الرئاسة.. والأبوة

الرئاسة.. والأبوة[1]
نتابع تأملاتنا في صفات الراعي الصالح، موضوعًا هامًا عن:
الرئاسة.. والأبوة
أن الأسقف ولا شك أب للشعب، وهو أيضًا سيد، له الأبوة، وله الرئاسة والسلطة، ولكن أن الصفتين هي الغالبة عليه.؟
لكي نجيب على هذا السؤال حسنا، علينا أن نتظر إلى الله نفسه وإلى رسله ونبيائه.
الله الآب، أبونا
أن الله هو سيد الخليقة كلها. كلها صنعة يديه، وكلها خاضعة لسلطانه. وكثيرًا ما نسمى الله وندعوه ربًا. ولكن الله يفضل أن يكون أبًا. وعندما علمنا مخلصنا الصالح الصلاة الربية، لم يطلب إلينا أن نوجهها إلى سيدنا الخالق الحاكم، وإنما أمرنا أن نقول “أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ”.
ليس هذا شيئًا جديدًا من تعاليم العهد الجديد، وإنما هو أمر واضح منذ البدء فيه الله يدعو خليقته أبناء ويدعو نفسه أبًا حتى للخطاة منهم. وهكذا بقول في المزمور: “هُوَ يَدْعُونِي: أَبِي أَنْتَ، إِلهِي وَصَخْرَةُ خَلاَصِي” (مز 89: 26). “أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ” (مز 82: 6)، “لأَنِّي صِرْتُ لإِسْرَائِيلَ أَبًا، وَأَفْرَايِمُ هُوَ بِكْرِي” (أر 31: 9).
وقد أدرك الأنبياء هذه الحقيقة. وهكذا قيل في سفر إشعياء النبي: “فَإِنَّكَ أَنْتَ أَبُونَا وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْنَا إِبْرَاهِيمُ، وَإِنْ لَمْ يَدْرِنَا إِسْرَائِيلُ. أَنْتَ يَا رَبُّ أَبُونَا، وَلِيُّنَا مُنْذُ الأَبَدِ اسْمُكَ” (أش 63: 16). “وَالآنَ يَا رَبُّ أَنْتَ أَبُونَا. نَحْنُ الطِّينُ وَأَنْتَ جَابِلُنَا” (أش 64: 8). حتى في حالة الخطية لم ينزع الرب أبوته للبشر، فعندما سقط أولاد شيث المختارين من الله في الزني مع الأشرار، قال الكتاب رأى أولاد الله بنات الناس أنهن حسنات.. (تك 6: 2). والرب نفسه يشكو من خطية البشر فيقول في سفر إرمياء النبي (10: 2) “بني خرجوا عني”، وينصحهم بقوله: “اِرْجِعُوا أَيُّهَا الْبَنُونَ الْعُصَاةُ، يَقُولُ الرَّبُّ” (أر3: 14). ويقول الرب في سفر إشعياء “رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ، أَمَّا هُمْ فَعَصَوْا عَلَيَّ” (أش 1: 2). والابن الضال لم ينزع عنه الآب صفة البنوة فقال: “ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ” (لو 15: 24).
وهذا الأمر يتغنى به الرسل أيضًا في العهد الجديد. فيقول بولس الرسول: ” وَاللهُ نَفْسُهُ أَبُونَا” (1تس 3: 11). ويقول السيد المسيح: “لا تخف، أيها القطيع الصغير لأن أباكم قد سر أن يعطيكم الملكوت” (لو 12: 32).
السيد المسيح، أبونا
دعاه إشعياء النبي “… إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ” (أش 9: 6). وربنا يسوع المسيح كان يستخدم هذا اللقب أيضًا: قال للمفلوج ثق يا بني مغفورة لك خطاياك (مت 9: 2). وقال للتلاميذ: “يَا بَنِيَّ، مَا أَعْسَرَ دُخُولَ الْمُتَّكِلِينَ عَلَى الأَمْوَالِ” (مر 10: 24). وقال للكنعانية: ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب (مت 15:26).
الأنبياء والرسل، هم آباؤنا
إليشع صرخ وهو يرى إيليا صاعدًا إلى السماء “يَا أَبِي، يَا أَبِي، مَرْكَبَةَ إِسْرَائِيلَ وَفُرْسَانَهَا” (2مل 2: 12). وبنفس هذا التعبير تكلم يوآش الملك مع أليشع النبي (2 مل13: 14). وبولس الرسول يكلم شعب كورنثوس قائلًا: “أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (1كو 4: 15). ويرسل إلى تيموثيئوس فيسميه في رسالته الأولى (1: 2). “الابْنِ الصَّرِيحِ فِي الإِيمَانِ”، ويدعوه في الرسالة الثانية (1: 2) “الابن الحبيب”، ويقول له: “فَتَقَوَّ أَنْتَ يَا ابْنِي بِالنِّعْمَةِ” (2تي 2: 1)، ويرسل إلى تلميذة تيطس فيدعوه “الابْنِ الصَّرِيحِ” (تي 1: 4). وعندما أرسل إلى فليمون من أهل أنسيموس قال له “أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ، الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي، فَاقْبَلْهُ، الَّذِي هُوَ أَحْشَائِي” (فل 1: 10-12).
ويوحنا الحبيب يكتب إلى المؤمنين فيقول لهم “يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا” (1يو 2: 1).
الأساقفة آباء
أن كان الله ورسله وأنبياؤه قد اختاروا لأنفسهم لقب الأبوة أكثر من السيادة، فبالأولى الأسقف وكيل الله وخليفة رسله. تقول عنه الدسقولية: أنه “أبوكم بعد الله” (ب 6).
أن الأبوة تحمل معنى الحنو والشفقة والمحبة، وهذه هي الدعامة الأولى في علاقة الأسقف بأولاده. أن داود عندما دعا الله أبًا، تذكر له هذه الصفة فقال: “كما يترأف الأب على البنين، يترأف الرب على خائفيه” (مز 103). وعند ذكر بولس الرسول أبوته لأنسيموس، قال: “الذي هو أحشائي”.
أن الكنيسة المقدسة تحب هذا اللقب، فعندما تذكر القديسين في المجمع تقول: “آباؤنا القديسون”، “أبونا فلان، وأبونا فلان”. وفي أواشي تقول: “آباؤنا رؤساء الأساقفة وآباؤنا الأساقفة”. ومن اعتزازها بهذا اللقب، تُسمي رئيس الأحبار “البابا”. وتطلق على الأسقف لقب (أنبا) أي “أب”.
الأبوة أعمق وأكثر تأثيرًا من السلطة
مع اعترافنا بأن الأسقف سيد ورئيس وملك وراع، كما تدعوه الدسقولية إلا أننا عندما نقول “أبونا الأسقف” و”أبونا المطران” و”أبونا البطريرك” إنما يتملكنا إحساس قوي بعاطفة أعمق بكثير من رسميات الرئاسة والسلطة. يكفي أن الله ذاته نناديه قائلين “أبانا”، دون أي انقاص من سلطته علينا.
وأنت يا أبي الأسقف، عندما تنسى أنك رئيس وسيد، وتذكر فقط أنك أب تجمع أولادك في حضنك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، حينئذ ستعيش في جو جميل من المحبة، تربطك بأولادك العاطفة أكثر من القانون، والمحبة أكثر من الخضوع.
الله نفسه أراد أن يرفع الناس من عبودية الناموس، إلى حرية المحبة التي تطرح الخوف إلى خارج.
لك يا أبي سلطان، ومن حقك أن تأمر فتطاع، ولكن حسن أن ننسى سلطانك، وأن يطيعك الكل حبًا فيك لا خوفًا منك، وطلبًا لبركاتك ورضاك لا اتقاء لعقوباتك وسلطة كهنوتك.
قد يخضع البعض لأمرك وينفذه، وفي داخله تذمر قد يصعد أحيانًا إلى فمه. أما بالحب فتكسب نوعًا آخر من الخضوع، هو خضوع الثقة ورضا القلب.
بالأبوة يفتح لك الناس قلوبهم، ويناقشونك في صراحة، أما مجرد السلطان فيجعلهم ينفرون، لا تجعلم ينظرون إليك كسيد مهاب وإنما كأب محبوب. ولنسمع قول الكتاب:
“إِنْ صِرْتَ الْيَوْمَ عَبْدًا لِهذَا الشَّعْبِ وَخَدَمْتَهُمْ وَأَجَبْتَهُمْ وَكَلَّمْتَهُمْ كَلاَمًا حَسَنًا، يَكُونُونَ لَكَ عَبِيدًا كُلَّ الأَيَّامِ” (1مل 12: 7).
هذا الموضوع طويل، هو عماد الرعاية كلها. نكمله في الأعداد القادمة أن أحبت نعمة الرب وعشنا.
[1] مقالة لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم: الرئاسة.. والأبوة بمجلة الكرازة: مايو 1966




