الخلاص وكيف يكون؟

أحدثكم اليوم عن أهم موضوع في الحياة، وهو الخلاص: خلاصك الشخصي، خلاص نفسك في اليوم الأخير، خلاصك في الأبدية التي لا تنتهي… كيف يكون هذا الخلاص…؟
الخلاص وكيف يكون؟
خلاصك هو عمل الله، الذي جاء ليطلب ويخلص ما قد هلك.
خلاصك هو عمل الفداء العظيم. لولا خلاص نفسك، ما كان هناك لزوم للتجسد، ولا للفداء، ولا للصليب…
خلاصك أيضًا هو موضع اهتمام الملائكة وخدمتهم:
أولئك الذين يقول عنهم الكتاب: “أليسوا جميعهم أرواحًا خادمة، مرسلة للخدمة، لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب1: 14).
خلاصك هو أيضًا عمل الرسل والأنبياء والوعاظ ورجال الكهنوت:
لم يكن للرسل عمل سوى رسالة الخلاص، ينادون بها الناس وبها كان الرب في كل يوم، يضم للكنيسة الذين يخلصون. كانوا يسعون كسفراء للمسيح، كأن الله يعظ بهم، ينادون الناس أن اصطلحوا مع الله… كانت خدمتهم الجوهرية هي خدمة الكلمة. وكان هدف الكلمة هو الخلاص، الذي كان هو أيضًا رسالة الكهنة والوعاظ وكل خدام الكلمة، كما قال الكتاب: “جاعلين غاية إيمانكم، خلاص النفوس”…
بل إن خلاص نفسك، هو هدف الكتاب المقدس كله…
لولاه ما كتب الكتاب. فليس المقصود بالكتاب المقدس أن يكون كتابًا تاريخيًا أو علميًا، أو مجرد كتاب لاهوتي، إنما هو كتاب يشرح لنا طريق الخلاص، وعمل الله فيه…
خلاصك أيضًا هو عمل الكنيسة كلها، وعمل الأسرار المقدسة:
كل ما في الكنيسة من وعظ ورعاية وخدمة، هدفه خلاص نفسك. وكل سر من أسرار الكنيسة السبعة، قد وضع أيضًا من أجل خلاص نفسك، لكي تكون لك حياة أفضل، ولكي تكون لك مغفرة ثابتة في الله…
وخلاصك أيضًا هو عمل الروح القدس، وهو عمل النعمة:
هو عمل الله فيك، وهو عمل السماء كلها. لأن السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب. ومن الناحية الأخرى فإن سقوطك وضياعك يحزن روح الله الذي فيك.
إن كان الأمر هكذا، فاعمل من أجل هذا الخلاص بكل قوتك.
ضع خلاص نفسك أمامك في كل حين. واهتم به، لأن العالم كله لا يساويه. وكما قال أحد الآباء: إن لك نفسًا واحدة، إن ربحتها ربحت كل شيء، وإن خسرتها خسرت كل شيء. وقد قال الرب: ماذا يستفيد الإنسان: لو ربح العالم كله، وخسر نفسه؟!
عجيب أن ينشغل الإنسان باهتمامات كثيرة، وينسى خلالها خلاص نفسه!! لذلك قال السيد الرب لمرثا: “أنت تهتمين وتضطربين لأجل أمور كثيرة، والحاجة إلى واحد”…
ربما أنت أيضًا مثل مرثا، تهتم وتضطرب لأجل أمور كثيرة، أما الشيء الواحد اللازم لك- وهو خلاص نفسك- ربما لم يخطر على بالك!! لهذا فإن الكنيسة توجهك باستمرار لهذا الأمر، قائلة:
اصح لنفسك. فوق. فكر في أبديتك، في خلاصك، في مصيرك.
فكر كيف تكون عضوًا مقدسًا في جسد المسيح، ثابتًا فيه. فكر كيف تحيا في الله، ويحيا الله فيك، كيف تكون لك الحياة. هي المسيح، ولا تكون لك حياة أخرى غير الرب.
فكر كيف يكون لك هدف واحد ثابت تهتم به، ولا تضيع نفسك وسط اهتمامات لا تنفعك، بل قد تضيعك.
وكل ما يتعارض مع هذا الهدف الواحد- الذي هو الخلاص- ابعد عنه. واترك كل شيء يعطل خلاصك. وحاذر أن تهمل خلاصًا هذا مقداره، كما قال الرسول…
والخلاص ليس هو موضوعًا فلسفيًا، ولا مجرد موضوع لاهوتي أو كتابي، بقدر ما هو حياة عملية تحياها…
عجبًا أن هذا الخلاص الذي تريده، قد حوله الناس إلى فلسفة، وإلى جدل ومناقشات، وكتبت فيه كتب، ومعارضات، وترك الخلاص نفسه، وبقيت المناقشات…!
نحن لا نريد لك نقاشًا، إنما حياة تحياها. ولعلك تسأل:
ما هو هذا الخلاص؟
الخلاص هو أن تحتفظ على الدوام بالصورة الإلهية، التي فقدتها بالخطية، وعادت لك بالفداء بدم المسيح…
لقد تجددت بالمعمودية، وسقطت بالخطية، وتريد أن تعود بالتوبة. ولكن التوبة هي الجانب السلبي من هذا الخلاص، أي الخلاص من الخطية. أما الجانب الإيجابي، فهو حياة القداسة والنمو فيها، كابن لله، لك صورة أبيك.
مشكلة غالبية الناس، أنهم يحيون حياتهم كلها صراعًا مع الخطية، دون أن يعيشوا في الحب الإلهي، الذي هو سمة كل من نالوا الخلاص، وعاشوا فيه…
تحب الرب إلهك من كل قلبك: تحب طرقه، وصاياه، أسراره، كنيسته. تحب عشرته، والحديث معه، والثبات فيه. “الله محبة من يثبت في المحبة، يثبت في الله، والله فيه” وبغير هذا الحب لا يمكن أن يكون لك خلاص.
إن ملكوت الله، لا يدخله إلا الذين أحبوه… بل في الواقع إن ملكوت الله، هو حب الله. إن بعدت عن الحب، بعدت عن الملكوت. وإن عشت في الحب، عشت في الملكوت…
كل جهادك، وكل تعبك، وكل هدفك، هو أن تصل إلى هذا الحب الإلهي: أن تعرف الله، وتحبه، وتحيا معه، وتذوقه، وتغني مع الرسول:
“لكي أحيا لا أنا، بل المسيح الذي يحيا فيّ”.
لهذا، لا يمكن أن تصل إلى الحب الإلهي وإلى الخلاص، طالما أنت متمركز حول ذاتك، وشهواتها ورغباتها. لقد قال لنا الرب: “من يتبعني فلينكر ذاته، ويحمل صليبه”. لذلك تقف هذه الذات عقبة في طريق خلاصك وما أعمق قول الرب.
“من وجد نفسه يضيعها، ومن أضاع نفسه من أجلي يجدها”.
فهل ضيعت نفسك من أجل الرب؟ هل ضيعت أنا نيتها، وأهدافها العالمية، ومشغوليتها، وانهما كما في العالم وأموره وطموحه؟ هل ضيعت محبتها للجسد وللعالم وللشيطان؟ هل ماتت هذه النفس لكي تحيا؟ هل سارت مع الرسول الذي قال: “من أجلك نمات كل النهار” “الموت يعمل فينا”؟ هل ماتت مع المسيح لكي تحيا معه؟
ليس الخلاص هو لحظة معينة يحياها الإنسان مع الله، ويقول: “قد خلصت”، ويؤرخ لها… إنما الخلاص هو حياة تحياها، وليس لحظة تجتازها. إنه العمر كله…
تسير مع الله كل الطريق، تحيا معه وتحيا فيه. يصير الله حياتك، وليس لحظة منها. تثبت في الله، وتحيا في هذا الثبات العمر كله، كما يثبت الغصن في الشجرة على الدوام. تقول: “لي الحياة هي المسيح”.
إن الله يريد لك هذا الخلاص. ويقدر عليه ويعمل لأجله:
الله يريد خلاصك، لأنه يريد أن الجميع يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون” ولأنه “لا يشاء موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا”.
وهو يقدر أن يقدم لك الخلاص، لأنه إن لم يبن الرب البيت، فباطلًا تعب البناؤون”، ولأنه قال: “بدوني لا تقدرون أن تعملوا شيئًا”. ولكن الله يريدك أن تعمل معه لأجل هذا الخلاص. وما أعمق قول القديس أوغسطينوس: إن الله الذي خلقك بدونك. لا يشاء أن يخلصك بدونك…
الله يريد أن تتحد إرادتك بإرادته. لا يريد أن يخلصك على الرغم منك، لأنك لست مسيرًا. بل أنت تسير في طريق الخلاص بإرادتك. فمتى تتحد إرادتك مع إرادة الله؟ لقد قال الله: “كم مرة أردت… ولم تريدوا”.. إنه يقرع على الباب، فإن فتحت دخل. إنه قرع على باب عذراء النشيد، فلما رفضت، تحول وعبر…
في أمر خلاصك، لابد أن تشترك مع الله في العمل، تدخل في شركة الروح القدس، كما قال بولس الرسول عن نفسه وعن سيلا: “نحن عاملان مع الله”..
كان السيد المسيح يقول لكل مريض قبل إبرائه: “أتريد أن تبرأ؟” ليتك إذًا تريد. وحينئذ ستجد كل قوة النعمة عاملة معك. أما إن كنت لا تريد، فأطلب إلى الله أن يمنحك هذه الإرادة. وهو الذي كما قال الرسول: “العامل فيكم أن تريدوا وأن تسعوا”.
تمسك بالرب، وصارع معه حتى الفجر، ولا تتركه حتى يباركك، وحتى يمنحك قوة للخلاص، وينزع منك كل خطية. قل له: انضح عليّ بزوفاك فأخلص، واغسلني فأبيض أكثر من الثلج”.
ولكن لا تستطيع أن تنام، ويحملك الرب نائمًا إلى الملكوت مستحيل. إنها الآن ساعة لتستيقظ، إن العذراء التي لم تقم لتفتح للرب، تركها الرب، إلى أن قامت، وطافت الشوارع تبحث عنه، وتسأل عنه، بنات أورشليم، وتحتمل أن تهان من أجل اسمه، وتصلي قائلة: “أخبرني يا من تحبه نفسي أين ترعى، أين تربض عند الظهيرة”…
إن الله يريدك أن تعمل، ليس من أجل خلاصك فقط، وإنما لأجل خلاص الأخرين أيضًا. إنه يريدك أن تتعب، ويعطيك أجر تعبك، كما قال الرسول: “كل واحد سينال أجرته بحسب تعبه”…
بولس الرسول نفسه تعب لأجل الخلاص، وجاهد الجهاد الحسن، وأكمل السعي، وأخيرًا.. أخيرًا وضع له إكليل البر. وهو نفسه قال: “وأنا تعبت أكثر من جميعهم”. وقد قال لنا: “اركضوا لكي تنالوا”. وفي جهادك ثق إن الله سيقويك وستقول مع الرسول: أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني.
لقد قال الرسول: “مع المسيح صلبت. لكي أحيا لا أنا بل المسيح الذي يحيا في”. فهل أنت صلبت هذه الأنا ولم تعد تحيا كما فعل بولس. وهل تستطيع أن تقول: “مع المسيح صلبت” وأيضًا “لكي أحيا لا أنا”.
لا يمكنك أن تخلص، إلا إذا صعدت على الصليب، وتسمرت هناك. إنك لا يمكن أن تنال أفراح القيامة، إلا إذا مررت بآلام الجلجثة، تموت أولا وتقبر، لكي تقوم في المجد.
لابد أن تمر على بستان جثسيماني، وتصارع مع الرب، وينزل عرقك كحبات الدم. ولابد أن تحمل صليبك… وتهان وتشتم وتجلد لأجل المسيح، وتذوق آلام الصلب… تتألم مع المسيح، لكي تتمجد معه.. بهذا تنال الخلاص.
النعمة تريد أن تخلصك. لكن هذا هو الطريق الذي اختارته النعمة لتخلصك به حسبما يعلمنا الكتاب: أن تتعب لأجل هذا الخلاص.
اسأل نفسك: هل أنا قد صلبت حقًا، أم ما يزال يوجد شيء حي من العالم في داخلي، في فكري، في حسي، في جسدي، في رغباتي، في أهدافي؟! هل مات العالم فيّ، أم أحتاج أن أسلك طريق الموت لكي أحيا.
هذا الخلاص الذي تناله تحتاج أن تنمو فيه. لأنه قال: “تمموا خلاصكم في خوف ورعدة”..
إن كنت قد نلت الخلاص وانتهي الأمر، فما معني كلمة (تمموا)؟
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الحادي والأربعون) 14-10-1977م




