الرغبة في التسلط

الرغبة في التسلط[1]
كثيرون يرون أن الكهنوت لون من السلطان. فيحبون أن يتسلطوا.
والرغبة في التسلط هي فروع من الشعور بالذات. فيرى أن له مركزًا وسلطانًا وحقوقًا. ويفرض هذا الأمر على الشعب أو على الخدام، أو حتى على زميله في الخدمة!
وباستخدام السلطة تكثر أوامره ونواهيه، وتكثر قراراته وعقوباته وحروماته وتهديداته. وفي كل ذلك يفقد روح الأبوة. ويتحول إلى حاكم وإلى رجل إدارة.
وفي التسلط يطلب الكاهن الهيمنة على كل أنشطة الكنيسة.
ليس مجرد الإشراف، بل الانفراد بالسلطة فيدير هو كل شيء. ويشل حركة العاملين، فلا يقوم أحدهم بعمل أي شيء إلا بأمر أو بإذن منه. يصطدم مثلًا بخدام التربية الكنسية، أو بأعضاء مجلس الكنيسة. ويستمر الاصطدام، وتكون النتيجة:
*إما حالة انقسام تنتقل إلى الشعب أيضًا.
*وإما أن يخضعهم لرأيه، وافقوا أو لم يوافقوا.
*وإما أن يسأم بعضهم هذا الصراع، ويتركوا الخدمة حرصًا على سلامة قلوبهم. فيخلو الجو له ليباشر سلطته.
*وإما أن يعزل الخدام (غير الخاضعين له) ولا يبقي سوى الطائعين، ويعيّن خدامًا آخرين يسيّرهم بالريموت كنترول..!
أما إذا كانت نتيجة السلطة اصطدامه مع زميله في الكهنوت.
فإن الأمر يتحول إلى عثرة خطيرة بين الشعب. فينقسم البعض مع بولس، والآخر مع أبولس (1كو3). ويكون ذلك إن انفرد أحدهما بالسلطة، وصار يفعل ما يشاء دون استشارة زميله، ويكون له مجموعة تؤيده وتنفذ له ما يريد. ويشكو الآخر إلى الشعب، وتتسع دائرة الانقسام. وتتحول إلى خصومة…
وتنتقل الخصومة إلى البيوت من خلال الافتقاد والزيارات!
ويحكي أنه يريد أن يعمل، وزميله واقف ضده. ويحتار الشعب مَنْ مِنَ الأبوين هو الظالم ومن المظلوم. وبدلًا من أن يكون الكهنة هم الذين يحلون مشاكل الشعب، يتطوع الشعب لحل مشاكل الكهنة! ويكثر الجدل والضجيج والتحزب.
ونتيجة التسلط قد يتحول الكاهن إلى العناد وتصلب الرأي.
وبخاصة إذا كان له اتجاه معين في الخدمة، ولم يوافق عليه البعض، وناقشوه فيه. ولم يقبل النقاش، وأصرّ على رأيه. ثم بدأ يهاجم كل هؤلاء. كيف يعارضون (أبونا)؟! كيف يقفون ضد الكهنوت؟! كيف يقفون ضد الكنيسة؟! وهم لم يقفوا ضد الكهنوت ولا ضد الكنيسة. لكن لهم فكرهم يعرضونه. وقد يكون هو الفكر الأصح! ولكن الأب الكاهن يتشبث برأيه. ولا يتنازل عنه ولا عن جزء منه، شاعرًا أن ذلك ضد كرامته!
الكاهن المتسلط لا يحترم عقليات الآخرين ولا يحترم إراداتهم.
بل لا يفترض لهم وجودًا سوى منفذين لما يطلبه منهم. وما أسهل أن يستخدم عبارة “على أبناء الطاعة تحل البركة” والطاعة في مفهومه تعني أنهم لا يفكرون ولا يبادلونه الرأي.
إن الكاهن له أن يرشد، وليس له أن يتسلط.
وفي إرشاده يدلي بنصيحته، ويعمل على إقناع الغير بها. وفي الإقناع يقبل الرأي الآخر بصدر واسع. وإن كان سليمًا، يقبله. ولا يرغم الناس على قبول أمر، هم غير مقتنعين به…
وإلا فإنه سيرغم الناس على الابتعاد عنه.
فينفرون من الكنيسة. ويأخذون موقفًا سلبيًا. إذ يحضرون لمجرد الاشتراك في الصلاة فقط. دون الاشتراك في أي عمل يفقدون فيه فكرهم وإراداتهم. وبهذا يفقد الكاهن العقول النيرة، ولا يحيط نفسه إلا بالطائعين أو المتملقين…
وهنا يفقد الكاهن وضعه كأب، ويصير مجرد رئيس عنيف.
يستبدل الأبوة بالسلطة. والله لم يمنع الآباء من أن تكون لهم سلطة. ولكنه إلى جوار عبارة “أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ” (أف6: 1)، قال أيضًا: “أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا اوْلاَدَكُمْ لِئَلاَّ يَفْشَلُوا” (كو3: 21). وعبارة “أطيعوا في الرب” تعني في ما يوافق مشيئة الله الصالحة، وليس مجرد مشيئة الكاهن.
أحيانًا إذا لم يستطيع الكاهن أن يصل إلى الإقناع، فإنه يصل إلى العنف والنرفزة لكي ينفذ سلطته.
وهكذا يضيف إلى خطأ التسلط أخطاء أخرى كثيرة. وربما يشتمل العنف على مجموعة من النقائص، لا تتفق مع ما ينتظره الناس من مثالية تليق بالكهنوت…
إن الله لم يمنح رجال الكهنوت سلطة يتعالون بها على الناس. إنما السلطة مجرد أداة للقيام بالمسئولية، تُستخدم بضوابط روحية، بحيث لا تصير أداة للكرامة والرفعة.
إن السلطة هي ضغط من الخارج. أما الإقناع فيسبب استجابة من الداخل. ولذلك فهو أكثر صلاحية من السلطة.
الكاهن الذي يقنعك، فتطيعه بقلب مستريح، يقودك إلى احترامه واحترام أسلوبه الرعوي. أما الذي يجبرك – بالسلطة – على طاعته. فقد تطيعه وأنت متذمر في داخلك. شاعرًا أنك مغلوب على أمرك…!
أتذكر أنه في التعهد الذي وضعناه للأسقف والكاهن، قلنا فيه: “ولا آمرهم فوق ما تستطيعون”.
الكاهن المتسلط يحب أن يكون الأول في السلطة. وأسوأ من ذلك من يرى أن يكون هو الوحيد.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: صفحة الرعاية – الرغبة في التسلط، بمجلة الكرازة 11/ 8 /2000



