الذين ليس لهم أحد يذكرهم

الذين ليس لهم أحد يذكرهم[1]
1- في صلاة تحليل نصف الليل للآباء الكهنة، طلبة عميقة هي: “أذكر يا رب العاجزين والمنقطعين، والذين ليس لهم أحد يذكرهم”. وأريد اليوم أن أحدثكم عن هؤلاء الذين ليس لهم أحد يذكرهم.
ولعلني معهم أيضًا أذكر مريض بيت حسدا الذي قضى في مرضه 38 سنة. وقال للسيد المسيح عن حالته: “لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ يُلْقِينِي فِي الْبِرْكَةِ” (يو5: 7).
إنها خدمة جميلة، أن نخدم تلك النفوس المسكينة التي لا تجد من يهتم بها ومن يفتقدها.
2- هناك أحياء مزدحمة بالكنائس، وبها آباء كهنة نشطاء روحيون، يفتقدون كل بيت وكل أسرة. إنها أحياء مخدومة.
ولكن الخدمة تحلو في الأماكن غير المخدومة
الأماكن التي لا توجد فيها كنائس، ولا خدمة كهنوتية، وليس من يرعى أو يفتقد، ولم تصل إليها كلمة المسيح، أو وصلت بطريقة ضعيفة لا تقنع ولا تؤثر، والشعب غير مخدوم!
يجب أن نسأل عن هؤلاء، الذين قال عنهم السيد الرب: “لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى” (مت9: 12)، “لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ” (مر2: 17). حقًا قد جاء الرب “يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ” (لو19: 10)، جاء لهؤلاء الذين ليس لهم أحد يذكرهم.
3- إذن نضع أمامنا أولًا القرى والأحياء المحتاجة. وأيضًا الأحياء غير المخدومة، حتى لو كانت فيها كنائس وكهنوت.
ربما العدد أكبر من قدرة الأب الكاهن. ربما الأب الكاهن كبير في السن، أو مريض، أو مشغول، والشعب غير مخدوم.
إن الأحياء الغنية الراقية، والكنائس الكبيرة المشهورة، تستهوي كثيرين، أكثر مما تستهويهم الحواري والأزقة والقرى، التي ليس لها أحد يذكرها، وهي أحوج…
4- ما أجمل أن يخصص أحد الخدام نفسه لكي يذهب إلى الشوارع، ويجمع الأطفال الفقراء، وأولاد الصناع والعمال والكناسين والزبالين والذين لا عمل لهم، ويوصل إليهم كلمة الخلاص التي يوصلها إلى أولاد الأغنياء.
5- ما أجمل ما فعله أخوتنا الذين كرسوا جهودهم لخدمة حي الزبالين بالمقطم، وخدمة حي الزبالين بالمطرية، وخدمة الأحياء الشعبية الأخرى. وأصبح لكل هؤلاء اجتماعاتهم الروحية، وتراتيلهم، وقداساتهم، مع العناية بهم في حياتهم الخاصة وحل مشاكلهم…
6- سررت جدًا لما قال لي أحد الآباء الكهنة: “فكرت أنه يجب أن أقيم قداسًا كل يوم اثنين من كل أسبوع” فسألته عن السبب، فقال: “من أجل الحلاقين، وعطلتهم يوم الاثنين. وكذلك بعض وظائف أخرى تتعطل في هذا اليوم.
7- فرحت أيضًا بخادم آخر، سمع عن مدينة سكنية جديدة قد بنيت، فقال: المسيحيون الذين في هذه المدينة الجديدة، ولا يتبعون إلى أية كنيسة، ولا إلى أي كاهن، فهل نتركهم بلا رعاية، ليس لهم أحد يذكرهم، أم يجب أن نرسل لهم خادمًا روحيًا يتعرف عليهم ويخدمهم…
إذن نلخص ما سبق في: القرى، المدن والمساكن الجديدة، الأماكن البعيدة، الأحياء الفقيرة، الأحياء غير المخدومة، الفقراء، العمال، الصناع، الحرف المنسية، هؤلاء الذين ليس لهم أحد يذكرهم.
8- مجموعة أخرى منسية، هي الشباب المنحرف الضائع:
إننا نهتم بالشباب الذي يأتي إلينا في الكنيسة، في اجتماعات الشبان، أو مدارس التربية الكنسية، أو الأسرات… ولكن يندر أن تكون لنا خدمة للشباب الذي يضيع وقته في المقاهي أو السينمات، أو دور اللهو. أو الذي يتسكع في الطرقات، والذي يدل شكله أو ملبسه أو حديثه، على أنه بعيد تمامًا عن الكنيسة…
هؤلاء هم أيضًا أولاد لله، ويحتاجون إلى رعاية أكثر ممن يدخلون الكنيسة. وهم أيضًا ليس لهم أحد يذكرهم.
9- إن الأسقف حينما يرسم على مدينة، يرسم من أجلها كلها، وليس فقط من أجل الصالحين فيها، المترددين على الكنيسة.
“يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ” (لو19: 10) كما فعل سيده.
وتحت عنوان “ما قد هلك” تدخل فئات كثيرة جدًا من الذين ليس لهم أحد يذكرهم. طلبة شطبهم خدام التربية الكنسية من قوائمهم لكثرة غيابهم. وعائلات اعتبرها الآباء الكهنة أنها ليست من أولاد الكنيسة بسبب سلوكها. وألوان عديدة من المنحرفين الذين يفضل كل الخدام البعد عنهم، خوفًا، أو حرصًا، أو عجزًا، أو يأسًا! وليس لهم أحد يذكرهم.
10- ما أخطر أن يوجد إنسان، تيأس منه الكنيسة أو تنساه! أو تتجاهله، أو تحتقره، أو تطرده، أو تعتبره من أهل العالم!
قد توجد عائلات، في قلب القاهرة أو الإسكندرية، تمر عليها سنوات عديدة لا يزورها أحد الآباء الكهنة.
ولا تهتم الكنيسة بهؤلاء، إلى أن يهتم بهم الشيطان ويفتقدهم.
وحينئذ تبدأ الكنيسة تتعرف إلى أحدهم في قضية طلاق، أو في حادث ارتداد، كان كل سببه أن هؤلاء ليس لهم أحد يذكرهم، مع أنهم ليسوا في أحياء فقيرة أو نائية..
نحن أحيانًا لا نهتم بالحالة، إلا بعد أن تصل إلى أسوأ درجاتها. ولو ذكرناها في بادئ الأمر، ما كنا نحزن في نهايته!
11- لست أقصد بالذين ليس لهم أحد يذكرهم، المحتاجين للرعاية في مجاهل أفريقيا، أو الهنود الحمر في أمريكا، مع حاجة كل هؤلاء، إنما أقصد “الهنود الحمر” في قلب العاصمة، أو في قلب المدينة العامرة، وربما قريبًا من الكنيسة!
12- إن التخصص في خدمة (الضالين) أمر لازم في الرعاية:
لقد ترك السيد المسيح ال 99، وذهب يبحث عن الواحد الضال ولما وجده “حمله على منكبيه فرحًا” وقال: “إِنَّهُ هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ” (لو15: 7)، فهل يمكن أن يتخصص البعض لهذه الخدمة.
13- هناك نوع من الخدام كنا نسميهم “خدام الحالات الصعبة”.
يذهبون إلى الحالات التي تبدو معقدة، التي وصلت إلى أسوأ درجاتها، ومع ذلك لم يفقد الخادم الأمل منها! الحالات التي قد لا تقبل الخدام، أو قد تطردهم، أو التي لا تقبل إقناعًا، وتصل إلى وضع من الإصرار أو من العناد قد يسبب اليأس للبعض! هؤلاء تفتقدهم الكنيسة ولو في آخر رمق، آسفة لأنها تركتهم من البدء، ولم يكن لهم أحد يذكرهم.
إن الخدمة الصعبة لها أجر أكبر عند الله، لأن الخادم يتعب فيها من أجل الرب، والله لا ينسى تعب المحبة.
فرق بين أن تدعو شخصًا كيوحنا الحبيب إلى اجتماع، ولكن الصعب هو أن تدعو شخصًا كزكا العشار. دعوة يوسف الرامي لخدمة المسيح أمر سهل، لكن الصعب هو دعوة شاول الطرسوسي.
سهل أن تفتقد العائلات المتدينة. ولكن اللازم هو افتقاد العائلات المنحلة، أو تتعب في حل مشاكلها، ومصالحة المتخاصمين فيها.
إن الأجر الكبير ليس لمن يزرع الأرض الجيدة، إنما لمن يستصلح الأراضي البور والأراضي المالحة، ويحولها إلى أرض زراعية جيدة.
14- نضم أيضًا إلى هؤلاء خدمة المساجين وعائلاتهم:
المساجين يحتاجون إلى عناية خاصة، تعيد إليهم كيانهم ومعنوياتهم. وبعض الآباء الكهنة يهتمون بهم. ولكن ينبغي أن توجد خدمة منظمة لعائلات هؤلاء، حرصًا عليهم من التفكك والضياع، والانهيار ماليًا أو معنويًا، وخوفًا عليهم من الانهيار الاجتماعي أو الخلقي.
أذكر شابًا كان محكومًا عليه بالإعدام منذ حوالي 23 سنة، وزاره الأب الفاضل المتنيح القمص ميخائيل إبراهيم، واستطاع أن يقوده إلى التوبة وإلى الاعتراف وإلى الاستعداد للموت. وعاش الفترة السابقة لإعدامه في حياة طيبة مع الله والناس، ولاقى الموت بفرح، وبكى عليه ضباط وموظفو السجن….
هذا الشاب وجد قلبًا يذكره، وهو تحت حكم الإعدام، وظل هذا القلب إلى جواره، حتى انتقل والابتسامة على شفتيه!
إن المجرم الذي لا تستطيع أن تنقذ رقبته من المشنقة، قد تستطيع أن تنقذ نفسه من الجحيم.
حقًا، ما هي الخدمة التي نقدمها للمجرمين، وللمساجين؟
15- وأيضًا من الذين ليس لهم أحد يذكرهم، الفقراء.
لست أقصد من يذكرهم ماديًا، إنما أقصد من يذكرهم روحيًا.
توجد مكاتب خدمة اجتماعية كثيرة في البطريركية والمطرانيات والكنائس، تقدم معونات مادية لهؤلاء، ليجدوا رزقًا. وما أكثر ما يأتي الفقراء إلى هذه المكاتب، بأساليب من الكذب والخداع والاحتيال ليأخذوا مالًا. وقد نعطيهم وتبقى نفوسهم ضائعة! هؤلاء المحتاجون أو المحتالون، في ضياعهم الروحي، قد لا يجدون أحد يذكرهم روحيًا ويقودهم إلى التوبة، مثل من يقدمون لهم الرزق والعيش حقًا “لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ” (لو4: 4)، من يتخصص لإعطاء هؤلاء قلوبًا نقية تترك الكذب، كما أمكن إعطاؤهم المال؟
16- من الذين ليس لهم أحد يذكرهم أيضًا الملاجئ والمعوقون:
نفس الوضع، قد نقدم لهم الرعاية المادية أو الاجتماعية أو العلمية، أو نوجد لهم عملًا. ولكنهم يحتاجون إلى عمل روحي كبير لكي ينجو من العقد النفسية، ويتربون تربية روحية صالحة، يجدون فيها الحب والحنان والمعاملة الطيبة والصلة القوية بالرب…
17- أود أن أذكر أيضًا المرضى، والعناية بهم روحيًا.
غالبية اهتمامنا بالمرضى يتركز في العناية بصحتهم الجسدية. أما من الناحية الروحية، فليس أحد يذكرهم. وقد يكون إنسان في مرض خطير، وبينه وبين الموت خطوات قصيرة، ومع ذلك لا يهتم أحد بأبديته، ولا يعده لها. بل كثيرًا ما يحيطه الكل بالأكاذيب والخداع، وربما بالتسليات العالمية أيضًا، دون أي اهتمام روحي. وقد يجلس الزوار والأقارب من حوله، في أحاديث مستمرة يسلونه بها، ولا يعطونه فرصة للصلاة والتوبة.
لماذا لا يوجد خدام روحيون، متخصصون في زيارة المرضى، يعرفون كيف يتحدثون إليهم روحيًا، ونفسيًا، ويقربونهم إلى الله قبل رحيلهم؟!
كلمتكم عن الفقراء، والمرضى، والمساكين. وأود التعرض لناحية عكسية:
18– من الذين ليس لهم أحد يذكرهم، الأغنياء وأصحاب المناصب.
هؤلاء قد يستحي الخدام أو الكهنة، من أن يحدثوهم عن التوبة والتخلص من أخطائهم الروحية. ربما كل ما تطلبه منهم الكنيسة هو تبرعاتهم أو توسطهم في أمور تهم الكنيسة. أما أرواح هؤلاء وقلوبهم وأبديتهم، فليس لها أحد يذكرها…!
إنهم أيضًا يحتاجون إلى كلمة توصلهم إلى الله فيتوبون..
لهذا يشترط الكتاب في الأسقف أنه “لا يأخذ بالوجوه” أي لا يجامل هؤلاء الأغنياء والعظماء وبخاصة المتبرعين منهم.
ولا نقصد أن يستخدم البعض معهم أسلوب الشدة، كما قال المعمدان لهيرودس: “لا يحل لك” وإنما على الأقل فليستخدم معهم أسلوب التوجيه الروحي الممتزج بالاحترام والمودة، كما فعلت أبيجايل مع داود لما أراد الانتقام لنفسه وقتل نابال الكرملي، أو أسلوب الحكمة التي تكلم بها ناثان النبي مع داود أيضًا…
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “محاضرات في الخدمة – الذين ليس لهم أحد يذكرهم”، نُشر بمجلة الكرازة 13 يونية 1980م.




