر أن روحهم معك، وأن قلوبهم، وأموالهم معك أيضاً.
هناك أشخاص لا يعطون الا النصائح والمقترحات، ولا يقدمون سوى الكلام. ولكن المحبة “ليست بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحق” كما قال الرسول (1يو18:3).
علي كل هؤلاء أفضل من الذين لا يعطون شيئًا، ولا مجرد التشجيع، وهم أفضل من الذين ينتقدون …
درب نفسك على العطاء. وإنما لم تستطع أن تقدم شيئاً، أو كنت من “الذين يريدون أن يقدموا وليس لهم”, فعلى الأقل قدم ابتسامة لطيفة، أو كلمة تشجيع، أو قدم مشاركة أدبية أو معنوية، أو نصيحة طيبة …
المهم ان تعطى شيئاً، أيا كان هذا الشيء …
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد السابع والعشرون) 2-7-1976م


