الخدمة الروحية والخادم الروحي (10)

الخدمة الروحية والخادم الروحي (10)1
صيادو الناس
لقد اختارهم الرب، وقال لهم: “لستم أنتم اخترتموني، بل أنا اخترتكم” (يو15: 16). اختارهم على الرغم من أنهم كانوا مشغولين بأمور أخرى غير الخدمة، وما كان أحد منهم يفكر في التكريس.
مر على متى، وهو في مكان الجباية، قال له: “اتبعني” (مت9: 9) ومر على شاول الطرسوسي، وهو منشغل باضطهاد الكنيسة، يجر رجالًا ونساءً إلى السجن “أع9: 2” ودعاه إلى خدمته كإناء مختار (أع9: 15). ومر على بطرس واندراوس، وكانا مشغولين بصيد السمك، وقد سهرا الليل كله ولم يصطادا شيئًا. وفيما هما مشغولان بأمور العالم وفاشلان فيها، قال لهما: “هلم ورائي فأجعلكما صيادي الناس”
(مت4: 19).
وصيد الناس معناه ربح نفوسهم إلى الله وملكوته…
إن الرب يعرف عينات النفوس الصالحة لصيد الناس، حتى لو كانت مشغولة بصيد السمك أو بمكان الجباية… يعرفهم ويدعوهم.
وكما قال الرسول: “الذين سبق فعرفهم، سبق فعينهم… وهؤلاء دعاهم أيضًا” (رو8: 29، 30). وقال لهم: “هلم ورائي”. ساروا وراءه بإيمان، وهم لا يعلمون إلى أين… ما كان للمسيح مكان إقامة، بل لم يكن له “أين يسند رأسه” (لو9: 58). بل كان يطوف المدن والقرى يكرز. ولم تكن له مالية ثابتة معروفة. ومع ذلك ساروا وراءه وقالوا له: “تركنا كل شيء وتبعناك” (مت19: 27).
قال لهم: “هلم ورائي” ليس فقط من جهة المكان، وإنما أن يتبعوه أيضًا في كل شيء. في أسلوبه ومنهجه وتعليمه “كما سلك ذاك، يسلكون هم أيضًا” (1يو2: 6)، وبهذا يجعلهم صيادي الناس.
أنت لا تستطيع أن تجعل نفسك صيادًا للناس. بل هو يجعلك.
ليس الذي يجعلك هو ما عندك من ذكاء أو خبرة ولا الناس يجعلونك، بل هو الذي يجعلك صيادًا قد تسهر الليل كله ولا تصطاد شيئًا، حتى يأتي الرب ويعلمك كيف تلقي شباكك في الأعماق، ويقول لك: “هلم ورائي” وهكذا قال للرسل: “أنا أجعلكم صيادي الناس“.
أنا الذي سوف أصيد الناس، ولكن بكم. بروحي الذي يعمل فيكم، بنعمتي المعطاة لكم (1كو15: 10).
“أنا العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا” (في2: 13).
أنا سأعلمكم الصيد وأين تلقون الشباك، أنا الذي خلق البحر والبحيرة والنهر. وأنا الذي خلق الأسماك وأعرف أين موضعها وأنا الذي سأرشدها إلى شباككم فتأتي إليكم.
وهكذا فعل الرب في قصة الصنارة والسمكة والأستار.
قال لتلميذه بطرس: “اذهب إلى البحر، وألقِ صنارة، والسمكة التي تطلع أولًا خذها ومتى فتحت فاها تجد أستارًا” ما يعادل 4 دراهم فخذه وأعطهم “الجزية” عني وعنك” (مت17: 27). وقد كان. إنه كان يعرف أين توجد السمكة، ومتى ستقترب من صنارة بطرس وكان يعرف ما يوجد في داخلها… حقًا، ما أعجب هذا الصياد…!
ونفس هذا الأمر، هو الذي يقوله للرسل عن صيد الناس.
“لقد أرسلتكم لكي تعلموا الناس، وستفتحون أفواهكم بكلمة التعليم ولكنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به لأنكم لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم” (مت10: 19، 20). هذا من جهتكم أنتم كمتكلمين. أما من جهة السامعين فنعمتي هي التي تعمل في آذانهم لتسمع الكلمة وتعمل في قلوبهم، لتتأثر وتعمل بها.
نذكر في هذا المجال قول القديس بولس الرسول لأهل أفسس: “مصلين بكل صلاة وطلبة كل وقت في الروح… لأجلي لكي يعطى لي كلام عند افتتاح فمي، لأعلم جهارًا بسر الإنجيل”
(أف6: 18، 19).
أنتم الأواني، التي تحمل روحي فيكم، وتحمل تعليمي.
وأنا المعلم، ولكني أعلم من أفواهكم وأنا الراعي ولكني أرعى الناس بكم، أنا فيكم أعمل معكم وبكم. وصدق القديس بولس حينما قال: “.. أحيا – لا أنا – بل المسيح يحيا فيَّ” (غل2: 20). هذا الذي يحيا فيه، هو الصياد الذي يصيد السمك، والمعلم الذي يعلم الناس.
وهؤلاء الرسل – حينما اختارهم الرب – لم تكن لهم موهبة كلام
ولا قوة تقدر على الخدمة، بل كما قال الرسول: “اختار الله جُهال العالم، ليخزي الحكماء. واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء..” (1كو1: 27). ومع ذلك انطبق عليهم قول المزمور: “الذين لا قول لهم ولا كلام، ولا تسمع أصواتهم، في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة بلغت أقوالهم” (مز19: 3، 4)
المهم إذن أن يعمل الله فيك، ويجعلك صيادًا للناس.
تتلمذ على حياته وعلى أقواله، كما تتلمذ الرسل، وتأخذ منه ما تعطيه للناس وتقول له نفس عبارته التي قالها للآب: “أنا اظهرت اسمك للناس الكلام الذي أعطيتني قد أعطيتهم” (يو17: 6 -8).
كيفية الصيد:
الصفة الأولى هي الحكمة. “رابح النفوس حكيم” (أم11: 30).
انظروا كيف أنه في اختيار الشمامسة السبعة، كان الشرط هو أن يكونوا “مملوئين من الروح القدس والحكمة” (أع 6: 3). وعلى الرغم من أن الذي يكون مملوءًا من الروح القدس لابد أن يكون مملوءًا من الحكمة لأنه “روح الحكمة والفهم” (أش11: 2) إلا أن الآباء الرسل شددوا على عبارة “الحكمة” لأهميتها في صيد الناس.
وهكذا نجد القديس بولس الرسول في ممارسة هذه الحكمة يقول: “صرت لليهودي كيهودي لأربح اليهود. وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس، وللذين بلا ناموس، كأني بلا ناموس… لأربح الذين بلا ناموس. صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء، صرت للكل كل شيء لأُخَلِص على كل حال قومًا” (1كو9: 20- 22).
ليكن صياد الناس حكيمًا، ولكن بحكمة إلهية نازلة من فوق.
حكمة انسان اختبر الطريق الروحي، ومشى فيه ويعرف طبائع الناس، كما يعرف الحروب الشيطانية وحيل إبليس ويعرف أن يقول الكلمة التي تناسب كل شخص، وفي الوقت المناسب.
كل شخص تقابله في الخدمة، له نفسيته الخاصة ودرجته الخاصة. له ظروف معينة وله طبيعته التي ربما لا تكون صورة منك. اتركه في طريقه. أرشده إلى الحق الخالص، وليس إلى الطريق الذي تؤمن به أنت وتختاره لنفسك؛ ربما أنت تحب الوحدة وهو يحب الخدمة والحياة في المجتمع، ربما الوحدة التي تناسبك لا تناسبه هو.
الصياد الحكيم من صفاته البارزة أيضًا: الصبر.
إنه يلقي الشبكة أو الصنارة، ويصبر وربما ينتظر طويلًا إلى أن يأتي إليه السمك. لا يمل. وهكذا أيضًا صياد الناس…
مثله مثل الزارع الذي يلقي البذار، وينتظر إلى أن تنمو وتظهر على وجه الأرض لا يمل. هكذا أنت. لا تكن ملولًا، ولا قلقًا ولا تفترض الثمر السريع في الخدمة وإلا تركتها…!
إن قدمت نصيحة ولم يعمل بها السامع، فلا تتضايق ولا تمل النصح، ولا تقل في نفسك: لا فائدة!
إن الخدمة تحتاج إلى طول أناة على الخطاة حتى يتوبوا.
وبخاصة لو كانوا يعانون من عادة مسيطرة أو طبع ثابت… لذلك أصبر على التلميذ المناكف في فصلك – وأصبر على الشاب المنحرف كما صبر الرب على القديس أوغسطينوس، حتى تاب بعد سنوات طويلة. وكما صبر على السامرية حتى آمنت، وكما صبر على شاول الطرسوسي المضطهد للكنيسة، حتى صار رسولًا تعب في الخدمة أكثر من جميع الرسل (1كو15: 10). وصبر على كبريانوس الساحر حتى ترك السحر وصار قديسًا… والأمثلة كثيرة.
الصياد الحكيم أيضًا يقدم طُعمًا يجذب به السمك.
وأنت أيضًا يجب أن تقدم في خدمتك مثل هذا الطُعم: كلمة منفعة، نصيحة عملية مفيدة، عظة مؤثرة، آية عميقة في معناها، قصة هادفة في مغزاها، معلومة تشد أذهان السامعين، ولها تأثير يقود إلى الله.
فإن لم تقدم شيئًا من هذا، قدم للناس قدوة صالحة في حياتك، تكون لهم مثالًا عمليًا عن إمكانية السير في الحياة المثالية…
كن صيادًا ناجحًا في كل مكان تحل فيه.
لا تقل أصيد فقط في النهر وليس في البحيرة، أو في البحيرة وليس في البحر… وإنما في كل مكان القِ شباكك.
أولًا في بيتك، في محيط عائلتك، لتكسب كل أقربائك للرب، ثم في محيط جيرانك وأصدقائك، وزملائك في العمل أو في الدراسة أو حتى في النادي أو الملعب. كل من يقابلك احمل إليه رسالة.
* فيلبس – فيما هو سائر في الطريق – قابل الخصي الحبشي فتكلم معه، وفَسَّرَ له ما كان يقرأه، وجذبه إلى الإيمان، وعمده في ذلك اليوم، ومضى في طريقه فرحًا (أع 8: 30- 39).
* ومارمرقس مع أنيانوس حينما كان يصلح له حذاءه، والتقط كلمة من فمه، استغلها ليحدثه عن الله، وآمن أنيانوس على يديه. وصار باكورة المؤمنين في الإسكندرية.
* وبولس الرسول – وهو سجين مع زميله سيلا – استطاع أن يجتذب سجان فيلبي إلى الإيمان وقال له: “آمن بالرب يسوع، فتخلص أنت وأهل بيتك” (أع16: 31). وعمده هو وكل الذين له.
* والقديس أثناسيوس الرسولي، فيما كان يُنفَى بواسطة اضطهادات الأريوسيين كان يتكلم بكلمة الله – وهو في المنفى – ويعلم الناس الإيمان الأرثوذُكسي السليم حتى يعود من منفاه.
* والقديسة فيرينا – فيما كانت تخدم مع الكتيبة الطيبية – أمكنها بخدمتها لنساء سويسرا، أن تجذب الكثيرات إلى الإيمان، حتى اعتبرت من أبطال الإيمان هناك، وبنيت كنائس كثيرة على اسمها.
* وهكذا الشهيد العظيم مار جرجس، حينما أرسلوه إلى قصر الملك، استطاع أن يقنع الملكة بالإيمان المسيحي، فآمنت وصارت شهيدة.
* فلتكن أنت هكذا نورًا حيثما كنت، تنير للجميع صيادًا ماهرًا تجذب إلى شبكتك كل من يقترب إليها.
الآباء الرسل كانوا صيادين مهرة، جذبوا إلى الإيمان أعدادًا وفيرة.
وفي يوم الخمسين – على أيديهم – آمن ثلاثة آلاف واعتمدوا جميعهم (أع2: 41). وبعد معجزة شفاء الأعرج عند باب الجميل، كثيرون آمنوا “وصار عدد الرجال نحو خمسة آلاف” (أع4: 4) ثم: “كان مؤمنون ينضمون إلى الرب أكثر، جماهير من رجال ونساء” (أع5: 14). وبعد سيامة الشمامسة السبعة قيل “وكانت كلمة الله تنمو، وعدد التلاميذ يتكاثر جدًا في أورشليم، وجمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان” (أع6: 7) ثم أقيمت مصائد أخرى في المدن، وقيل: “أما الكنائس في جميع اليهودية والجليل والسامرة، فكان لها سلام، وكانت تُبنَى وتسير في خوف الرب وبتعزية الروح القدس كانت تتكاثر” (أع9: 31).
وأنت، ما هو صيدك، هل تقف أمام الله فارغًا؟!
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 29-5-2005م




