الجدية في الحياة الروحية

الجدية في الحياة الروحية[1]
الجدية هي من أهم عناصر الحياة الروحية. ولو أننا سألنا: كيف وصل القديسون إلى تلك القامات العالية في حياة الروح؟ لكانت الإجابة: ذلك لأنهم سلكوا في الطريق الروحي بجدية كاملة. كان لهم خط واضح رسموه لحياتهم وساروا فيه بقلب ثابت لا يتزعزع. ولم ينحرفوا عنه يمنة ولا يسرة. وكانت لهم مبادئ ثابتة لا يحيدون عنها. ولم يسمحوا مطلقًا للظروف أن تعوقهم.
وهكذا وصل القديسون بسرعة. القديس الأنبا ميصائيل السائح: سلك في الرهبنة بجدية من أول يوم. وأمكن أن يصير من السواح وهو في حوالي السابعة عشرة من عمره. وكان أبوه الروحي الأنبا إسحق يلاحظ الصرامة الشديدة التي يعامل بها نفسه. والقديسان مكسيموس ودوماديوس وصلا إلى درجة عالية في الروحانية، بينما كانت لحية أحدهما لم تنبت بعد. ولكن صلاتهما كانت كشعاع من نور واصل إلى السماء، ذلك لأنهما سلكا في الطريق الروحي بجدية.
والقديس تادرس تلميذ الأنبا باخوميوس وكذلك القديس يؤانس القصير، صار كلًا منهما مرشدًا روحيًا لجيله في الرهبنة، وهو بعد شاب صغير.
بل ما الذي أوصل القديس الأنبا أنطونيوس إلى الرهبنة إلا الجدية. سمع الآية التي تقول: “إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبِعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ… وَتَعَالَ اتْبَعْنِي” (مت19: 21) وسمع هذه الآية معه كل الشعب في الكنيسة. ولكنه كان الوحيد الذي قام قي جدية كاملة ونفذها عمليًا.
كذلك سمع عبارة إن كنت راهبًا لدخلت إلى الجبل في البرية، لأن هذا المكان لا يصلح لسكنى الرهبان – فقال هذا صوت الله لي – وقام في جدية ودخل إلى أعماق الرهبنة وهكذا أسس حياة الرهبنة بجدية.
من منا له مثل هذه الجدية في تنفيذ الوصية، بدقة وسرعة؟
هذه بعض أمثلة في حياة الرهبان. أما في مجال الخدمة، فيمكن أن نذكر كمثال: القديس يوحنا المعمدان، الذي كانت كل مدة خدمته حوالي السنة وفي هذه السنة كرز بالتوبة وأعد للرب شعبًا مستعدًا. وكان جادًا في خدمته حتى قال عنه الرب: “لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ” (مت11:11).
كذلك نذكر الجدية التي سلك بها القديس بولس الرسول في خدمته، حتى أنه تعب أكثر من جميع الرسل الذين كانوا قبله (1كو15: 10).
إن الجدية في الحياة دليل علي الرجولة وقوة الشخصية.
الإنسان الجاد في روحياته، هو إنسان يحترم نفسه، ويحترم مبادئه، ويحترم الكلمة التي تخرج من فمه، ويحترم الطريق الروحي الذي يسلكه. لذلك يتميز بالثبات وعدم الزعزعة هو كسفينة ضخمة تشق طريقها في بحر الحياة بقوة متجهة نحو غايتها، وليس كقارب تعصف به الأمواج في أي اتجاه.
عجيب أن كثيرين يسلكون في أعمالهم المادية والعالمية بجدية. وأما في روحياتهم فلا جدية على الإطلاق.
هم جادون في أعمالهم من أجل المكسب أو الترقية، أو من أجل ثباتهم في أعمالهم، أو خوف الجزاء أو العقوبة أما في روحياتهم فلا حافز داخلي يدفعهم إلى الجدية، ربما لأن مخافة الله ليست في قلوبهم، أو لأن الأبدية ليست أمام أعينهم.
صفات الإنسان الجاد
الإنسان غير الجاد في روحياته، يتأرجح دائمًا بين الصعود والهبوط. ومسيرته غير ثابتة: يسقط ويقوم ويقوم ويسقط. وفي حين يكون حارًا في الروح، وفي أحيان أخرى يكون فاترًا، أو بعيدًا بالكلية عن الحياة الروحية. أحيانًا يصلي وأحيانًا ينسى صلواته. قد يقرأ الكتاب وقد لا يقرأ. إن وجد وقتًا، يجلس مع الله، وإن لم يجد، فإنه لا يهتم كثيرًا ويقابل الأمر بلا مبالاة.
حياته وعباداته تتصف بالتراخي. بينما يقول الكتاب: “مَلْعُونٌ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الرَّبِّ بِرِخَاءٍ” (إر48: 10).
الجدية في الحياة الروحية لا تقبل الإهمال والتراخي والتردد، والرجوع أحيانًا إلى الوراء، ولا تقبل التأرجح بين الفرقتين: محبة العالم ومحبة الله.
الإنسان الجاد لا يتساهل في حقوق الله مطلقًا.
إنه يأخذ حق الله من نفسه أولًا قبل أن يأخذه من الآخرين.
هو يسلك في وصية الله بكل حزم وبكل دقة وبكل عمق. وطاعته لله تكون بغير مناقشة وبغير مساومة.
أبونا إبراهيم سلك في الطاعة بكل جدية، حينما أخذ ابنه الوحيد لكي يقدمه محرقة حسب أمر الرب.
إنه لم يجادل الله ولم يعترض على أمره، إنما أطاع دون أن يتغير قلبه من جهة الرب. هذه هي الجدية في الطاعة.
وبالمثل كان يوسف الصديق جادًا في طاعته للوصية وفي حفظه لعفته، ولو أدى به الأمر إلى السجن.
وكان دانيال النبي جادًا في عبادته للرب، ولو ألقوه في جب الأسود.
الإنسان الجاد له قلب قوي، لا يضعف أمام الظروف الخارجية.
يوحنا المعمدان كان جادًا في حفظ وصية الرب. حينما قال لهيرودس الملك: “لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ امْرَأَةُ أَخِيكَ!” (مر6: 18)… ولقد فعل يوحنا هذا، ولم يبال أن يُلقى في السجن أو تقطع رأسه.
أين هذا من الذين يضغطون على الكنيسة في أن يتزوجوا خلال الصوم، دون أن يأخذوا وصية الله بجدية.
الإنسان الجاد لا يعذر نفسه، ولا يقدم تبريرات لخطيئته.
الرجل هو رجل، مهما كانت الظروف الخارجية. يوسف العفيف كانت تضغط عليه الظروف. لكنه لم يخضع لها ولم يتساهل مع الخطية بحجة أنه عبد، وتحت سلطان غيره، وبإمكان سيدته أن تؤذيه. ودانيال النبي لم يسمح لنفسه أن يأكل من أطياب الملك مع إنه كان أسير حرب وخاضعًا لنظام، لقد كان جادًا في المبادئ التي يؤمن بها، مهما كانت الظروف المحيطة.
الإنسان الروحي يكون جادًا أيضًا في توبته.
فإن ترك الخطية، يتركها بجدية ولا يعود إليها مرة أخرى. يكون جادًا في مقاومة الخطية. ولا يكون كالعبرانيين الذين وبخهم الرسول قائلًا: “لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ” (عب12: 4) ما أعمق جدية هذه العبارة. حتى الدم.
والجاد في التوبة، لا يؤجلها مثلما فعل فيلكس الوالي (أع24: 25) وأغريباس الملك (أع26: 28) بل يكون كالابن الضال الذي قام لوقته وذهب إلى أبيه، وقدم توبة في انسحاق قلب.
وجدية التوبة تظهر في قول ذلك الأب الروحي: “لا أتذكر إن الشياطين قد أطغوني مرتين في خطية واحدة”.
لأنه ما دام قد عرفها، فلا يمكن أن يعود إليها مرة أخرى. أما الذي يعترف ويتناول، ويكرر نفس الخطية، ويكرر نفس الاعتراف فلا شك أنه غير جاد في توبته.
في قصص التوبة المشهورة في سير القديسين، مثل توبة مريم القبطية وبيلاجية وأُغسطينوس وموسى الأسود نلاحظ ملاحظة هامة:
أن التوبة كانت نقطة تحول في الحياة بلا عودة إلى الخطية. كانت توبة جادة، انتقلت من الخطية إلى النقاوة، وارتفعت منها إلى القداسة ثم سمت إلى الكمال. وتحول أولئك الخطاة إلى قديسين. وصاروا أمثلة في حياة البر، وبركة لغيرهم، وصاروا مرشدين روحيين.
كانوا جادين في جحد الشياطين… وكل أعمالهم الرديئة… وكانوا جادين في علاقة الصلح مع الله، وفي شهوتهم للحياة الفاضلة.
أما الذين يخطؤن كل يوم، ويعتمدون على قول المزمور: “لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثَامِنَا” (مز103: 10) فهؤلاء ليسوا تائبين بالحقيقة… ورحمة الله إنما تكون للجادين في توبتهم.
الإنسان الجاد في طريقه الروحي، من صفاته أن ينموا باستمرار.
الجدية تمنحه حرارة روحية، الحرارة تدفعه كل حين إلى قدام. إنه يجاهد من أجل النقاوة والكمال إلى أبعد الحدود… بكل مثابرة واجتهاد ويعطي الله كل قوته وكل إمكانياته… وكل إرادته وكل قلبه… ويعمل بكل النعمة المعطاة له. ولا يقصر في شيء إنما يبذل كل طاقاته.
وفي كل يوم يزداد التصاقًا بالله وقربًا منه. ويزداد عمقًا في المحبة الإلهية، ويزداد فهمًا للفضيلة… وممارسة لها.
إنه لا يدلل نفسه ولا يحابيها، ولا يعذرها في أي تقصير. وإن توانت يغصبها على عمل الله.. حتى تتعوده وتؤديه في حب.
والجاد لا يهتم بهواه الخاص، بل يضحي بأية متعة من أجل الرب.
وهكذا الذين تدربوا على الجدية، كانوا يتعبون باستمرار من أجل الرب.
يضحون دائمًا براحتهم من أجل روحياتهم مثل القديس بولا الطموهي الذي كان يجاهد بتعب شديد في نسكياته، وفي اخضاع جسده لروحه، حتى قال له الرب: “كفاك تعبًا يا حبيبي بولا”. ومثل داود النبي الذي قال: “لا أدْخُل إلَي مَسْكنِ بَيْتي، ولا أصْعَدُ عَلَي سَريرِ فِراشي. ولا أُعْطي لِعَيْني نَوْمًا، ولا لأجْفاني نُعاسًا… إلَي أنْ أجِدَ مَوْضِعًا لِلرَّبِّ، ومَسْكَنًا لإلَهِ يَعْقوبَ” (مز131: 3- 5).. هذه هي الجدية في الحياة الروحية.
والإنسان الجاد إذا وجد صعابًا لا يعتذر بها. بل ينتصر عليها.
إنه لا يستسلم لعقبة، بل يكافح ويصلي، ساعيًا إلى المثاليات، واضعًا أمامه قول الرسول بولس: “ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا” (1كو9: 24). وبهذا يكون باستمرار حارًا في الروح (رو12: 11).
وما دامت المثاليات أمامه، لا يرضى بأنصاف الحلول، ولا باجتياز مرحلة من الطريق، بل يكمل بكل نشاط، متجهًا نحو الكمال. لذلك فهو في صعود مستمر نحو الله. وطبيعي أن الذي يتقدم باستمرار، فهذا لا خوف عليه من النكسات والرجوع إلى الوراء.
إنه يأخذ كل شيء بجدية، إنه جاد في حياة التوبة وعدم التساهل مع الأفكار وهو جاد في خط سيره الروحي وفي كل ممارسات الفضيلة. وهو جاد في تداريبه الروحية، لا يكسرها مهما كنت الأسباب، وهو جاد في كل كلمة تخرج من فمه. وهو جاد أيضًا في كل نذوره وتعهداته أمام الله…
لا ينذر نذرًا ثم يعاود التفكير فيه. أو المساومة. ولا يؤجل الوفاء بنذره ولا يحاول الاستبدال بغيره، ولا يماطل ولا يرجع في كلمته. إنما بكل جدية وبكل سرعة ودقة ينفذ. جاعلًا أمامه قول الكتاب: “أَنْ لاَ تَنْذُرُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَنْذُرَ وَلاَ تَفِيَ” (جا5: 5) ومثال يفتاح الجلعادي واضح في جدية النذر (قض 30:11-35).
والجاد جاد أيضًا في عبادته. لا يكتفي فيها بالشكليات.
إنما هو يهتم بجوهر الروحيات وعمقها لذلك فهو عميق في عبادته، بكل إيمان وكل تواضع وخشوع قلب، يصلي بفهم وحرارة وتركيز، بمحبة قلبية لله. لا يسمح لفكره أن يسرح هنا أو هناك، ولا يسمح لحواسه بالتجول، إنما يسكب نفسه سكيبًا في صلواته وتأملاته ومطانياته وصومه. ولا يكون جسده داخل الكنيسة وعقله خارجها… وكل ما يرشده الرب إليه، يسعي جاهدًا لتنفيذه… ويكون جادًا أيضًا في خدمته.
والجدية تقود دائمًا إلى النجاح وإلى الإتقان.
كل مسؤلية تعهد إليه يؤديها بنجاح وعلي أكمل صورة، سواء في حياته الكنسية. أو في وظيفته العلمانية أو أي مشروع يقوم به.
محاربات الشياطين
ولكن الشيطان يحارب الجدية بكل وسيلة، وربما باقناعات كتابية. قد يسميها أحيانًا حرفية، أو خضوعًا للناموس بدلًا من النعمة. ولكننا نقول إن النعمة لا تشجع الكسل أو التراخي أو التسيب.
أو قد يقول الشيطان إن التراخي ضد المرونة. فنقول: إن المرونة ليست مجالًا للتراخي أو للتحلل من الدقة، والالتزام.أو قد يقول الشيطان إن هذه ضد “حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ” (رو8: 21) فنقول إنه لا توجد حرية تتعارض مع الوصية. والحرية الحقيقية هي التحرر من الخطية.
أخيرًا نقول إن الجدية ترتبط أيضًا بالأمانة والدقة والالتزام.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “الجدية في الحياة الروحية”، وطني 25 يونيو 1995م




