الحب الإلهي وليس الممارسات

تحدثنا في المحاضرتين السابقتين عن الأسباب التي تجعل الإنسان المؤمن يترك محبته الأولى. ونضيف إلى هذه الأسباب أنه يهتم أحيانًا بالممارسات الدينية وليس بالحب الإلهي. والممارسات الخالية من الحب، تقوده إلى الفتور…
كثيرون يفهمون الدين خطأ. وإذ يفعلون هكذا، يفقدون الشعلة الأولى التي أشعلها الروح القدس في قلوبهم، يوم أن عرفوا الله معرفة سليمة. فما هو الدين إذن؟
البعض يظنون الدين لونًا من النشاط، ومن الحركة والعمل داخل الكنيسة.
فتجدونهم في الكنيسة شعلة من نشاط، يتحركون كثيرًا، ويعملون كثيرًا، ويواظبون على الخدمة، ولكن الله ليس في قلوبهم.
الدين هو الحب: هو حب الله، وحب للخير، وحب للغير.
فإن أحببت الله وأحببت الفضيلة، لا يمكن أن ترجع إلى الوراء أو تفشل.
مشكلتنا أننا ندخل إلى الدين، كنوع من التصالح مع الله، وربما التصالح الشكلي، وليس من أجل محبة الله.
بل أحيانًا ندخل إلى الدين اتقاء لغضب الله، ولعله بسبب اتقاء غضب الله، أخذت الفضيلة معنى التقوى، فيقال: فلان يتقى الله…
نفعل الخير، لكي لا يغضب الله منا، وليس حبًا للخير. الخطية توصل إلى جهنم، فلكي لا نذهب إلى جهنم نفعل الخير، وربما قلوبنا من الداخل لا تحبه… وبسبب هذا، قد نرجع إلى الوراء…
الدين نظل نسير فيه بطريقة مقلقله، تعلو وتهبط، وتروح وتجئ، ولن تستقر إلا إذا وصلت إلى الحب.
طالما أنت خارج نطاق الحب الإلهي، فأنت لم تصل بعد إلى الوضع المثالي للتدين.
البعض يظن أن الدين مجرد ممارسات روحية، كالصلاة، والصوم، وقراءة الكتاب، والذهاب إلى الكنيسة والاجتماعات، والاعتراف، والتناول ومحاسبة النفس…إلخ
ولكن الدين ليس مجرد ممارسات، إنما هو حب القلب لله.
التوبة أيضًا ليست مجرد ممارسات، إنما قد عرفها أحد الآباء الروحيين بعبارة جميلة قال فيها:
التوبة هي استبدال شهوة بشهوة، فتشتهى الله بدلًا من شهوة العالم والجسد والمادة، وما في العالم من رغبات…
في حياة التوبة أصبحت تشتهى المعيشة مع الله، والثبات فيه، والحديث معه والتأمل في صفاته الحلوة. أصبحت تشتهى كل ما يتعلق بالله: كنيسته، كتبه، أسراره المقدسة…
عندما تترك محبة العالم بالتوبة، لا تترك نفسك في فراغ عاطفي، إنما أنت تملؤه بمحبة الله. أو محبة الله هي التي تجعلك تنفصل عن محبة العالم والأشياء التي في العالم.
والعكس صحيح: أنت إذا لم تحب الله، فلن يبقى قلبك فارغًا. سيتعلق بشهوة أخرى غير الله، ويقع في الخطية..
الدين إذن هو عبارة عن شهوة مقدسة، عبارة عن حب إلهي….
هو شهوة روحية ملتهبة داخل القلب تدفعه نحو السير في طريق الله.
وما الممارسات الروحية سوى تعبير عن هذا الحب الإلهي. وخارج هذا التعبير، لا نعتبر هذه الممارسات روحية أبدًا.
بهذه الشهوة المقدسة، قال داود للرب: “مساكنك محبوبة أيها الرب إله القوات. تشتاق وتذوب نفسي للدخول إلى ديار الرب” “فرحت بالقائلين لي: إلى بيت الرب نذهب” “واحدة طلبت من الرب وإياها ألتمس، أن اسكن في بيت الرب كل أيامى، لكى أنظر إلى نعيم الرب وأتفرس في هيكله”.
إذن الذهاب إلى بيت الله – بهذه الصورة – ليس هو مجرد ممارسات روحية، أو واجبات، إنما هو حب وشهوة.
الصلاة أيضًا هكذا، ليست مجرد ممارسات أو واجبات روحية، إنما هي حب، يقول فيها داود “كما يشتاق الأيل إلى جداول المياه، كذلك اشتاقت نفسي إليك يا الله” التحقت نفسي وراءك” “باسمك ارفع يدي فتشبع نفسي كما من شحم ودسم” “متى أقف وأتراءى أمام الله”…
الصلاة إذن هي حب لله. وبسبب الحب نتكلم معه. وإن خلت من الحب يبكتنا الرب بقوله:
“هذا الشعب يعبدني بشفتيه، أما قلبه فمبتعد عنى بعدًا”.
إذن الصلاة ليست فضيلة، إنما الحب الذي فيها هو الفضيلة.
كثيرون صلوا، ولم يقبل الله صلاتهم، لأنهم ليست صلاة حب، مثل صلاة المرائين، مثل صلاة الفريسي الذى يقف يفتخر في الهيكل، ويقول “أشكرك يا رب إني لست مثل أولئك الذين قال لهم الرب “حين تبسطون ايديكم أستر وجهى عنكم، وإن أكثرتم الصلاة لا أسمع. أيديكم ملآنة دمًا” (أش1: 15).
من أجل الحب في العبادة، قال الرب: “يا أبني أعطني قلبك”
لعل بعضهم يقول إن الرب قال بعدها “ولتلاحظ عيناك طرقي”، نقول أن الذى يحب الرب ويعطيه قلبه، طبيعي أن عينيه ستلاحظ طرق الرب، ولكن طاعة الوصية في هذه الحالة، سوف لا تكون طاعة الناموس، أو كطاعة العبيد، إنما ستكون طاعة نابعة عن محبة الله، كما يقول “من يحبني يحفظ وصاياي”… طبيعي أنه سيحفظ وصاياه، لأنه يحبه.
الإنسان الذي يحب الله، إذا وقف ليصلى، يجد الكلمات حلوة في فمه. كلما انتهت كلمات الصلاة يستمر فيها، يود أن تطول وقفته مع الله ولا ينتهي حديثه معه.. أما الذي لا يحب، فإن الصلاة تكون ثقيلة عليه، إنها واجب يغصب نفسه على أدائه، ويفرح متى انتهى منه!!
الإنسان الذي يحب الله، يشتهى الحياة معه. يشعر أن الدين يشبع حياته، يشبع عاطفته يملأ قلبه، لذلك يجد لذة في حياته الروحية، ويعيش فيها بفرح لا يتغصب.
فرق بين من يصوم حبًا في أن تسمو روحه وتلتصق بالله، ومن يصوم كمجرد ممارسة روحية، ويفتن في الطعام الصيامى حتى يشبع جسده به كما يشتهى، دون أن يصل إلى حب الله…
هذا يمكننا أن نسميه إنسانًا نباتيًا وليس صائمًا!
كثيرون يمارسون شكليات الدين، والدين ليس له وجود في حياتهم. محبة الله ليست لها وجود في حياتهم.
إن وصلت إلى محبة الله، تكون سائرًا في طريقه. أما إن كنت لم تصل إلى الحب، فأنت تائه، بعيد عن الرب.
قد يقرأ إنسان الكتاب المقدس، ويصير عالمًا من علماء الدين، دون أن يمس الكتاب حياته. أما الذي يقرأ الكتاب عن حب، فإنه يجد فيه شبعًا وغذاء، ويقول للرب “وجدت كلامك كالشهد فأكلته”. “لكل كمال وجدت منتهى، أما وصاياك فواسعة جدًا”. “كلمة الرب مضيئة تنير العينين”…
بنفس الوضع، ننظر أيضًا إلى الخدمة كعلاقة حب مع الله، الناس تحب الله، وتحب أن كل إنسان يحبه، وتقود الكل إلى محبته. ولا تتحول الخدمة إلى مجرد نشاط أو روتين…
الخادم الروتيني يدعو الناس إلى الممارسات فقط، ويقف عند هذا الحد، عند الدعوة إلى الصوم والصلاة والقراءة والكنيسة، أما الذي يحب الله، فإنه يبدأ بقوله للمخدومين: هل عرفت الله؟ هل أحببته، هل ذقته، هل عاشرته، هل عشت معه؟ هل سكن في قلبك؟ هل أحسست به في حياتك؟!
المنهج، ولا شك، مختلف بين الإثنين في الخدمة..
الخادم الروحي يشعر من يخدمه، بأن الحياة الحقيقية تكمن في الله، وبدونه يكون الإنسان في ضياع. به نحيا ونوجد ونتحرك.
مثلما قال بولس الرسول “لي الحياة هي المسيح” … “خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية، لكي أعرف المسيح، وأوجد فيه”…
لقد لام المسيح اليهود لأنهم كانوا يهتمون بالشكليات في الدين. وإذ بتلميذه يوحنا يقول “الله محبة. من يثبت في المحبة، يثبت في الله، والله فيه” “من لم يحب، لا يعرف الله”.
إذن صل وقل “أريد يا رب أن أحبك، أن أذوقك، أن أحيا معك، وأعاشرك، وأعرفك أريد أن أفتح لك قلبي، وأسكن في قلبك”… هذا هو الدين.
ليس معنى هذا أن أهمل الممارسات الروحية واكتفى بالحب وإنما تكون هذه الممارسات نتيجة الحب. ومصدرًا له…
عندما تحب الله، تصلى والصلاة معه تعمق حبك لله.
حبك لله يجعلك تقرأ الكتاب. وبالقراءة تزداد محبتك له.
لذلك قال أوغسطينوس “أحبب وافعل بعد ذلك ما تشاء”.
في طريقك إلى الله. قل له: لا توجد عندي يا رب سوى صلاة واحدة، لا أطلب غيرها، أرددها ليلًا ونهارًا، من أعماق قلبي، ومن أعماق فكرى، وهي: “أعطني يا رب أن أحبك” فان نموت في هذه الصلاة ستقول:
“أعطني يا رب أن أحبك، وأرى جميع الناس يحبونك”.
أنا لا أريد أن أخدر ضميري بمجرد الممارسات الروحية، لا أريد أن أعزى نفسي باستيفاء جدول روحي يشمل صلاة وصومًا وقراءة وتأملًا، بدون حب. أريد أن أسأل نفسي
هل أنت شاعر بمحبة الله تملأ قلبك أم لا؟ هل تشعر أنه داخل قلبك؟ وأنه توجد صلة بينك وبينه؟
إن الممارسات لا تكفي، حتى إن وصلت إلى المواهب والمعجزات!
كثيرون قالوا للرب في اليوم الأخير، “يا رب أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات وعجائب!” فقال لهم “اذهبوا عنى لا أعرفكم”!! إذ لم يكن لهم حب…
حاول أن تبدأ مع الله بداية سليمة، وتجعل أساس حياتك هو الحب، وإلا فإنك ستفقد روحياتك.
لقد كان الفريسيون حرفيين جدًا في تنفيذ الوصايا، مدققين فيها جدًا، لدرجة أنهم كانوا يحملون الناس أحمالًا عسرة الحمل، ولكنهم لم يصلوا إلى الله، إذ افتقروا إلى الحب. فوجدوا الوصايا صعبة.
أما الذي يحب الله. فإنه يقول مع يوحنا “لأن وصاياه ليست ثقيلة”. وبالحب يجد الوصية سهلة، ينفذها بلا تغصب ويجد الصعوبة كل الصعوبة في كسر الوصية.
لهذا قال يوحنا الرسول “إن المولود من الله لا يخطئ” “لا يستطيع أن يخطئ” “والشرير لا يمسه” لأن زرعه ثابت فيه” وسر هذا الثبات هو الحب.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد السادس والأربعون) 18-11-1977م





